الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 45، ألقاها
يحذر عمر بن الخطاب من المكايلة في الكلام واتباع الأهواء، ويشدد على أهمية اتباع الأثر والعمل بالسنة. يُوضح أن المكايلة تعني المقايسة في الدين وترك العمل بالأثر.
يروي أبو بكر عن الشعبي قصة معاذ بن جبل، حيث يحذر معاذ من اتباع الرأي والقياس عند وجود النصوص الشرعية، ويشدد على ضرورة اتباع القرآن والسنة النبوية.
يتناول معاذ بن جبل التحذير من الابتداع في الدين، ويصف الابتداع بالضلالة. يُشدد على أهمية اتباع الكتاب والسنة وعدم الابتكار في الدين.
يتناول المقطع التحذير من البدع والمحدثات التي يقع فيها الناس، مثل إقامة الموالد وإحداث الأوراد والأذكار، ويحذر من القصاص الذين يعرضون عن الكتاب والسنة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي -رحمه الله- في مقدمة سننه، في باب تغير الزمان وما يحدث فيه: قال أخبرنا أبو نعيم، قال حدثنا سفيان، عن ليث ونبي سليم، عن مجاهد، قال: قال عمر: إياك والمكايلة -يعني في الكلام-. وهذا الأثر ضعيف؛ ليث، ونبي سليم ضعيف. وقوله: إياك والمكايلة، قال أهل اللغة -كابن عبيد القاسم -رحمه الله- وغيره: المكايلة في الكلام بمعنى المقايسة. قال: وأصل ذلك مأخوذ من الكيل في الكلام -يعني أن تكيل له كما يكيل لك، فتقول له كما يقول لك-، وكذا أيضا يكون في الفعل: أن تفعل له كما يفعل لك. وقيل: المراد به الأخذ بالمقايسة في الدين، وترك العمل بالأثر -العمل بالأقيسة، وترك العمل بالآثار-، فيكون فيه معنى الشاهد من ذكره في هذا الباب -يعني إياكم والمكايلة، أي الأخذ بالأقيسة، وترك الآثار التي يجب أن يأخذ بها المسلم، وأن يعمل بها-. قال -رحمه الله-: أخبرنا حجاج البصري، قال حدثنا أبو بكر الهذري -وهو المتروك الحديث، كما قال الحافظ في التقريب-. نعم، أنا أظن بأدرس الماضي. قلت: عند قول المؤلف عن ميمون أبي حمزة في الأثر الذي قبل الأثر: عمر، قلت: هو اسمه سلمة، ومتروك الحديث. قلت ذلك، فهذا قطعا؛ فسلمة هو أبو بكر الهذري. وأما ميمون أبي حمزة فهو الأعور، وهو ضعيف. قال: عن الشعبي -وهو عامل شراحيل-، قال: شهدت شريحا -أي القاضي-، وجاءه رجل من مراد -أي من قبيلة مراد، وهي في اليمن، جهة مارب-، قال: فقال: يا أبا أمية، ما دية الأصابع؟ قال: عشر، عشر -يعني في كل أصبع عشر من الإبل-، فالأصابع كلها فيها مئة، مئة من الإبل، والواحد فيها عشر. قال: يا سبحان الله، أسواء هاتان -فجمع بين الخنصر والإبهام- يعني يقول: هل هذه الأصابع سواء؟ الإبهام والخنصر، هذه كبيرة، وهذه صغيرة، كيف تكون ديتهما واحدة؟ قال شريح: يا سبحان الله، أسواء أذنك ويدك؟ هل أذنك مثل يدك؟ أم أن الأذن صغيرة، واليد كبيرة؟ قال: يا سبحان الله، أسواء أذنك ويدك؟ فإن الأذن يواريها الشعر، والكمة، والعمامة يواريها -يعني يغطيها- يغطيها الشعر، وتغطيها العمامة، وهكذا الكمة. قال: فيها نصف الدية، وفي اليد نصف الدية -يعني الحكم واحد في الأذن، وفي اليد، مع ظهور اليد، وخفاء الأذن أحيانا، ومع صغر الأذن، وكبر اليد، وفي كل منهما نصف الدية-. وقال: ويحك، إن السنة سبقت قياسكم، فاتبع، ولا تبتدع، فإنك لن تظل ما أخذت بالأثر. قال أبو بكر: قال للشعبي: يا هذلي، لو أن أحنفكم قتل، وهذا الصبي في مهده، أكان ديتهما سواء إذا قتل الأحنف -أي الأحنف بن قيس، وكان يضرب به المثل في الحلم-، فيقول: إذا قتل الأحنف، وقتل هذا الصبي في مهده -هذا رجل، وهذا الصبي-، هل ديتاهما سواء -يعني في كل واحد منهما الدية؟ قال: قلت: نعم. قال: فأين القياس؟ فأين القياس؟ فيريد بهذا -رحمه الله- أن الإنسان لا يعمل بالرأي والقياس مع وجود النص، إذا جاء نهر الله، بطل نهر معقل -إذا جاء النص من الكتاب والسنة، بطلت جميع الآراء والأقيسة-، فلا يقايس الإنسان، ولا يعمل برأيه عند وجود النصوص، بل الواجب أن ينقاد لها، وأن يأخذ بما دلت عليه منها الأحكام، قبل ذلك عقله أو لم يقبل فليتهم رأيه، وليتهم عقله، ولا يتهم الشريعة، أو يعارض الشريعة بآرائه وأقيسته. وهذا الأثر، وإن كان ضعيفا، لكن ما فيه من كون دية الأصابع في كل منها عشر من الإبل، هذا ثابت في السنة، والمجمع عليه عند أهل العلم. وهكذا أيضا أن الأذن فيها نصف الدية، واليد فيها نصف الدية؛ فإن القاعدة في الديات: أن كل عضو في الإنسان فيه الدية، كل عضو في الإنسان فيه الدية، وما كان منه عضوان من جنس واحد، ففي كل منهما نصف الدية؛ فاليدان -فاليدان- فيهم الدية، وفي الواحدة منهما نصف الدية، الأذنان الدية، الواحدة منهما نصف الدية، القدمان فيها الدية، والواحدة منهما نصف الدية، وهكذا العينان، إلى آخر ذلك من الجوارح التي في الإنسان. قال -رحمه الله-: وأخبرنا مروان بن محمد، قال حدثنا سعيد أحمد عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، قال: قال معاذ بن جبل: يفتح القرآن على الناس حتى يقرأه المرأة والصبي والرجل، فيقول الرجل: قد قرأت القرآن، فلم أتبع، والله لا قومن به فيهم، لعلي أتبع، فيقوم به فيهم، فلا يتبع، فيقول: قد قرأت القرآن، فلم أتبع، وقد قمت به فيهم، فلم أتبع، لأحتضرن في بيتي مسجدا، لعلي أتبع، فيحتضر في بيته مسجدا، فلا يتبع، فيقول: قد قرأت القرآن، فلم أتبع، وقمت به فيهم، فلم أتبع، وقد احتضرت في بيتي مسجدا، فلم أتبع، والله لآتي أنهم بحديث لا يجدونه في كتاب الله، ولم يسمعوه عن رسول الله، لعلي أتبع. قال معاذ: فإياكم وما جاء به؛ فإن ما جاء به ضلالة. وقوله: يفتح القرآن على الناس، يعني يسهل تعلمه، ويقرأه جميع الناس، أو أكثر الناس، من رجل وامرأة وصبي، فيقول الرجل: قرأت القرآن، فلم أتبع -يعني لم يتبعني أحد من الناس-، يريد أن يكون قدوة، وأن يكون له شان عند الناس، وأن يتبع، فيقوم به فيهم -أي في القرآن، يصلي بهم، ويخطب بالقرآن مثلا، يتكلم بالآيات-، فلا يتبع، فيقيم له مسجد يصلي فيه، أو يعلم فيه، حتى يتبعه الناس، ولا يتبعه أحد، فلما يرى ذلك، يأتي بأمر محدث، ليس في كتاب الله جل وعلا، ولا في سنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، حتى يتبعه الناس. قال: فإياكم وما جاء به؛ فإنما جاء به ضلالة -يعني أن هذا الذي جاء به من رأيه وعقله، مما ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله، فهذا من الضلال-. وهذا الأثر من طريق ربيعة بن يزيد، قال: قال معاذ. وربيعة لم يدرك معاذا، لم يدرك معاذا، إلا أن هذا الأثر قد صح بنحوه عند أبي داود، جاء بنحوه في سنن أبي داود، عن معاذ -رضي الله عنه- من قوله، وسنده صحيح، بنحو هذا الأثر. قال -رضي الله عنه-: ﴿إن من ورائكم فتن يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق والرجل والمرأة والصبي أو الصغير والكبير والعبد والحر فيوشك أن يقول قائل ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره يعني غير القرآن﴾، قال: ﴿فإياكم وما ابتدع فإنما ابتدع ضلالة﴾، ثم قال: ﴿وإحذروا زيغة الحكيم فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلال على لسان الحكيم وقد يقول المنافق كلمة الحق﴾، فقال الراوي عن معاذ: ما يدرينا؟ قال: ما يدريني أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: بلى، اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال فيها: ما هذه؟ ولا يثني كذلك عنه؛ فإنه لعله يراجع، وتلقى الحق إذا سمعته؛ فإن على الحق نورا. الشاهد من هذا الأثر ما يدل على هذا الأثر المذكور في هذا الموضع؛ فهو -رضي الله عنه- حذر مما ابتدعه هذا الرجل الذي ترك الكتاب والسنة عندما لم يتبعه الناس، وأخبر بأن ما جاء به ضلالة. نعم، بهذا يكون انتهى هذا الباب، ما يتعلق بكراهية أو تغير الزمان وما يحدث فيه. نعم، هذا الأثر -يعني مثله- ما يقع فيه كثير من الناس من البدع والمحدثات، بفعل الموالد مثلا، أو بإحداث بعض الأورد والأذكار، أو كذلك أيضا ما يفعله بعض القصاص الذين يعرضون عن الكتاب والسنة، ويتون بالقصص والغرائب والعجائب والأشياء المكذوبة، يحدثون بها الناس حتى يلتف الناس حولهم، ويتبعهم الناس، أمثال هؤلاء مبتدعة، قد حذر العلماء -رحمهم الله- من أمثال هؤلاء. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.