التعليق على حلية طالب العلم 32

التعليق على حلية طالب العلم 32

الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 32، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

الهمة العالية من سجايا الإسلام وآداب طالب العلم

يشرح المقطع الأدب الرابع والعشرين لطالب العلم وهو كبر الهمة في العلوم، مبينًا أن الهمة صفة عزيزة ترفع صاحبها إلى أعلى الدرجات وتكسبه محاسن الأخلاق. ويستشهد بكلام عن سجايا الإسلام بأن علو الهمة يجلب خيرًا غير منقطع ويجعل الطالب في ميدان العلم والعمل لا يقف إلا على أبواب الفضائل.

فرق بين كبر الهمة والكبر وأثر الهمة العالية

يشرح المقطع أن كبر الهمة يتطلب جهداً وصعوداً ويسلب صاحبه سفاسف الآمال، ويجتث شجرة الذل والتملق، ويمنح الثبات في المواقف. ويؤكد الفرق العظيم بين كبر الهمة حلية ورثة الأنبياء وبين الكبر داء الجبابرة محذراً طالب العلم من الخلط بينهما.

علو الهمة وتجنب التطلع إلى ما في أيدي الناس

يبيّن المقطع أن علو الهمة يعني عدم تشوّف المسلم لما في أيدي الناس لأن التطلع يوقع في المنة والملكية للرقبة. مستدلاً بأحكام التيمم ورفض هبة ثمن الماء وبحديث اليد العليا خير من اليد السفلى مؤكداً أن التوكل على الله يضمن الرزق دون ذل.

الخاتمة والدعاء الختامي

يختتم المقطع بالصلاة على النبي محمد وآله والحمد لله، ويذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه. أما بعد: فمر معنا في الدرس الماضي ضمن حلية طالب العلم الكلام حول الفصل الرابع الذي يتعلق بآداب الزمالة، آداب الزمالة. وركز رحمه الله تعالى على الحذر من قرين السوء، والحرص على القرين الطيب الصالح. وإذا وفق الشخص إلى القرين الصالح، فينبغي أن يحافظ عليه، ينبغي أن يحافظ عليه بدوام الألفة واستمرار المودة والمحبة فيما بينهما. وكما سبق أنه من السهل أن يضيع الإنسان ألف صديق في لحظة واحدة، لكن من الصعب أن يكسب مودة الأصدقاء الطيبين إلا لربما بعد فترات وأزمنة. ثم ذكر رحمه الله تعالى الفصل الخامس: قال: آداب الطالب في حياته العلمية، في حياته العلمية. والمقصود بهذا الفصل هو آداب وأمور ينبغي أن يحرص عليها الطالب، وهي تتعلق بمسيرته التعليمية. وطالب العلم يا إخوان يصنع لنفسه ترجمة، يصنع لنفسه ترجمة من خلال السلوك الحسن، ومن خلال الجد والاجتهاد، ومن خلال تعامله مع الآخرين، تعامله مع الآخرين. قال رحمه الله تعالى في الأدب الرابع والعشرين: قال: «كبروا الهمة في العلوم». يعني أن يكون طالب العلم ذا همة عالية، ذا همة عالية. والهمة يا إخوان هي صفة كما قال العلماء عزيزة، صفة عزيزة تكون عند الإنسان، تكون عند الإنسان. وهذه الهمة قد تكون عالية فتعلو بصاحبها إلى أعلى الدرجات، وقد تكون ضعيفة فتبقي صاحبها لربما في الدركات، وهكذا تجعله متصفًا بأقبح الصفات، بأقبح الصفات. فلهذا يختلف الناس على حسب ما عندهم من الهمم. فشخص عنده همة عالية يقال له شجاع، بينما صاحب الهمة النازلة والضعيفة يقال له جبان. ولك أن تلاحظ المسافة بين الشجاع والجبان، وبين الكريم والبخيل، وبين المحسن والمسيء، وهكذا حدث ولا حرج عن التفاوت الذي يرجع إلى اختلاف الهمة، إلى اختلاف الهمة. والإنسان يا إخوان يستطيع أن يرفع همته، أو أن يضعها، أو أن يضعها. قال رحمه الله تعالى: قال: «من سجايا الإسلام»، من سجايا الإسلام. ومعنى سجايا الإسلام: أي من أخلاقه وطباعه التحلي بكبري الهمة، بكبري الهمة. قال: «مركز السالب والموجب في شخصك الرقيب على جوارحك، الرقيب على جوارحك». قال: «كبار الهمة يجلب لك بإذن الله خيرًا غير مجذوذ»، أي خيرًا غير مقطوع وغير مكسور، كما في قوله عز وجل: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [القمر: 19]، أي غير منقطع، غير منقطع. قال: «لترقى إلى درجات الكمال، فيجري في عروقك دم الشهامة، والرقض في ميدان العلم والعمل، فلا يراك الناس واقفًا إلا على أبواب الفضائل، ولا باسطًا يدك إلا لمهمات الأمور». وهذا يا إخوان كما سبق هو من أثر الهمة، تعلو بصاحبها إلى أعلى الدرجات، وتجعل صاحبها يتصف بأحسن الصفات. وهذا يا إخوان يتطلب ماذا؟ يتطلب جهدًا. الصعود دائمًا يتطلب جهدًا، بينما النزول والهبوط يعتبر من أسهل ما يكون، من أسهل ما يكون. ومن جد وجد، ومن زرع حصد، أكذا كما قيل. قال رحمه الله تعالى: قال: «والتحلي بها»، أي بالهمة العالية الكبيرة. قال: «والتحلي بها يسلب منك سفاسف الآمال والأعمال». وقوله: «سفاسف»، المقصود به: الرديء الحقير من كل شيء. يقال: سفاسف الأخلاق، وسفاسف الأفعال، وسفاسف الأقوال، يعني الرديء منها. الهمة ترزق صاحبها التحلي، أو التحلي بالهمة العالية يسلب من صاحبها سفاسف الآمال والأعمال. قال: «ويجتث منك شجرة الذل والهوان والتملق والمداهنة». وقوله: «يجتث»، أي يقطع، أو في بعض الأحيان يقلع. وأيهما أبلغ: القطع أم القلع؟ أيهما أبلغ يا أخانا أبا سالم، القطع أم القلع؟ القلع، هذا أبلغ. فانظر إلى أثر الهمة، فتجتث من الشخص شجرة الذل والهوان والتملق والمداهنة. والتملق يا إخوان هو عبارة عن التودد إلى الشخص طمعًا فيه، طمعًا فيه. يقال: تملق. وهكذا أيضًا المداهنة هي عبارة عن الخداع والمراوغة وإظهار خلاف ما يخفي، خلاف ما يخفي. قال: «فكبير الهمة ثابت الجأش»، أي ثابت النفس وثابت القلب. والمقصود بهذا أنه يكون ثابتًا عند الشدائد، لا يتزعزع ولا يضطرب. قال: «لا ترهبه المواقف»، لا ترهبه المواقف. وهذا يا إخوان من توفيق الله عز وجل لمن شاء من خلقه وعبيده. قال: «وفاقدها جبان رعديد، تغلق فهمه الفهاهة». هذا بالنسبة لي صاحب الهمة النازلة الذي ليس عنده همم عالية، هذا صاحبها يكون جبانًا. والجبن كما هو معروف شدة الخوف، وهكذا يكون رعديدًا. والرعديد هو الشخص الجبان التي ترتعد وتضطرب جوارحه عند القتال. هذا كله بسبب الجبن، هذا كله بسبب الجبن. يقال له: رعديدًا. وأما الرعديد من النساء فالمعنى يختلف، قالوا: المقصود به ماذا؟ المرأة الناعمة، المرأة الناعمة، فتوصف بأنها رعديدة. قال: «تغلق فهمه»، أو «تغلق»، فما هو الفهاهة؟ وتغلق، فما هو الفهاهة؟ والمقصود بالفهاهة: أي العي، أنه ماذا؟ أنه يعني لا يستطيع أن يتكلم، ولا يستطيع أن يعبر، بسبب ماذا؟ التعب الشديد الذي أصابه، والعجز الذي عرف به. قال رحمه الله تعالى: قال: «ولا تغلط، ولا تغلط فتخلط بين كبر الهمة والكبر». هناك فرق يا إخوان بين أن يكون الشخص عنده همة كبيرة يريد ماذا؟ يريد أن ينال الدرجات العالية ببذل الأسباب، وبين إنسان متكبر يظن أنه قد وصل إلى الدرجات العالية وهو لا يزال في الحضيض وفي الدركات. قال: «فإن بينهما من الفروق كما بين السماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع، والأرض ذات الصدع». إذن الفارق عظيم والبون شاسع. قال: «كبر الهمة حلية ورثة الأنبياء»، أي العلماء. «والكبر داء المرضى بعلة الجبابرة البؤساء». قال: «فيا طالب العلم، أرسم لنفسك كبر الهمة، ولا تنفلت منه». وقد أومأ الشرع إليها في فقهيات تلابس حياتك لتكون دائمًا على يقظة من اغتنامها. ومنها: إباحة التيمم للمكلف عند فقد الماء، وعدم إلزامه بقبول هبة ثمن الماء للوضوء، لما في ذلك من المنة التي تنال من الهمة منالًا. قال: «وعلى هذا فقس، والله أعلم». ولاحظ كيف ختم هذا المبحث وهذا الأدب بهذه الفائدة. والمقصود، والمقصود من هذا كما بيّن العلامة العثيمين رحمه الله تعالى: أن علو الهمة أن لا يكون الشخص متشوفًا لما في أيدي الناس، لا يتشوف إلى ما في أيدي الناس. لماذا؟ قال: لأنك إذا تشوفت ومن الناس عليك ملكوك. وهذه يا إخوان لفتة مهمة جدًا بالنسبة لطالب العلم ولغيره. اليد العليا خير من اليد السفلى. لا يبقى الشخص يلتفت يمينًا يسارًا، آه، أيش توزع، أيش توزع، لحم، صيد، دجاج، رز، زيت، يبقى يلتفت كالثعلب: ماذا الذي يدور حوله؟ من يستغني يغنه الله. وليكن واثقًا أن ما كتب الله له من قليل أو كثير سيصل إليه لا محالة. فهذا العطاء الذي يتشوف إليه الإنسان بخلاف الذي يأتي من غير مسألة، ومن غير استشراف ولا تشوف. فالذي يأتي من طريق التشوف، فضلًا عن المسألة، هذا يعتبر فيه منه على الشخص، وفيه ملك للرقبة. فلو أعطاك الإنسان ما أعطاك، لوجد أن يده أعلى من يدك، يده أعلى من يدك، كما في الحديث: «اليد العليا خير من اليد السفلى». ولهذا يا إخوان لو أن الشخص مضطر، يعني في فلاة وليس هناك ما يتوضأ به، فأتى شخص قال: ها، ما عندك ما... أنا سأعطيك ما... هل يجب عليه أن يأخذ؟ الجواب: لا، لا يجب، إذا كان يخاف أن هذا الشخص... في... أو ماذا؟ سيمن عليه بهذا العطاء بعد ذلك. يتيمم أفضل من كونه يأخذ من ذلك الماء، أو يعطيه نقودًا يشتري له ماء، ثم قد يمن عليه بسبب ذلك. أما إذا أمن المنة، فيأخذ ويتوضأ، ويسقط الواجب، ويسقط الواجب. لاحظوا في مثل هذه الضرورات، ومع هذا كلنا مطالب بأن يكون ذا همة عالية، ومكانته رفيعة، ولا يوقع نفسه في ماذا؟ الدركات، أو في مواطن يكون محلاً للتنقص والمنة من قبل الآخرين. وطالب العلم هو أولى وأحرى بهذه الآداب وبهذه الأخلاق في حياته كلها، في حياته كلها. يأتي معنا إن شاء الله عز وجل الكلام حول بعض الآداب التي يحتاجها الطالب في حياته العلمية. كان الحديث حول الأدب الأول الذي يتعلق بكبر الهمة في العلم. فأسأل المولى تبارك وتعالى أن يوفقنا جميعًا لكل خير، وأن يصرف عنا كل شر وضير، وأن يجعلنا جميعًا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر