الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 14، ألقاها
يشرح هذا الفصل فضل النبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة، حيث يكون أول من يدخل الجنة وأول من يقرع بابها. يذكر عدة أحاديث نبوية تشير إلى هذا الفضل.
يتحدث هذا الفصل عن شفاعة النبي لأمته يوم القيامة، حيث يشفع لمن دخل النار من أهل الكبائر ويخرجهم منها إلى الجنة بعد إلقائهم في نهر الحياة.
يتناول هذا الفصل بعض الخصائص والفضائل للنبي صلى الله عليه وسلم، مثل حادثة شق صدره وأسماؤه الخاصة وكرامته على الله عز وجل، مع الإشارة إلى بعض الأحاديث الضعيفة والصحيحة المتعلقة بهذه الخصائص.
يفسر هذا الفصل حديثا يؤكد أن الله لا يجمع أمة النبي محمد على ضلالة، ويشير إلى ثبوت ذلك في الأحاديث الصحيحة، مؤكدا على أهمية هذا الحديث في فهم عصمة الأمة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، في باب ما أعطي النبي صلى الله عليه وسلم من الفضل: أخبرنا عبد الله بن عبد الحكم المصري، قال: حدثنا بكر بن مغر، عن جعفر بن ربيعة، عن صالح -وهو ابن عطاء-، هذا قرأناه. قال: حدثنا محمد بن عباد، قال: حدثنا سفيان -وهو ابن عيينة-، علي بن جدعان، وهو علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا أول من يأخذ بحلقة باب الجنة، فأقعقعها». قال أنس: كأني أنظر إلى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركها. وصف لنا سفيان كذا، وجمع أبو عبد الله أصابعه وحركها. قال: وقال له ثابت: مسست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدك؟ قال: نعم. قال: فأعطينيها أقبلها. هذا الحديث بهذا السند فيه ضعف، لكنه في الشواهد، ويشهد له حديث ابن عباس الذي مر معنا برقم 48، وفيه قوله عليه الصلاة والسلام: «أول من يحرك بحلقة الجنة، ولا فخر». وهو أيضا ضعيف، لكن يرتقي مع حديث أنس إلى الحسن. وقد جاء في صحيح الإمام مسلم، من حديث أنس رضي الله عنه، في حديث الشفاعة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فآتي باب الجنة، فآخذ بحلقة الباب، فأستفتح». وهو في صحيح مسلم. وجاء بلفظ: «أن أول من يقرع باب الجنة، أن أول من يقرع باب الجنة». فهذا ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام. فمن فضائله عليه الصلاة والسلام: أنه أول من يقرع باب الجنة، وأول من يفتح له من أهل الجنة. قال: وأخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن المختار بن فلفل، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أول شافع في الجنة». والحديث في مسلم: «أنا أول شافع في الجنة»، يعني أول من يشفع لأهل الجنة في دخول الجنة. قال رحمه الله: وأخبرنا عبد الله بن صالح -وهو كاتب الليث، فيه ضعف-، قال: حدثني الليث -هو ابن سعد-، قال: حدثني يزيد -هو ابن عبد الله بن الهاد-، عن عمر بن أبي عمر، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إني لأول الناس تنشق الأرض عن جمجمتي يوم القيامة، ولا فخر. وأعطى لواء الحمد، ولا فخر. وأنا سيد الناس يوم القيامة، ولا فخر. وأنا أول من يدخل الجنة يوم القيامة، ولا فخر. وآتي باب الجنة، فآخذ بحلقتها، فيقولون: من هذا؟ فأقول: أنا محمد، فيفتحون لي، فأدخل، فأجد الجبار مستقبلي، فأسجد له، فيقول: ارفع رأسك يا محمد، وتكلم يسمع منك، وقل يقبل منك، قال: واشفع تشفع». فأرفع رأسي، فأقول: أمتي، أمتي، يا رب. فيقول: اذهب إلى أمتك، فمن وجدت في قلبه مثقال حبة من شعير من الإيمان، فأدخله الجنة. فأذهب، فمن وجدت في قلبه مثقال ذلك، أدخلتهم الجنة. فأجد الجبار مستقبلي، فأسجد له، فيقول: ارفع رأسك يا محمد، وتكلم يسمع منك، وقل يقبل منك، واشفع تشفع. فأرفع رأسي، فأقول: أمتي، أمتي، يا رب. فيقول: اذهب إلى أمتك، فمن وجدت في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان، فأدخله الجنة. قال: فأذهب، فمن وجدت في قلبه مثقال ذلك، أدخلتهم الجنة. وفرغ من حساب الناس، وأدخل من بقي من أمتي النار مع أهل النار. فيقول أهل النار: ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدون الله، ولا تشركون به شيئا -يعني يقولون: من دخل النار من أهل الكبائر من هذه الأمة، ممن هم من أهل التوحيد-، قال: فيقول الجبار: فبعزتي لأعتقنهم من النار. قال: فيرسلون إليهم، فيخرجون من النار، وقد امتحشوا، فيدخلون في نهر الحياة، فينبتون فيه كما تنبت الحبة في غثاء السيل، ويكتب بين أعينهم: هؤلاء عتقاء الله. فيذهب بهم، فيدخلون الجنة. فيقول لهم أهل الجنة: هؤلاء الجهنميون. فيقول الجبار: بل هؤلاء عتقاء الجبار. الحديث بهذا السند فيه ضعف، وأخرجه الإمام أحمد رحمه الله من طريق أخرى، وهكذا أيضا الإمام البخاري في التاريخ، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله في الصحيحة. وهذا الحديث فيه بيان بعض فضائله عليه الصلاة والسلام، ومنها: أنه أول من تنشق عنه الأرض، وهذا ثابت أيضا في الصحيح. وكذلك أيضا أنه حامل لواء الحمد يوم القيامة، وجميع الأنبياء تحت لوائه عليه الصلاة والسلام. وهكذا قوله: أنه سيد الناس يوم القيامة، ولا فخر، وهذا أيضا ثابت كذلك في الصحيح. وهكذا أيضا أول من يدخل الجنة، وأول من يقرع باب الجنة، وأول من يشفع لأهل الجنة في دخول الجنة، هذا كله ثابت للنبي عليه الصلاة والسلام، وهذا من فضائله عليه الصلاة والسلام. وهكذا أيضا شفاعته لأهل الكبائر، وهذه وإن كان يشاركه فيها غيره من الأنبياء والصالحين، أنه يشفع عليه الصلاة والسلام لأهل الكبائر من هذه الأمة، ممن دخل النار، فيشفع في إخراجهم منها. وهذا الحديث فيه دليل على أن مرتكب الكبيرة ليس بكافر، وإنما هو مرتكب لمعصية وذنب، فهو مؤمن بإيمانه، فاسق بمعصيته، لا كما يقول الخوارج والمعتزلة: بأنه كافر، وأنه يوم القيامة مخلد في النار. فهذا الحديث وغيره، كثير من الأحاديث التي فيها شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، والأنبياء والصالحين لأهل الكبائر، وأنهم يخرجون من النار بعد دخولها، فيلقون في نهر يقال له نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يدخلون الجنة، ويسمون بعتقاء الجبار. قال: أخبرنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس الخولاني، عن ابن غنم، قال: نزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشق بطنه، ثم قال جبريل: ﴿قلب وكيع فيه أذنان سمعتان وعينان بصيرتان محمد رسول الله المقفى الحاشر خلقك قيم ولسانك صادق ونفسك مطمئنة﴾. قال أبو محمد: وكيع يعني شديدا. هذا الأثر مرسل، وهو ضعيف؛ فعبد الله بن صالح ضعيف، ومعاوية بن حيدر كذلك ضعيف. وقوله: نزل جبريل فشق بطنه، هذا ثابت في الصحيحين. حادثة شق صدر النبي عليه الصلاة والسلام ثابتة في الصحيحين. وقوله: ﴿محمد رسول الله المقفى والحاشر﴾، هذا أيضا ثابت في الصحيح: أن من أسماء النبي عليه الصلاة والسلام المقفى والحاشر، كما في حديث أبي موسى في مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي، وأنا المقفى، ولا نبي بعدي، ونبي التوبة، ونبي الرحمة». ومعنى المقفى: يعني الذي جاء بعد الأنبياء، فهو آخر الأنبياء عليه الصلاة والسلام. ومنه يعني قولهم: أخذت قوافي الشعر، يعني أواخر الأبيات. فهو آخر الأنبياء عليه الصلاة والسلام. قال: أخبرنا عبد الله بن صالح، والشاهد من هذا: حادثة شق البطن، فهذا أيضا من خصائصه وفضائله التي حصلت للنبي عليه الصلاة والسلام: أن الله عز وجل أرسل جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فشق صدره، وأخرج قلبه، وجاء بطست من ذهب مملوء بماء زمزم، فغسله، وأخرج منه علقة، وقال: ذاك نصيبك أو حظك من الشيطان، ثم ملأه حكمة وإيمانا، كما ثبت في الصحيحين. قال: أخبرنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن عروة بن رويم، عن عمر بن قيس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أدرك بي الأجل المرحوم، واختصر لي اختصارا، فنحن الآخرون، ونحن السابقون يوم القيامة. وإني قائل قولا غير فخر: إبراهيم خليل الله، وموسى كليم الله، وأنا حبيب الله، ومعي لواء الحمد يوم القيامة. وإن الله عز وجل وعدني في أمتي، وأجارهم من ثلاث: لا يعمهم بسنة -يعني بقحط يعم الجميع جميع المسلمين-، ولا يستأصلهم عدو -يعني يستأصل المسلمين جميعا-، قال: ولا يجمعهم على ضلالة». وهذا الحديث كذلك مرسل، ضعيف. ولبعض فقراته شواهد مما مر في الأحاديث السابقة. وقول: نحن الآخرون، ونحن السابقون، ثبت في الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام: أنه أخبر بذلك: أن هذه الأمة من آخر الأمم بعثا، وأول الأمم دخولا الجنة. وقول: إن الله وعدني في أمتي، وأجارهم من ثلاث: لا يعمهم بسنة، ولا يستأصلهم عدو، ثبت هذا أيضا في دعائه عليه الصلاة والسلام بذلك: إني سألت ربي ثلاثا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، وذكر نحو ذلك: ألا يعمهم بسنة، وألا يسلط عليهم عدوا من غيرهم، فأعطانيها، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وألا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها. وقول: لا يجمعهم على ضلالة، هذا أيضا ثابت في الأحاديث الصحيحة، بمعنى هذه الجملة: أن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.