التعليق على حلية طالب العلم 33

التعليق على حلية طالب العلم 33

الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 33، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

النهمة في طلب العلم: تعريفها وفضيلتها

يتناول هذا المحور الأدب الخامس والعشرين من حلية طالب العلم وهو "النهمة في الطلب"، مبيناً معناها بوصفها الشغف الشديد والرغبة التي لا تشبع في تحصيل العلم. ويستشهد المقطع بالحديث النبوي وأبيات علي بن أبي طالب رضي الله عنه لتأكيد أن طالب العلم الحقيقي يستمر في الطلب من المحبرة إلى المقبرة دون اكتفاء بشهادة أو مدة محددة.

المثابرة على طلب العلم: قصة ابن عباس رضي الله عنهما

يبرز هذا المحور أهمية عدم اليأس مما سبق به الأولون في طلب العلم، مصححاً المقولة الشعرية إلى "كم ترك الأول للآخر" حثاً على المواصلة. ويسوق قصة ابن عباس رضي الله عنهما في صبره على الطلب رغم التثبيط، والتزامه أدب الطالب حتى أصبح مرجعاً للناس بعد وفاة كبار الصحابة، مختتماً بوصية ابن مسعود بضرورة التعلم.

العلماء ورثة الأنبياء: مكانة العلم وأثره في حياة المسلم

يؤكد هذا المحور أن العلماء هم ورثة الأنبياء الذين ورثوا العلم لا المال، وأن طلب العلم يمنح لذة روحية عظيمة تفوق ملذات الدنيا الزائلة. ويستشهد بقصة عبد الله بن المبارك وقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأن قيمة المرء الحقيقية بما يحسنه من علم وعمل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع الفصل الخامس من حلية طالبي العلم، الذي يتعلق بآداب الطالب في حياته العلمية. وهذا يا إخوان يعتبر من أهم الأبواب والفصول التي ينبغي أن يعتني بها طالب العلم؛ لأن ذلك مما يعين على تحصيل العلم وإصلاح النفس. وذكر رحمه الله تعالى في هذا الأدب الخامس والعشرين: "النهمة في الطلب". النهمة والنهمة يا إخوان: أي الحاجة، الحاجة في الطلب. وتطلق النهمة على الشهوة في الشيء، يعني أن الشخص عنده رغبة شديدة وتعلق بهذا العلم. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من هومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا». وهذا الحديث جاء من حديث أنس، وجاء من حديث ابن عباس، وصححه الإمام الألباني رحمه الله تعالى. وقد ذكر العلماء أن النهمة في طلب العلم هو أن يكون عنده عشق للعلم وتعلق به، وأن لا يشبع منه، ولا يشعر أنه قد حصل على المطلوب من العلم. يعني لا يرى أنه قد اكتفى بما عنده من الحصيلة: إما بنيله شهادة، قال: "أنا تحصلت على دكتوراه، إذن خلاص يكفيني ما عندي"، أو تخرج من مدرسة، أو قضاء مدة، يقول: "أنا جلست أربع سنوات في مركز، إذن خلاص يكفيني"، أو الانتهاء من كتاب معين، إلى غير ذلك. فهذا لا يعتبر نهاية الطلب، وإنما كما قيل: "من المحبرة إلى المقبرة" يطلب العلم على الدوام والاستمرار إلى أن يتوفاه الله عز وجل. والنهمة في طلب العلم كذلكم أيضا هي بلوغ الهمة مبلغا عاليا. النهمة هي المبالغة في علو الهمة، المبالغة في علو الهمة، بحيث أنه يصبح عند صاحبه حرص شديد ورغبة شديدة في الازدياد من العلم. وهكذا عنده سعي حثيث في طلب العلم، وكلما ازداد الإنسان علما كلما ازداد رغبة في ماذا؟ في تحصيل هذا العلم والازدياد منه، والازدياد منه. قال رحمه الله تعالى: "النهمة في الطلب"، أي في طلب العلم. قال: "إذا علمت الكلمة المنسوبة إلى الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قيمة كل امرئ ما يحسنه". والأبيات العظيمة التي تنسب للصحابي الجليل والخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أنه قال: ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ** على الهدى لمن استهدى أدلاء وقدر كل امرئ ما كان يحسنه ** والجاهلون لأهل العلم أعداء كذا قال رحمه الله تعالى، ونعم ما قال. ثم ذكر بيتا ثالثا قال: «فز بعلم تعش حيا به أبدا»، قال: «فز بعلم تعش به» أو «تعش حيا به أبدا»، «الناس موتى وأهل العلم أحياء». الناس موتى وأهل العلم أحياء. أعيد مرة أخرى: قال الصحابي الجليل والخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ** على الهدى لمن استهدى أدلاء وقدر كل امرئ ما كان يحسنه ** والجاهلون لأهل العلم أعداء فز بعلم تعش حيا به أبدا ** الناس موتى وأهل العلم أحياء وهذه من الدرر يا إخوان التي ينبغي أن يجعلها طالب العلم نبراسا أمام عينيه، وهكذا مثالا بين يديه يبعث في نفسه الهمة والنشاط. قال: «وقد قيل: ليس، ليس كلمة أحض على طلب العلم منها». ليس، ليس كلمة أحض على طلب العلم منها. وهذا يا إخوان فيما يتعلق بالآثار، وإلا فقد علق بعض العلماء ومنهم العلامة العثيمين على أن هناك من الكلمات ما هي أحض من هذه الأبيات. ومثال ذلك ما جاء في كلام ربنا عز وجل: ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»، وغيرها كثير في كتاب الله عز وجل وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: «قال: فاحذر غلط القائل: ما ترك الأول للآخر شيئا. ما ترك الأول للآخر. قال: وصوابه: كم ترك الأول للآخر». والكلمة الأولى يا إخوان قد تبعث في نفس صاحبها شيئا من الإحباط، يعني: ماذا عساك أن تأتي بعد أن سبقك فلان وفلان وفلان من العلماء، أو من طلاب العلم، أو من طلاب العلم؟ ودائما تكرر قصة الصحابي الجليل ابن عباس مع ذلكم الغلام الأنصاري. فقد كان يطلبان العلم عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلما مات عليه الصلاة والسلام، قال ذلكم الأنصاري لابن عباس: يا ابن عباس، أتظن أن الناس يحتاجونك وفيهم فلان وفلان وفلان؟ أي من كبار الصحابة. فلم يلقي ابن عباس بالا لهذه الكلمة التي فيها عدم التشجيع على طلب العلم، وإنما ظل ابن عباس يطلب العلم ويأخذ الحديث عن كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. فلربما يأتي باب الصحابي فيجده قائلا، ما معنى قائلا؟ فيجده قائلا: «يا أبا حذيفة»، فيجده قائلا، فيجده قائلا: «يا أبا أيمن»، نائم القيلولة، نائم القيلولة. انظروا إلى أدب ابن عباس: ما أزعج الشيخ، وجعل يضرب الباب، أو يرسل الأولاد، أو نحو ذلك، وإنما جلس عند الباب. لربما يأتي الريح فتلفح وجهه بالغبار والتراب، فيخرج الصحابي ويرى ابن عباس، فيقول: يا ابن عم رسول الله، لو أشعرتنا، أي أخبرتنا. فكان ابن عباس يظهر أدب الطالب مع المعلم، مع المعلم، وأنه هكذا ينبغي أن يكون الطالب مع معلمه، مع معلمه. فما هي إلا فترات، وإذا بالناس يحتاجون إلى علم ابن عباس. مات الصديق، وتبعه الفاروق، وقتل بعده ذو النورين عثمان، وهكذا بعد ذلك قتل علي، وهكذا مات من مات من كبار الصحابة، فاحتاج الناس إلى علم ابن عباس. مر الأنصار ذات مرة، وإذا بابن عباس له حلق عظيم في المسجد، له حلق عظيم في المسجد. فتذكر حاله الأول، فقال: لقد كان هذا الفتى القرش أفطن مني، أفطن مني. وهذا يا إخوان يذكرنا بأثر ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، كان يقول: «تعلموا، فإن أحدكم لا يدري متى يحتاج إليه». فإن أحدكم لا يدري متى يحتاج إليه. وماذا؟ لا يحتقر الإنسان نفسه، وإنما يطلب العلم ويجتهد في ذلك، يأتي اليوم الذي يحتاج، الذي يحتاج الناس إلى ماذا؟ إلى علمه، إلى علمه. قال رحمه الله تعالى: «قال: وصوابه: كم ترك الأول للآخر. قال: فعليك بالاستكثار من ميراث النبي صلى الله عليه وسلم. العلم ميراث النبي». كذا أتى بالنص: «والعلماء هم وراثه. ما خلف المختار غير حديثه، فهو فينا متاعه وأثاثه». وأصدق من هذا ما جاء في حديث أبي الدرداء، وهكذا أيضا جاء في حديث أبي أمامة نحوه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». فمن أخذه أخذ بحظ وافر. قال: «وابدذل الوسعى في الطلب والتحصيل والتدقيق، ومهما بلغت في العلم فتذكر: كم ترك الأول للآخر، كم ترك الأول للآخر». وذكر العلماء يا إخوان مفتاحا لأنهم في طلب العلم، ألا وهي أن يكون عند طالب العلم يقين بعظم ثواب ما يطلب من العلم، وأن الله تبارك وتعالى يحب أهل العلم، ويحب كذلكم أيضا من يسير في طريق العلم ابتغاء وجه الله عز وجل. وعندها يا إخوان سيجعل، سيجعل الله عز وجل في قلب هذا المتعلم لذة وحلاوة للعلم، حتى أنه يود أن لا يفارق هذا العمل، أن لا يفارق طلب العلم لشدة ما يجد من الحلاوة، لشدة ما يجد من الحلاوة. يمر لربما محاضرة ساعة كاملة ما يشعر بتعب ولا بملل، درس لربما يطول أو يقصر ما يشعر بضيق. لماذا؟ لما ملأ قلبه من محبة العلم ومجالس العلم. ولهذا كان بعض السلف يقول: «لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن عليه، أي من الخير والفائدة والراحة واللذة، قال: لجالدوا عليه بالسيوف». لكن يا إخوان مساكين، يظنون أن الراحة في القصور وعلى الأرائك، ومع ألذ المطعومات وأحلى المشروبات وأفخر الملابس والمركوبات. ما دروا أن اللذة التي يجدها أهل العلم أعظم وأكبر من اللذة التي يجدها غيرهم. ولهذا في قصة الإمام الكبير والمحدث الشهير عبد الله بن المبارك، لما مر بجانب قصر الرشيد، فسمع جلبه وناس يمشون خلف ابن المبارك من طلاب العلم. نظرت جارية من قصر هارون الرشيد، قالت: ما هذا؟ قالوا: هذا الإمام عبد الله بن المبارك، عالم خراسان ومفتيها. فقالت كلمة يا إخوان ينبغي أن يحفظها طالب العلم، قالت: «هذا هو الملك الحقيقي، لا ملك هارون الرشيد الذي يقف الناس بين يديه رغبة ورهبة، إما خوفا وإما طمعا، رغبة ورهبة». إذن يا إخوان، لابد أن يكون عند طالب العلم نهمة، وماذا؟ ورغبة شديدة في طلب العلم، وأن لا يكتفي بما عنده من العلم، وإنما كما قيل: «من المحبرة إلى المقبرة، ومن المهد إلى اللحد». فأسأل المولى تبارك وتعالى... عندكم شيء بقي في هذا، وفي ترجمة وذكر البيتين. قال: «وفي ترجمة أحمد بن عبد الجليل من تاريخ بغداد للخطيب، والخطيب البغدادي، وكتابه تاريخ بغداد كتاب عظيم، قال: ذكر من قصيدة له قال: لا يكون السري مثل الدني ** لا ولا ذو الذكاء مثل الغبي قيمة المرء كلما أحسن ** المرء قضاء أو قضاء من الإمام علي» أي علي بن أبي طالب. والمقصود من إيراد هذا أن قيمة المرء ما يحسنه، كما سبق في أبيات الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.