التعليق على مقدمة سنن الدارمي 61

الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 61، ألقاها

تحذير السلف من الفتن الثلاث

نقل الإمام الدارمي عن عبد الله بن مسعود تحذيره من ثلاث فتن: الدخول على السلاطين، والخلوة بالنساء الأجانب، ومخاصمة أصحاب الأهواء. هذه الفتن سبب لفتنة المرء ونقص دينه.

ذم الجدل وآثاره السلبية

الجدل مذموم وقد يكون سببا للضلال، يجب على المسلم اتباع الحق دون جدال إلا إذا كان لإظهار الحق ورد الباطل. الجدل المذموم يؤدي إلى التنقل بين الآراء ويضر بالدين.

خطورة الجهل والتنقل بين الآراء

الجهل وعدم العلم في التعبد والفتوى يؤدي إلى الوقوع في الأخطاء والضلالات. يجب الثبات على الدين وعدم الالتفات لأهل الأهواء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، في باب من قال: العلم الخشية وتقوى الله. قال: أخبرنا سعيد بن المغيرة، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن محمد بن مطرف وعبد العزيز بن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، عن عبد الله بن مسعود، قال: من أراد أن يكرم دينه فلا يدخل على السلطان، ولا يخلون بالنسوان، ولا يخاصمن أصحاب الأهواء. وهذا الأثر فيه عنعنة الوليد بن مسلم، وهو مدلس، ومعنى هذا الأثر صحيح. أن من أسباب سلامة المرء وإكرام دينه، وأن لا يخدش بشيء ينقصه، أو كذلك أيضا يكون سببا في نقصانه، الابتعاد عن هذه الأمور الثلاثة: الدخول على السلاطين والأمراء؛ لأن ذلك فتنة، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس، وجاء أيضا من حيث أبي هريرة بمعناه: «من أتى السلطان افتتن». وفي لفظ لأبي هريرة: «ولا يزال». ومن ازداد من السلطان قربا، ازداد من الله بعدا؛ لأن الدخول على السلاطين سبب للفتنة والاقتراب بهم، وربما يعني ناله شيء من دنياهم، فتنازل عن شيء من دينه بسبب ذلك. وهذا هو يعني الحاصل والواقع من الكثير ممن ينتسب إلى العلم وإلى الدين والصلاح، أنه إذا قرب من السلاطين، أنه يفتتن بذلك، ويغرر بما يعطى من أمور الدنيا، حتى يسكت عن الحق، ويداهن في الباطل. إلا إذا كان الدخول عليهم من أجل النصيحة لهم، مع علم هذا الناصح والعالم أنه يعني يأمن على نفسه من الفتنة، فلا بأس، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر». وهكذا أيضا الخلوة بالنسوان، والمراد به النسوان، أي النساء الأجانب؛ لأن هذه فتنة، وأعظم الفتن فتنة النساء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء». فالخلوة بهن سبب للإفتتان بهن، فلا يخلون بهن، ولو كان لتعليم العلم، ولو كان لتعليم العلم وإقراء القرآن، فإن ذلك فتنة عظيمة. وهكذا أيضا مخاصمة أصحاب الأهواء ومجادلتهم، فهو أيضا موضع من مواضع الفتن التي ربما يفتن بها المرء، تلقى عليه الشبهة فلا يجد لها جوابا، فتقع في قلبه، فيزيغ بسبب ذلك. ولذلك كان من طريقة السلف الابتعاد عن أهل الأهواء، وعدم مخالطتهم، والسماع منهم، ومجادلتهم، كما سيأتي في الأثر الذي بعده. قال رحمه الله: أخبرنا سعيد بن عامر، وهو الضبعي، قال: عن إسماعيل بن إبراهيم، عن يونس، قال: كتب إلى ميمون بن مهران، وهو ثقة: «إياك والخصومة والجدال، إياك والخصومة والجدال في الدين، لا تجادلن عالما ولا جاهلا؛ أما العالم فإنه يخزن عنك علمه، ولا يبالي ما صنعت، وأما الجاهل فإنه يخشن بصدرك، ولا يطيعك». وهذا الأثر صحيح. قال ميمون بن مهران رحمه الله: «إياك والخصومة والجدال في الدين»، يعني احذر من الجدل في الدين، أن تجادل وتخاصم، تجادل هذا وتجادل ذاك. لماذا؟ قال: «لا تجادلن عالما ولا جاهلا؛ أما العالم فيخزن عنك علمه إذا جدت تجادله وتخاصمه، ورأى أنك صاحب جدل، خزن عنك علمه، فلم تتحصل على العلم الذي عنده، ويكره من كان على هذا الوصف وهذا الحال. وأما الجاهل فستجادله وتخاصمه، فيثير غضبك، ويخشن صدرك، وفي النهاية لا يطيعك، ولا يستمع لك، إذا فهم الفائدة تضيع وقتك، ويعني تغضب صدرك وقلبك بلا فائدة». ولهذا كان طريقة السلف في هذا الباب الابتعاد عن الجدل، الابتعاد عن الجدل. ولهذا ذم الله جل وعلا الجدل في آيات كثيرة من كتابه جل وعلا، فقوله سبحانه: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾. وقوله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾. وهكذا غيرها من الآيات في ذم الجدل. فالجدل مذموم، وفي حديث أبي أمامة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». فإذا الجدل من أسباب الضلال، إذا كان الرجل مجادلا ومخاصما في دين الله، فهذا من أسباب ماذا؟ ضلاله وزيغه. والواجب على المسلم أن يكون متبعا للحق، متى ما تبين له أخذ به، فلا يجادل فيه، ولا يعارضه بآرائه وعقله وأهوائه، إلا إذا كان الجدل إظهار الحق ورد الباطل، مع قدرة صاحبه، ويكون ذلك في المواضع والأحوال المناسبة، فهذا لا بأس به. ومن ذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. وقد ذكر بعض أهل العلم، كالإمام الآجري رحمه الله في «الشريعة»، وغيره ممن كتب في عقيدة السلف، أن من هدي السلف ترك الجدال والخصومة مع أهل الباطل، إلا إذا طرأ العالم إلى ذلك، طرأ العالم إلى ذلك، كان يأتي رجل مبطل من أهل الأهواء يجادله أمام الناس، فهو عنده استطاعة وقدرة، فحينئذ لا بأس أن يجادله، أو أن يطلب السلطان منه مجادلة بعض أهل الباطل، وعنده استطاعة لذلك، فحينئذ لا بأس أن يجيبه ويجادله. أما أن يجعل يعني وقته وحاله وأمره في الجدال والخصام من هنا إلى هناك، فهذا الذي ينبغي تركه. قال رحمه الله: وأخبرنا أبو المغيرة، قال: حدثنا الأوزاعي، وهو عبد الرحمن بن عمر، إمام أهل الشام، قال: عن يحيى بن أبي كثير، قال: قال سليمان بن داود عليه السلام لابنه: «دع المراء؛ فإن نفعه قليل، وهو يهيج العداوة بين الإخوان». وهذا الأثر منقطع، وإن كان كذلك معناه صحيح. قال: أخبرنا يحيى بن حسان، وهو التنيسي ثقة، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، وأبو محمد ثقة فقيه عابد، عن إسماعيل بن أبي حكيم، وهو ثقة، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز، وهو الإمام الحافظ المجتهد الزاهد العابد، أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز - حتى الذي عدى الخليفة الخامس رحمه الله - قيل فيه: كان العلماء في زمنه عنده تلامذة. وكان رحمه الله ذا علم وعبادة وزهد. بكى مرة وهو صغير، فسألت أمه: ما يبكيك؟ قال: ذكرت الموت. فبكت أمه رحمها الله. قال: يقول: «من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل». وهذا الأثر صحيح. من جعل دينه غرضا للخصومات، يعني عرضة للخصومات وللجدال والمراء، يجادل هذا فيعجبه يعني ما أظهره من الجدل فيتبعه، ثم يجادل الآخر فيعجبه جدله فيتبعه، وهكذا يتنقل من رأي إلى آخر بسبب الجدل والخصومات. هذا معنى قوله: «من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل». والواجب على المسلم أنه إذا عرف الحق أن يلزمه، أن يلزمه، ويجعل قلبه كالزجاج، ما وقع عليه ثبت ولم يثبت. وأما إن جعل قلبه كالإسفنج، ما وقع عليه مصه، فهذا الذي يصبح قابل لكل الشبه التي تلقى عليه، وبذلك يضر بنفسه وبدينه. قال رحمه الله: أخبرنا مروان بن محمد، وهو الطاطري ثقة، قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، وهو التنوخي ثقة إمام اختلط في آخره، في آخر أمره، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل المدينة: «إنه من تعبد بغير علم، كان ما يفسد أكثر مما يصلح، ومن عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه، ومن جعل دينه غرضا للخصومة كثرة نقله». والأثر صحيح. كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى أهل المدينة: «إنه من تعبد بغير علم، كان ما يفسد أكثر مما يصلح». لماذا؟ لأنه سيكون على ضلال، عباد بلا علم، يظل صاحبه كما أخبر الله عز وجل عن النصارى أنهم ظلوا؛ لأنهم عملوا ولم يعلموا، فوقعوا في الضلال. وكل من كان كذلك، كما قال ابن عيينة وغيره: «من فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى، ومن فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود؛ اليهود علموا ولم يعملوا، فغضب الله عليهم، والنصارى عملوا ولم يعلموا، فظلوا». فيقول: «من تعبد بغير علم، كان ما يفسد أكثر مما يصلح»؛ لأنه بسبب جهله سيقع في كثير من الأخطاء، وفي كثير من الضلالات، فيكون ما يفسده أكثر مما يصلحه. وتعلمون في قصة الرجل من بني إسرائيل الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، لما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه أراد أن يتوب، فجاء يسأل، فدل على عابد، فسأله: هل لي من توبة؟ قال: «ما لك توبة». فماذا فعل به؟ قتله، وكمل به المائة. انظروا كيف ضر بنفسه بسبب جهله، حجب عليه التوبة، وأفتاه بأنه لا توبة له؛ بسبب أنه ما عنده علم، هو عابد يتعبد لله جل وعلا، عنده عبادة، لكنه ما عنده علم، فكانت فتواه سببا في إزهاق روحه. وهكذا إذا سئل عن أشياء من نحو ذلك مما فيها مضر على الآخرين، وهو يجهل، لا شك أن سيكون في ذلك إفساد عظيم. قال: «ومن عد كلامه من عمله، قل كلامه إلا فيما يعنيه». من عدى كلامه من عمله، يعني أن الإنسان إذا تكلم وحاسب في كلامه، وعلم أنه محاسب على ما يتكلم به وما يتلفظ به، قل كلامه، قل كلامه، وصار لا يتكلم إلا فيما يعنيه، فيحاسب على كل كلمة يتكلم بها وينطق بها. لكن إذا غفل عن ذلك، وظن أن كلامه ليس من عمله، وأن العمل إنما هو ما يعمله بجواره، فحينئذ لا تسأل عن الكلمات التي يلقيها ويتكلم بها، ولا يبالي بها، فتكون سببا في هلاكه، كما قال نبي عليه الصلاة والسلام: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا، تكون من سخط الله، يهوي بها في النار سبعين خريفا». ثم قال: «ومن جعل دينه غرضا للخصومة كثرة نقله». وهو الشاهد. قال: أخبرنا محمد بن يوسف، هو الفريابي ثقة، عن سفيان، وهو الثوري، عن جعفر بن برقان، عن عمر بن عبد العزيز، قال: سأله رجل عن شيء من الأهواء، فقال: «عليك بدين الأعرابي والغلام في الكتاب، ودع ما سوى ذلك». قال أبو محمد: «كثرة نقله أن ينتقل من رأي إلى رأي». وهذا الأثر صحيح. وقوله حين سئل عن شيء من الأهواء، يعني من ضلالات أهل الأهواء والبدع، قال: «عليك بدين الأعرابي والغلام في الكتاب»، يعني عليك بالفطرة، كن على ما عليه هذا الأعرابي وهذا الغلام الصغير الذي لا يعلم شيئا من هذه الأهواء. والمعنى ابتعد عنها واتركها، ابتعد عنها واتركها، ولا تشتغل بها، ولا تهتم بها. وهذا منه نهي عن سماع أهل الأهواء والاشتغال بآرائهم، وكذلك أقوالهم وما يعني يتكلمون به من الأهواء. وقوله رحمه الله: «كثرة تنقله»، قال أبو محمد - يعني المصنف رحمه الله - يفسر ويبين مراد الإمام عمر بن عبد العزيز رحمه الله في قوله: «كثرة تنقله»، قال: «أن ينتقل من رأي إلى رأي، كلما ظهر له رأي أخذه وصار عليه، ثم يظهر له رأي آخر فينتقل، وهكذا يبقى يتنقل من رأي إلى رأي، ومن مذهب إلى آخر». والإمام مالك رحمه الله لما جاءه رجل، قال: «أجادلك». قال: «أجادلك». قال: «فإن جادلتك». قال: «إن غلبتني اتبعتك». قال: «وإن غلبتك». قال: «اتبعتك». قال: «إذن أجعل ديني عرضة للتنقل». اذهب إلى رجل شاك في دينه مثلك؛ فإني على ثبات من ديني. هكذا خصمه رحمه الله. وكذلك ينبغي أن يكون المسلم ماذا؟ على ثبات من دينه، فلا يلتفت لأهل الأهواء، ولا يجادلهم، ولا يخاصمهم. وهذا آخر ما ذكره رحمه الله في هذا الباب. إلى هنا صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. وغدا - كما ذكرنا - إن شاء الله سيكون الدرس في هذا الوقت في «لمعة الاعتقاد» للإمام ابن قدامة رحمه الله. وهذا الدرس سنجعله - إن شاء الله - في المغرب بإذن الله.

شاركنا على