الدرس في التعليق على المنظومة الهائية للحكمي 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
الدنيا دار هم وغم لا يسلم منها أحد، وعلاج ذلك يكون بالإقبال على الله وتلاوة القرآن وذكره. يستدل المتحدث بآيات وأحاديث تضمن دعاء يكشف الهم ويبدله فرحاً مع بيان سرعة زوال الدنيا.
يؤكد المتحدث على قرب الموت وزوال الدنيا السريع، مبيناً أن يسرها عسر وسرورها حزن. يختم بدعاء بأن يصرف الله القلب عن فتنة الدنيا وزخرفها.
يبيّن المقطع أن النساء من أعظم فتن الدنيا، ويستعرض أدعية الاستعاذة من فتنتها الواردة في الصحيحين. يذكر أسباب الخلاص: الدعاء، عدم الاغترار بالنفس، طلب العلم، ومجالسة الصالحين مع التحذير من مصاحبة أهل الدنيا.
يذكر المتحدث أن مجالسة أهل العلم والخير تذكّر بالله والدار الآخرة وتزهد في الدنيا. ويختتم بالتأكيد على أهمية هذه المجالسة والله أعلم.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وبعد، قال حافظ حكمي في قصيدته الهائية في الترغيب والترهيب والزهد: قال: هي الدار دار الهم والغم والعنى، سريع تقضيها، قريب زوالها، مياسيرها عسر وحزن سرورها، وأرباحها خسر ونقص كمالها، إذا أضحكت أبكت، وإن رام وصلها غذي، فيا سرعا قطاع أصالها. فأسأل ربي أن يحول بحوله وقوته بيني وبين اغتيالها. قوله: «هي الدار دار الهم والغم والعنى»، أي: هذه الدنيا. المراد بالدار هذه الدار وهي الدنيا، دار الهم والغم والعنى، وهذه الأمور حاصلة للناس ولابد. فإنهم وإن أوتوا في هذه الدنيا مالا وجاها ورئاسة ومناصبا، فلن يسلموا من أكدارها ومن همومها وغمومها. فلا شك أن كل واحد يقع في ذلك، ولكن يختلف الناس في إدراك هذه المنغصات، فبين مستقل ومستكثر. فلذلك المؤمن الذي قد تعلق قلبه بالدار الآخرة، وإن كان لا يسلم من شيء من هذه الهموم والغموم، ولكنها تكون في حقه يسيرة وقليلة، بخلاف من تعلق بهذه الدار، فتجده دائما وأبدا في هم وغم وأحزان. فلذلك فإن دواء الهموم والغموم والأكدار هو ذكر الله سبحانه وتعالى، وعبادة الله عز وجل، واللجوء إليه، والإقبال عليه سبحانه وتعالى، وتلاوة القرآن، والإيمان بالقضاء والقدر. كل هذه المعاني متى ما حققها العبد سلم من تلك الهموم والغموم. ولو نظرت في هذه الأسباب لرأيت أنها تصب في مصب واحد، وهو الإقبال على الآخرة. فالإقبال على الآخرة من أعظم أسباب ذهاب الأحزان والأكدار. فالإقبال على الله، وتلاوة القرآن، والإكثار من ذكر الله، كل ذلك لا شك أنه من أعظم أسباب الحياة الطيبة في هذه الدنيا، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: 123]. فمن الشقاء في هذه الدنيا كثرة الهموم والغموم والأكدار والأحزان. وكذلك يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. فالقرآن وذكر الله من أعظم أسباب الشفاء من هذه الأمراض، أمراض القلوب. وقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82]، شفاء لأمراض القلوب ولأمراض الأجساد. وهكذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: 57]. فمن أقبل على ذكر الله، وعلى القرآن، وعلى طاعة الله، وكذلك رضي بقضاء الله وقدره، فإنه بإذن الله عز وجل يتغلب على هذه الهموم والأكدار والأحزان. أما من أغفلته الدنيا وجرفته الدنيا للانشغال بها، فإنه لا شك يقع فيما وصف المؤلف: «هي الدار دار الهم والغم والعناء». ولذلك فإن النبي عليه الصلاة والسلام بيّن أن هذه المعاني، وهو ذكر الله، وعبادة الله، والإقبال على الطاعة، والقرآن، والإيمان بالقضاء والقدر، ونحو ذلك، من أعظم أسباب ذهاب الأحزان والهموم والغموم. ما جاء عند الإمام أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما قال عبد قط إذا أصابه هم أو حزن: اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه، وأبدله مكانه، وأبدل مكان حزنه فرحا». فهذا الحديث حديث عظيم، فيه اعتراف العبد بعبوديته لله عز وجل: «اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك»، هذا اعتراف من العبد أنه عبد لله سبحانه وتعالى. ثم تضرع إلى الله بأسمائه الحسنى، وكذلك بكتاب الله سبحانه وتعالى، وأيضا باعترافه وإقراره بما قدر الله عز وجل له، وإلى غير ذلك من هذه المعاني التي بها تزال الهموم والغموم والأحزان. ثم قال: «سريع تقضيها». ومعنى «سريع تقضيها»: أي سريعا ما تنقضي هذه الدنيا. «قريب زوالها»: يعني أن هذه الدنيا سرعان ما تنقضي وتزول، وتزول. ولذلك فإن زوال هذه الدنيا عن العبد يكون بحالين اثنين: الحال الأولى: أن تذهب عنه هذه الدنيا. كان غنيا فأصبح فقيرا، كان ذا جاه ونفاذ كلمة فصار ضعيفا لا كلمة له، كان قويا فصار ضعيفا. فهذا حال من الأحوال التي بها تزال الدنيا عن العبد. «قريب زوالها»: كم من إنسان ربما أعرفه وتعرفه كان ذا مال وذا جاه وذا مكانة، فذهب عنه ذلك كله، ذهب عنه ذلك كله، فصار فقيرا معدما لا شيء معه. وهكذا غير ذلك مما يقع من أحوال ومن كذلك تقلبات لأناس كثر. والحال الثانية التي بها تزال الدنيا عن العبد: أن يذهب عنها. إما أن تذهب عنه، وإما أن يذهب عنها. كيف يذهب عنها؟ الموت. يموت فيترك ما جمعه وما كذلك خلفه وراء ظهره. وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ: 54]. فالموت أقرب إلى أحدنا من شراك نعله. ما يدري الإنسان متى يفجأه الموت. فإذا هذه الدنيا قريب زوالها. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: 63]. سواء كانت الساعة الصغرى أو الساعة الكبرى. الساعة الصغرى هي موت الإنسان، فمن مات فقد قامت قيامته. أو كذلك القيامة الكبرى يوم يقوم الناس لرب العالمين. فإذا هذه الدنيا: «سريع تقضيها، قريب زوالها». ثم قال: «مياسيرها عسر وحزن سرورها». يعني هذه الدنيا، اليسر فيها في الحقيقة هو عسر. من أي جهة هذا؟ لأن الإنسان سيسأل عن هذا اليسر يوم القيامة، كما قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8]. فهذا النعيم وهذا اليسر الذي يعطاه الإنسان في هذه الدنيا سيسأل عنه يوم القيامة. فـ «مياسيرها عسر». ولذلك فإن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء. لماذا؟ لأن الأغنياء يسألون ويتأخرون بسبب هذه الأسئلة عما جمعوه في هذه الدنيا. فحلالها حساب، وحرامها عقاب، والعياذ بالله. هذه هي حقيقة الدنيا. فـ «مياسيرها عسر، وحزن سرورها». ما يسر به الإنسان في هذه الدنيا هو في الحقيقة حزن. من أي جهة هذا؟ لأن ما تسر به اليوم ستحزن به غدا. لماذا؟ لأن هذا السرور الذي أعطيته في هذه الدنيا لا شك أنه سيأخذ من وقتك، وسيأخذ من عمرك، وذلك بترك شيء من أمور آخرتك، من أمور آخرتك. فـ «سرورها حزن» أي يوم القيامة. «وأرباحها خسر، ونقص كمالها». أرباح هذه الدنيا يوم القيامة خسر. لماذا؟ كما تقدم، لأن هذه الأشياء التي يربحها الإنسان ويحصلها في الدنيا غالبا ما تكون على حساب دينه، غالبا ما تكون على حساب دينه. فلذلك «أرباحها خسر». وهذا كله فيه ذم وتزهيد من هذه الدنيا. وأما قوله: «ونقص كمالها»، لأن كمال الدنيا للمرء هو نقص في الحقيقة، لأنها تأخذ شيئا من نصيبه من الطاعة والعبادة وذكر الله سبحانه وتعالى. فكل ذلك من أوصاف هذه الدنيا. ثم قال: «إذا أضحكت أبكت، وإن رام وصلها غبي، فيا سرعا قطاع وصالها». «إذا أضحكت أبكت»: يعني أن الإنسان مهما سر في هذه الدنيا، ومهما ضحك في هذه الدنيا، سيأتيه وقت يبكي لما يجد من أليم حزنها، ومن كذلك تعب شقائها ونحو ذلك. فلذلك هذه الدنيا: إن أضحكت قليلا أبكت كثيرا، وإن أسرت قليلا، وإن سرت قليلا أحزنت كثيرا. وما ملئ بيت فرحا إلا ملئ ترحا. فلا شك أن في هذه الدنيا تفقد حبيب أو صديق، وكذلك لربما تفقد شيئا من هذه الدنيا بأخذ أو بتلف، أو كذلك بخسارة تجارة أو نحو ذلك. لا شك أن الإنسان يبكي على مثل تلك الأشياء التي تقع له في هذه الدنيا. فمهما ضحك الإنسان في هذه الدنيا لا بد أن يبكي. وهذه حال هذه الدنيا: «إذا أضحكت أبكت». «وإن رام وصلها»: أي طمع المرء، «رام» بمعنى طمع المرء في وصل الدنيا ونيل نعيمها. «غبي»: أي ابتغى وطمع. «الغبي» هذا، ووصفه بالغبي لأن العاقل لا يركن إلى هذه الدنيا، واللبيب لا يبتغي هذه الدنيا ولا يحب وصلها. وكما قال القائل: «إن لله عبادا فطنا * * * هؤلاء هم الفطنا إن لله عبادا فطنا * * * طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا * * * أنها ليست لحي وطنا جعلوها لجة واتخذوا * * * صالح الأعمال فيها سفنا» فما يطمع في وصل هذه الدنيا إلا الغبي المغبون غير الموفق. وأما الإنسان الموفق والإنسان الفطن فهو الذي يطمع في وصل الآخرة لا في وصل الدنيا. «وإن رام وصلها غبي، فيا سرعا قطاع وصالها»: أي سرعان ما ينقطع هذا الوصال. وكما تقدم: إما أن ينقطع هذا الوصال بأن تذهب عنه هذه الدنيا، أو هو يذهب عنها. تذهب عنه بمعنى: يحرص ويكد، ويعني يجري خلفها، فإذا بها تبتعد عنه، ولا يصل إلى مراده ولا إلى مبتغاه. فهذه الدنيا تركته. وإما هو أن يتركها، وذلك بالموت، وذلك بالموت. «فيا سرعا قطاع وصالها». ثم قال: «فأسأل ربي أن يحول بحوله وقوته بيني وبين اغتيالها». والاغتيال بمعنى: الافتتان بهذه الدنيا. فمن فتنته الدنيا فقد اغتالته، يعني قتلته وأهلكته، وأتته على غرة، أتته على غرة، وعلى مكر وخديعة، وعلى مكر وخديعة. ففي هذا البيت دعاء من الناظم رحمه الله أن يبعد ربه عنه الدنيا: «فأسأل ربي أن يحول بحوله». والدنيا فتنة عظيمة، فمن لم يتحصن بالحصون الربانية، وبكذلك الأدعية النبوية، فيوشك أن يقع في شباكها، يوشك أن يقع في شباكها. ولذلك حذر النبي عليه الصلاة والسلام من فتنة الدنيا، فقال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون». إيش تفعلون؟ وهذه الدنيا مزينة، فيها من الشهوات، وفيها من الملذات، وفيها من جميع أصناف المغريات. فينظر الله عز وجل ماذا يعمل فيها هذا الإنسان. ثم حذر النبي صلى الله عليه وسلم من فتنتها، فقال: «فاتقوا الدنيا، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء». والنساء من فتنة الدنيا. فلماذا خصها النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر؟ قال العلماء: ذكر الخاص بعد العام يفيد الاهتمام. بمعنى أن من أعظم فتن الدنيا النساء، من أعظم فتن الدنيا النساء. ولذلك قال: «فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». ومما يدل على عظيم خطر فتنة النساء قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما تركت فتنة بعدي هي أضر على الرجال من النساء». فهذا من فتن الدنيا. فتن الدنيا كثيرة: فتن المال، فتن النساء، فتن الجاه والسلطان والرئاسات، وفتن الشهرة، ونحو ذلك. كل هذا من فتن الدنيا. فحذرنا النبي عليه الصلاة والسلام من فتنتها. فسمعتم تلك الأحاديث التي حذر فيها النبي صلى الله عليه وسلم منها. وكذلك أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نستعيذ من فتنة هذه الدنيا، كما جاء في صحيح البخاري من حديث سعد بن أبي وقاص، أنه قال: «كان رسول الله...» سعد بن وقاص يقول: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا هؤلاء الكلمات كما نتعلم الكتابة». يعني يريد سعد بن أبي وقاص أن يبين أهمية هذا الدعاء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يعلمه إياهم تعليما مجردا وسماعا عابرا، وإنما كان يعلمهم هذا الدعاء كما يتعلمون الكتابة، يعني من شدة حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعليم الصحابة هذا الدعاء. ما هو هذا الدعاء؟ لو نحفظه وندعو به في هذه الأيام الفاضلة فهو خير لنا بإذن الله: «اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وعذاب القبر». الشاهد: «وأعوذ بك من فتنة الدنيا». وكذلك في الدعاء بعد التشهد، بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال». الشاهد: «ومن فتنة المحيا والممات». فمن ما ذكره العلماء من فتن المحيا: فتن هذه الدنيا، أن تجرفك هذه الدنيا، وأن تغرك هذه الدنيا، فتفتن بزخرفها وبزينتها وبغرورها. نعم. وقول المؤلف: «فأسأل ربي أن يحول بحوله وقوته بيني وبين اغتيالها»، فيه سبب أو أسباب عدة من أسباب الخلاص من اغتيال الدنيا، ومن فتنة الدنيا. فمن أعظم الأسباب التي تقيك بإذن الله من فتن الدنيا: الدعاء والالتجاء إلى الله عز وجل. فكما سمعت في هذه الأحاديث، وكما قال الناظم: «فأسأل ربي»، يدعو الله أن يحول بينه وبين فتن الدنيا. فينبغي للمسلم أن يكثر من سؤال الله عز وجل أن يبعده عن فتن الدنيا، مثل هذا الحديث الذي مر معنا. وكذلك ما جاء في مسند الإمام أحمد، ويحسنه، ويحسنه العلامة الألباني في «الكلم الطيب»، الحديث الطويل، والذي فيه: «ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا». تكثر من مثل هذا الدعاء. وهكذا من أسباب النجاح من فتن الدنيا: أن لا يركن الإنسان إلى نفسه، ولا إلى علمه، ولا إلى قوته وحرصه، وإنما يلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى، ويطلب العون من الله، ولا يغتر بنفسه. فانظر إلى قول المؤلف: «فأسأل ربي أن يحول بحوله وقوته». فأنت يا عبد الله لا حول لك ولا قوة إلا بالله سبحانه وتعالى. ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت». الشاهد من هذا الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: «فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين». فإنما توكل أمورك كلها لله سبحانه وتعالى. وكذلك من أسباب النجاة من فتن الدنيا: العلم النافع. العلم النافع من أعظم أسباب النجاة من فتن الدنيا. ولنا عبرة وعظة مما جاء في قصة قارون، لما خرج على قومه في زينته متبخترا متكبرا. فأهل... فأهل الجهل ماذا قالوا؟ «يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون، إنه لذو حظ عظيم». وقعوا في هذه الفتنة، وأحب أن يكونوا مثل قارون، وهو الجاحد لنعمة الله عليه، الكافر بالله سبحانه وتعالى. لكن ماذا قال أهل العلم؟ «وقال الذين أوتوا العلم: ويلكم، ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا، ولا يلقاها إلا الصابرون، ولا يلقاها إلا الصابرون» [القصص: 80]. فينبغي للمسلم أن يجعل لنفسه حظا من طلب العلم النافع، فإنه والله عصمة لك في هذا الزمان من الفتن، ومن أعظمها فتن هذه الدنيا. وهكذا من أسباب النجاح من فتن الدنيا: مجالسة الصالحين، مجالسة أهل الآخرة الذين يذكرونك بالله سبحانه وتعالى، ويعلقون قلبك بالله عز وجل. احذر أن تجالس أهل الدنيا، احذر أن تجالس أهل الدنيا، فإنهم يجرونك إليها. وقد قال أحدهم: «جالست أهل الغنى فتعبت، لأنهم يلبسون الجميل وأريد أن ألبس مثلهم، وكذلك يتطيبون بأغالي الطيب وأنا لا أستطيع ذلك، فأتكلف مثلهم. فجالست الفقراء فاسترحت». جالس الفقراء وأهل الآخرة فاسترح، لأنه يعني مثلهم، ولا يكلفونه ما لا يطيق. فاحذر أن تجالس أهل الدنيا، فإن الصاحب ساحب. نعم. وكلامهم دائما في الدنيا، في المشاريع، وفي يعني التجارة، وفي يعني الأموال، وفي... يشغلونك بذلك، وربما يعني تأثرت بمجالستهم فتعلق قلبك بالدنيا. أما إن جالست أهل العلم وأهل الخير وأهل الصلاح، فإنهم يذكرونك بالله سبحانه وتعالى والدار الآخرة، ويزهدونك في هذه الدنيا. نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم.