الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 30، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يروي المقطع قصة صبيغ بن عسل التميمي الذي قدم المدينة ليسأل عن متشابه القرآن بقصد التعنت، فأرسل إليه عمر بن الخطاب وضربه بعراجين النخل حتى برأ ثم عاد لضربه، فاعترف صبيغ بذهاب ما في رأسه من المتشابه، فنفاه عمر إلى البصرة وكتب إلى أبي موسى الأشعري بعدم مجالسته.
يُبيّن المقطع قصة صبيغ بن عسل الذي نَفاه عمر بن الخطاب وعاقبه بالضرب لتعنته في السؤال واشتباهه برأي الخوارج، كما يُذكر موقف الشافعي المشابه لحكم عمر في أهل الكلام، وينقل عن ابن كثير والنووي وابن عمر البراءة من القدرية والمبتدعين وتحذير السلف من مجالستهم.
يوضح المقطع أن المبتدعين يكثرون عند قلة العلم وموت العلماء، وأن نشر العلم وإقامة الحجة يهزم البدع كما أبطل موسى سحر السحرة، ويؤكد أن هجر المبتدع يخضع لموازنة المصالح والمفاسد وفق توجيهات شيخ الإسلام ابن تيمية.
يُعلن المتحدث انتهاء الفصل الخاص بآداب الطالب مع شيخه ويبشر ببدء الفصل الرابع المتعلق بآداب الزمالة، داعياً الله أن يوفقهم للعلم النافع والعمل الصالح وأن يحسن أخلاقهم.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع حلية طالبي العلم، ومع هذه الفصول والأبواب المفيدة النافعة، ونحن لا يزال الحديث حول آداب الطالب مع شيخه، وذكر رحمه الله تعالى فصلاً يتعلق بالتلقي عن المبتدع، وأطال رحمه الله تعالى في التحذير عن الأخذ عن المبتدعة لخطورة هذا الباب، وأنه ينبغي على طالبي العلم أن يفر منهم فراره من الأسد، ثم ختم رحمه الله تعالى هذا الباب. قال: وعن سليمان بن يسار، وسليمان بن يسار هو أبو أيوب، ويقال أبو عبد الله، ويقال أبو عبد الرحمن الهلالي مولاهم المدني، مولى ميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكان سليمان بن يسار أحد فقهاء المدينة السبعة الذين كان يرحل إليهم، يرحل إليهم طلاب العلم إلى المدينة، وقيل فيه وفي من معه: إذا قيل من في العلم سبعة أبحر، روايتهم ليست عن العلم خارجه، فهم عبيد الله، عروة، قاسم، سعيد، سليمان، أبو بكر، أو أبو بكر خارجه. هؤلاء هم فقهاء المدينة السبعة، وهم: عبيد الله، أي ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسعيد بن المسيب، وسليمان هذا بن يسار الذي نحن بصدد الحديث عنه، وأبو بكر هو ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وخارجه هو ابن زيد بن ثابت الأنصاري. فسليمان بن يسار أحد فقهاء المدينة السبعة. قالوا عن سليمان بن يسار: أن رجلاً يقال له صبيغ، وصبيغ هذا هو ابن عسل التميمي، قال: قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن، يسأل ليس سؤال متعلم، وإنما سؤال متعنت، يتتبع المتشابه من القرآن، يتتبع المتشابه من القرآن لكي يعمل ضجيجاً ويربك الآخرين. قال: فجعل يسأل عن متشابه القرآن، قال: فأرسل إليه عمر رضي الله عنه، وقد أعد له عراجين النخل، عراجين جمع عرجون، وهو العود الأصفر الذي فيه الشماريخ التي يكون فيها التمر، ﴿ العرجون كالعرجون القديم ﴾، قال: وقد أعد له عراجين النخل، فقال: من أنت؟ عمر يسأل صبيغاً هذا، قال له: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله صبيغ، قال: فأخذ عرجوناً من تلك العراجين فضربه حتى دمى رأسه، ثم تركه حتى برأ، ثم عاد أن يضربه، قال: ثم تركه حتى برأ، قال: فدع به ليعود، أي لكي يضربه مرة ثالثة، فقال صبيغ: قال: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلاً جميلاً، فاقتلني قتلاً جميلاً، جاء في بعضها أنه قال: وإن كنت تريد ما في رأسي فقد ذهب المتشابه، والمرض الذي عنده قد ذهب بهذا الضرب، قال: فأذن له إلى أرضه، وأرضه هي البصرة، نفاه هنالك في البصرة، قال: وكتب إلى أبي موسى الأشعري باليمن: لا يجالسه أحد من المسلمين، قال: رواه الدارمي، وقيل كان متهماً برأي الخوارج، أي صبيغ هذا كان متهم برأي الخوارج. وماذا؟ وكان صبيغ لما نفي في أرض البصرة كان كأنه بعير أجرب، كيف بعير أجرب؟ يعني لا يقربه أحد، لا يقربه أحد، قالوا: يجيء إلى الحلقة ويجلس وهم لا يعرفونه، يأتي حلقة من الحلق في البصرة وهم لا يعرفون أنه صبيغ، فيأتي ويجلس، قالوا: فتناديهم الحلقة الأخرى، حلقة أخرى، فيقولون لهم: عزيمة أمير المؤمنين عمر، فيقومون ويدعونه، يعني أمر أمير المؤمنين ألا يجالس هذا الرجل، فيقومون ويتركون الحلقة له. وماذا؟ الشافعي رحمه الله تعالى كما روى أو ذكر الإمام الذهبي في تاريخ الإسلام عن أبي نعيم وابن عدي وغيره، قال: قال داود بن سليمان عن الحسين بن علي: سمع الشافعي يقول: حكمي في أهل الكلام حكم عمر رضي الله عنه في صبيغ، ما هو حكم عمر في صبيغ؟ الضرب، أن يضرب حتى يخرج ما في رأسه، ثم ينفى، ثم ينفى. وقد ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى عند كلامه على أول سورة الذاريات، ذكر رحمه الله تعالى قائلاً: قال: فإن قصة صبيغ بن عسل مشهورة مع عمر، وإنما ضربه لأنه ظهر له من أمره فيما يسأل تعنتاً وعناداً، تعنتاً وعناداً، قال رحمه الله تعالى: قال: وقيل كان متهماً برأي الخوارج، أي بما ذهب إليه الخوارج من تلكم البدع، ومنها: تكفير مرتكب الكبيرة، وتخليد أيضاً مرتكب الكبيرة في النار، وأيضاً إنكار الشفاعة، أي الشفاعة في أهل الكبائر، إلى غير ذلك. قال: والنووي رحمه الله تعالى قال في كتاب الأذكار، باب التبر من أهل البدع والمعاصي، وذكر حديث أبي موسى رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم « برئ من الصالقة والحالقة والشاقة »، قال: متفق عليه، والصالقة هي التي ترفع صوتها بالنياحة عند المصيبة، والحالقة التي تحلق شعرها عند المصيبة أو تنتفه أو تنتفه، والشاقة هي التي تشق ثوبها وجيبها عند المصيبة، وبرئ النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الثلاثة الأصناف من النساء لعدم إيمانهن بالقدر الإيمان المطلوب، ومن فعل من الرجال مثلهن فحكمه حكمهن، فحكمه حكمهن. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن ابن عمر براءته من القدرية، رواه مسلم، رواه مسلم، وهذا في أول حديث في صحيح مسلم بعد المقدمة، لما ذهب بعض التابعين إلى مكة وأراد أن يسألوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عما ظهر من بدعة القدر بالبصرة، فلقي عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما يطوف، فسأله: أنه ظهر عندنا قوم بالبصرة يقولون: أنه لا قدر، وأن الأمر أنف، ومعنى هذا أنهم يقولون: أن الله عز وجل لا يعلم بالشيء إلا إذا وقع، إلا إذا وقع، وهذا قول غلات القدرية. قال الشافعي رحمه الله تعالى: قال: ناظر القدرية بالقرآن، فإن أقروا خصموا، وإن جحدوا كفروا، فأشاهد من هذا أن ابن عمر قال لهذين الرجلين: ماذا؟ أخبروهما: أني بريء منهما، وأنهما براء مني، حتى يؤمنوا بالقدر، ثم ذكر حديث جبريل المشهور عن أبيه: بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، إلى آخره، وذكر فيه في أركان الإيمان: وأن تؤمن بالقدر خيره وشره، ويسمى القدرية مجوس هذه الأمة، مجوس هذه الأمة، وورد بذلك فيهم الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال رحمه الله تعالى: قال: والأمر في هجر المبتدع ينبع عن مراعاة المصالح وتكثيرها، ودفع المفاسد وتقليلها، قال: وعلى هذا تتنزل المشروعية من عدمها، كما حرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مواضع، أي في مواضع، كما في مجموع فتاويه رحمه الله تعالى، وأشار في الحاشية أسفل إلى ما ذكر في المجلد الثامن والعشرين من مجموع الفتاوى، ومسألة هجر المبتدع، فهذا يرجع فيه إلى المصالح والمفاسد، فالشرع أتى بجلب المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها. ثم ذكر في خاتمة هذا الباب والفصل: قال: والمبتدع إنما يكثرون ويظهرون إذا قل العلم، وهذه فائدة نفيسة يا إخوان، متى يظهر المبتدعة وتظهر لهم قرون، ويحاول أن ينشروا بدعهم؟ إذا قل العلم، وزد على ذلك ومات العلماء، إذا مات العالم انظر كم تظهر قرون للبدع وأهل البدع، كما ذكر الإمام البربهاري: هم مثل العقارب، مثل العقارب، يبقى كم ومخفي لشوكته التي يلسع بها، فإذا وجد فرصة أسرع في المشي وجعل يهاجم ويؤذي، وجعل يهاجم ويؤذي. قال: والمبتدع إنما يكثرون ويظهرون إذا قل العلم، قلنا أيضاً: ومات العلماء، وفشى الجهل، قال: وفيهم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال: فإن هذا الصنف يكثرون ويظهرون إذا كثرت الجاهلية وأهلها، ولم يكن هناك من أهل العلم بالنبوة والمتابعة لها من يظهر أنوارها الماحية لظلمة الضلال، ويكشف ما في خلافها من الإفك والشرك والمحال، انتهى كلامه رحمه الله تعالى. قال المصنف رحمه الله: قال: فإذا اشتد ساعدك في العلم فاقمع المبتدع وبدعته بلسان الحجة والبيان، والسلام. وشيخ الإسلام استدل على أنه متى ما وجد العلم والعلماء ولت البدع، وولي أو ماذا؟ خمد المبتدعة، بقصة موسى مع فرعون، أو بقصة موسى مع سحرة فرعون، لما ألقى سحرة فرعون ما بأيديهم من الحبال والعصي، يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، عندها يا إخوان أوجس في نفسه خيفة موسى، فربنا عز وجل قال له: لا تخف إنك أنت الأعلى، لاحظوا: لما ألقى موسى ما بيده من عصا، ما الذي حصل؟ أبطل الله عز وجل سحرهم، أبطل الله عز وجل سحرهم، وهكذا يا إخوان، كلما ظهر العلم وانتشر العلم ووجد العلماء وطلاب العلم، ولت البدع مدبرة، وهكذا رايات المبتدعة تتهاوى ساقطة، فلذلك يا إخوان ينبغي أن ينشر العلم، وينبغي كذلكم أيضاً أن ماذا ينتشر الدعاء والعلماء لتعليم الناس ورفع ما نزل بهم من الجهالات. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الفصل الهام الذي يتعلق بآداب الطالب مع شيخه، ويأتي معنا إن شاء الله عز وجل الفصل الرابع في آداب الزمالة، في آداب الزمالة، أي معاملة الزميل مع زميله. أسأل المولى عز وجل أن يوفقنا لكل خير، وأن يصرف عنا كل شر وضير، وأن يرزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً يقربنا إليه، وأن يحسن آدابنا وأخلاقنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر، ترجمة نانسي قنقر.