الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 31، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول المقطع الفصل الرابع من حلية طالب العلم متحدثاً عن أدب الزمالة، ويؤكد أهمية الحذر من قرين السوء لتأثيره الكبير على دين الإنسان وخلقه، مستدلاً بأحاديث نبوية وآيات قرآنية وأمثال عربية تثبت أن الصحبة تسحب صاحبها إلى خير أو شر.
يبين المقطع ضعف حديث "أدب السوء دساس" ويؤكد تأثير الصحبة السيئة في اكتساب الأخلاق الذميمة تشبهاً بأسراب القطا، ثم يبرز قاعدة فقهية وطبية وهي "الدفع أسهل من الرفع" أي الوقاية خير من العلاج، ويختتم بتقسيم الصداقة إلى ثلاثة أنواع: صديق منفعة، وصديق لذة، وصديق فضيلة، محذراً من النوعين الأولين لانقطاعهما بزوال السبب.
يتحدث المقطع عن ندرة الصديق الفاضل الذي تبنى صداقته على تبادل الاعتقاد في رسوخ الفضائل، مستشهداً بقول هشام بن عبد الملك عن الأخ الذي تزول بينهما مؤنة التحفظ، كما يفسر لغزاً لفظياً في كلمة "العزلة" مبيناً أنها تكون زلة إن خلت من العلم، وعلة إن خلت من الزهد، داعياً إلى الحرص على مصاحبة الطيبين الصالحين.
يختتم المتحدث الدرس بالصلاة على النبي محمد والحمد لله، ويذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع حلية طالب العلم للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. ذكر رحمه الله تعالى بعد آداب الطالب مع شيخه فصلاً، فقال: الفصل الرابع: أدب الزمالة. أدب الزمالة: والزمالة تطلق على علاقة رفقة من الناس وصداقة تكونت في مجال من المجالات، تكونت في مجال من المجالات، ومنه قيل: من يقرب من الآخر زميلاً، ويجمع على زملاء، وفي الإناث زميلات. ومنه زميل العمل، وهو الرفيق الذي يشتغل معك في العمل، وهو زميلك في المهنة. وهكذا أيضاً تطلق الزمالة فيما يتعلق بالدراسة، ويطلق الزميل على الذي يركب خلف الراكب على الدابة، وقال له: زميل. وهكذا يطلق الزميل على الرفيق الذي يكون في السفر، وهكذا غير ذلك. هذه الزمالة التي تكون بين طلاب العلم، وقد تكون بين أرباب المهن والحرف وغيرها، لها حقوق، وفيها آداب ينبغي أن تراعى. قال رحمه الله تعالى: أدبوا الزمالة. ثم ذكر الأدب الثالث والعشرين على التسلسل من أول هذه الحلية، قال: احذر قرين السوء. احذر قرين السوء. وقرين السوء هو الجليس والمصاحب الذي يكون له أثر كبير على من يجالس. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث أبي هريرة عند أبي داود: «المرء على دين خليله»، أي على طريقة صاحبه وجليسه، على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل. وهكذا مر معنا حديث أبي موسى الأشعري: «مثل الجليس الصالح ومثل جليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير» الحديث. وكم يا إخوان للجليس أثر على جليسه، سواء كان في باب الخير أو كان في أبواب الشر. ولهذا العرب قديماً كانت تقول: من جالس جانس. من جالس جانس، يعني من جالس طيبين كان ذلك سبباً في أن يكون طيباً وصالحاً، ومن جالس الفاسدين كان ذلك سبباً في فساده. وهكذا كانوا يقولون: الصاحب ساحب، أي يسحب صاحبه إلى ما هو عليه، إلى ما هو عليه. وقد قيل قديماً أيضاً: إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم، ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي. عن المرء لا تسل، وسل عن قرينه، فإن القرين بالمقارن يقتدي. وأصدق من هذا وذاك قول ربنا عز وجل: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى يَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: 27-29]. فهذا يدل على خطورة الجليس. قال رحمه الله تعالى: قال احذر قرين السوء، قال: كما إن العرق دساس، فإن أدب السوء دساس. وما هو العرق هنا؟ قوله: كما إن العرق دساس، وقوله دساس أي دخال، وأنه ينزع في خفاء ولطف قد لا يشعر الإنسان بذلك. كما أن العرق يؤثر وهو مختف، كذلك أيضاً الطباع والعادات التي يرثها الإنسان عن أصله تؤثر في ذلك. قال: كما إن العرق دساس. وقد جاء في حديث أنس رضي الله تعالى عنه عند الإمام ابن عدي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تزوجوا في الحِجر الصالح، فإن العرق دساس». وهذا الحديث لا يصح، بل هو يعتبر من الموضوعات، كما أشار إلى هذا غير واحد من أهل العلم، كالإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى، وهكذا الألباني كما في السلسلة الضعيفة وضعيف الجامع. قال: فإن أدب السوء دساس، إذ الطبيعة نقاله، والطباع سراقة. وقوله هنا: إذ الطبيعة نقاله، المقصود بهذا أن الطباع والأخلاق تنتقل من شخص إلى آخر. وقوله: والطباع سراقة، يعني أن النفوس تقتدي بمن حولها وتفعل مثل أفعالها، ولو من حيث لا تشعر. يجلس مع مجموعة فإذا بهم يسبون ويلعنون، وهو لا يعرف السباب ولا اللعن، ما هي إلا فترة وإذا به يسب واللعن يخف على لسانه ويسهل، أو يسهل عليه أن يتلفظ به. لاحظوا: الطباع سراقة. قال: والناس كأسراب القطى مجبولون على تشبه بعضهم ببعض. قال: فاحذر معاشرة من كان كذلك، فإنه العطب. وقوله: والناس كأسراب القطى، كأسراب، أسراب جمع سرب، والمقصود به الجماعة. المقصود به الجماعة، ففي الطيور يقال: جماعة الطيور، وفي الضبإ والحيوانات الأخرى يقال: قطيع، يقال قطيع. ومنه قول الشاعر: ومنه قول الشاعر: أَسْرِبَ القَطَا هَلْ مِنْ مُعِيرٍ جَنَاحَهُ ... لَعَلِّي إِلَى مَنْ قَدْ هَوَيْتُ أَطِيرُ أَسْرِبَ القَطَا، هَلْ مِنْ مُعِيرٍ جَنَاحَهُ... والقطى كما ذكر العلماء هو عبارة عن طائر، وهذا الطائر في حجمه يشبه الحمام، إلا أنه ثقيل المشي، ثقيل المشي، وهو صغير المقار، وقصير الأرجل، وأرجله مغطاة بالريش الناعم، وهو في الغالب يرتاد الصحاري بأعداد كبيرة، ويتغذى على براعم النبات وعلى البذور. قال: الناس كأسراب القطى، ما لهم؟ قال: مجبولون على تشبه بعضهم ببعض. وهكذا أسراب الطيور التي تمشي مع بعض، فيقلد آخرها أولها، يقلد آخرها أولها. وهكذا الناس مجبولون على أن يتشبه بعضهم بالبعض الآخر، وإن كان هذا التشبه سيئاً، وإن كان هذا التشبه سيئاً، فإنه الغالب على الناس. قال: فاحذر معاشرة من كان كذلك، من كان كذلك، قال: فإنه العطب. والمقصود بالعطب: أي الفساد والهلاك، الفساد والهلاك، يعني أن سبب الهلاك في الدنيا والآخرة قد يكون بسبب مجالسة السيئين ومصاحبة الفاسدين. قال رحمه الله تعالى: قال: والدفع أسهل من الرفع. قال: والدفع أسهل من الرفع. وهذا يا إخوان كلمة عظيمة جداً، بل هي كما أشار العلامة العثيمين رحمه الله تعالى تعتبر قاعدة فقهية، ذكرها غير واحد من أهل العلم كالحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى، وبمعناها قول الأطباء: الوقاية خير من العلاج. الوقاية يعني قبل حلول الداء ونزول المرض، خير من ماذا؟ خير من العلاج الذي يكون بعد نزول الداء والمرض. قال: لأن الدفع... قال: لأن الدفع ابتعاد عن الشر وأسبابه، لكن إذا نزل الشر صار من الصعب أن يدفعه الإنسان، أن يدفعه الإنسان، فينبغي أن يحفظ هذا، فإنه مفيد: الدفع أسهل من ماذا؟ من الرفع. أسهل من الرفع. قال: وعليه فتخير للزمالة والصداقة من يعينك على مطلبك، ويقربك إلى ربك، ويوافقك على شريف غرضك ومقصدك. وخذ تقسيم الصديق في أدق المعايير. ثم ذكر رحمه الله تعالى، ذكر رحمه الله تعالى أن الصديق على أنواع، قال: أولاً: صديق منفعة. ثانياً: صديق لذة. ثالثاً: صديق فضيلة. قال: فالأولان منقطعان، منقطع موجبهما: المنفعة في الأول، واللذة في الثاني. الصحبة والزمالة التي تكون على مصالح، إذا قضى مصلحته تركك. والتي تكون على لذة، على شهوة، إذا قضى شهوته وأخذ لذته تركك. لكن الصداقة التي تكون مبنية على الفضيلة، قال: وأما الثالث فالتعويل عليه، وهو الذي باعث صداقته تبادل الاعتقاد في رسوخ الفضائل لدى كل منهما، ورجلان تحابا في الله، اجتمع عليه وتفرق عليه. قال: وصديق الفضيلة هذا عملة صعبة، يعز الحصول عليها. اش معنى يعز الحصول عليها؟ نعم، يصعب، يصعب الحصول عليها. ويا إخوان، كم هو من السهل على الشخص أن يضيع ألف زميل، ولو في لحظة، ولو برسالة، ولو بكلمة، ممكن أن يهدم زمالة في أقصر مدة وأسهل جهد يقوم به. لكن من الصعب أن يكسب من الزملاء والأصدقاء الصالحين الخيرين الطيبين. قال: وصديق الفضيلة هذا عملة صعبة يعز الحصول عليها. قال: ومن نفيس كلام هشام بن عبد الملك المتوفى سنة مئة وخمس وعشرين من الهجرة. من هذا هشام بن عبد الملك يا أبا سعد؟ ماذا تعرف عنه؟ نعم، ابن عبد الملك بن مروان بن الحكم، بل كان أميراً ثم أصبح خليفة، نعم، أحد خلفاء الدولة، أو أحد خلفاء بني أمية، وكان من الخلفاء... ماذا؟ الحازمين، من الخلفاء الحازمين. ابن عبد الملك بن مروان. قال قوله: ما بقي من لذات الدنيا شيء إلا أخ، أرفق مؤونة، ارفع مؤونة التحفظ بيني وبينه، بيني وبينه. وهذا يدل على كمال الصفاء والأخوة والتعاون الذي يكون بين الزملاء، يصل أحياناً يا إخوان أن الزميل مع زميله كأنهما شيء واحد، كأنهما شيء واحد، قد يأخذ من جيبه بإذنه ويأخذ الآخر من جيب الآخر، ولا يكون هناك شيء من الحساسية بينهما، فكأنهما شخص واحد، فليس هناك بينهما مؤنة. قال: ومن لطيف ما يقيد قول بعضهم. ومن لطيف ما يقيد... أيش يقيد؟ يقيد بالكتابة يا إخوان، يقيد بالكتابة. قول بعضهم، وهذا نقله عن كتاب العزلة لأبي سليمان الخطابي رحمه الله تعالى، كما أشار في الحاشية. قال: العزلة من غير عين العلم زلة، ومن غير زاي الزهد علة. وهذه يا إخوان من الأمور التي يلغز بها، فما هو المقصود؟ نعم يا خادم محفوظ. قوله: العزلة... العزلة طيب، من غير عين العلم زلة. نعم، هنا شيء لفظي ومعنوي أيضاً. العزلة متى تكون زلة؟ إذا العزلة متى تكون زلة؟ إذا حذفنا ماذا؟ العين. أحسن، احذف العين تكون زلة. والعين هذا يشار به إلى العلم، فإذا لم يكن مع هذه العزلة علم، زل صاحبها، زل صاحبها. والأصل يا إخوان أن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل ممن لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم، إلا إذا خاف على نفسه أو على أهله وولده، فيوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواضع القطر، يفر بدينه من الفتن. طيب، الأمر الآخر: قال: ومن غير زاي الزهد علة. نعم يا أبا مجاهد، العزلة متى تكون علة؟ إذا حذفنا الزاي، إذا حذفنا الزاي، ويرمز بزايها هنا إلى الزهد، إلى الزهد. فالعزلة إذا لم يكن معها زهد كانت علة ومرض على صاحبها، على صاحبها. فهذا يا إخوان من الأمور التي ينبغي أن ينتبه لها: الحرص على مجاملة ومجالسة الطيبين الصالحين، حتى في المراكز ودور الحديث والمساجد. طالب العلم أحرص إلى مجالسة الجليس الطيب والجليس الصالح. أسأل المولى تبارك وتعالى أن ينفعني وإياكم بما نقول أو نسمع، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر