التعليق على المنظومة الهائية للحكمي 3

التعليق على المنظومة الهائية للحكمي 3

الدرس في التعليق على المنظومة الهائية للحكمي 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تحذير من الاغترار بالدنيا وبيان حقيقتها في سورة الحديد

يستهل الدرس بشرح أبيات من القصيدة الهائية تحذر من الانهماك في طلب الدنيا الدنيئة، مبيناً أن اسمها يدل على دناءتها وقربها من الآخرة. ثم يستعرض أدلة قرآنية من سورة الحديد تصف الحياة الدنيا بأنها لعب ولهو وزينة وتفاخر وتكاثر، وتمثلها بمطر يعجب الكفار نباته ثم يهيج فيصفر ويصير حطاماً.

تشبيه الدنيا بالنبات الزائل في سور متعددة

يوضح المقطع حقيقة الحياة الدنيا بأنها لعب ولهو وزينة وتفاخر، ويشبهها بالنبات الذي يعجب الزراع ثم ييبس ويصير حطاماً. يستشهد المحاضر بآيات من سور الحديد، يونس، الكهف، وآل عمران لتأكيد زوال زخرفها وسرعة انقضائها، وأنها متاع الغرور بينما الآخرة دار القرار.

منهج القرآن في الترغيب والترهيب واسم القصيدة

يستعرض المقطع كيف تقرن الآيات القرآنية في سور متعددة بين الترهيب من غرور الحياة الدنيا وزينتها الفانية، والترغيب في دار القرار والأعمال الصالحة. يبين أن هذا النمط المتكرر يعكس منهج القرآن في الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، وهو ما استند إليه المؤلف في قصيدته المسماة «القصيدة الهائية في الترغيب والترهيب».

الدعوة إلى الزهد في الدنيا والإشارة لأحاديث الترغيب

يختتم الدرس بالإشارة إلى أن آيات القرآن تحث على الزهد في الدنيا وترغيب الآخرة، مع ذكر وجود أحاديث نبوية كثيرة تدعو إلى التزهيد من الدنيا. ينبه المحاضر إلى أن استكمال هذه الأحاديث سيتم في الدرس القادم إن شاء الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال حافظ الحكم رحمه الله في قصيدته الهائية في الترغيب والترهيب: «فيا طالب الدنيا الدنيئة جاهدة، ألا طلب سواها، إنها لا وفا لها. فكم قد رأينا من حريص ومشفق عليها، فلم يظفر بها أن ينالها. لقد جاء في آي الحديد ويونسي، وفي الكهف إيضاح بضرب مثالها. وفي آل عمران وسورة فاطر، وفي غافر قد جاءت بيان حالها. وفي سورة الأحقاف أعظم واعظ، وكم من حديث موجب لاعتزالها». قوله رحمه الله: «فيطالب الدنيا الدنيئة جاهدة»، هذا خطاب من الناظم لمن استغرق جهده ووقته وهمته وذكاءه في الدنيا، وأكب عليها بكليته، فيقول له: «فيطالب الدنيا الدنيئة»، والدنيا ما سميت دنيا إلا لدناءتها. هذا معنى من معاني تسمية الدنيا بهذا الاسم: سميت الدنيا لدناءتها، وقيل لدنوها من الآخرة، يعني لقربها من الآخرة، وكل المعنيين وصف لهذه الدنيا، فهي دنيئة وهي قريبة من الآخرة. وقوله: «جاهداً»، أي مجتهداً في تحصيلها وجمعها. قال: «ألا طلب سواها»، يعني أطلب غير الدنيا، والمراد بسواها هنا أي الآخرة، فلا تكن كأن الناظم يقول لذلك المنكب على هذه الدنيا: لا تكن من أهل الدنيا، ولكن كن من أهل الآخرة. «ألا طلب سواها»، أي طلب الآخرة. «إنها لا وفا لها»، إن الهاء هنا يعود على الدنيا، فالدنيا لا وفاء لها، مهما طلبتها ووصلتها واهتممت بها فما تشعر إلا وتغدر بك، إلا وتغتالك، فلا وفاء لها. مهما طلبتها ووصلتها وأحببتها فإنه لا وفاء لها، فسرعان ما تنقضي، وسرعان ما تنقلب عليك من حيث لا تشعر. ولذلك قال: «فكم قد رأينا من حريص ومشفق»، كم هنا خبرية ليست استفهامية، وفائدتها هنا التكثير، يعني كثير ممن رأينا من حريص على هذه الدنيا ومشفق عليها ومائل إليها، فلم يظفر بها، لم يتحصل عليها، ولم تأته هذه الدنيا مع أنه حريص عليها ومجتهد فيها وراغب فيها، وهي هارب منه، وهي هاربة منه، فلم يظفر بها أن ينالها، أن ينال هذه الدنيا. فكأنه يقول: إن الدنيا لا يجلبها حرص حريص ولا اجتهاد مجتهد، وإنما الدنيا لمن أراد الله عز وجل أن تكون له. فرب إنسان لا يرغب في هذه الدنيا وليس بحريص عليها، فتأتيه الدنيا وهي راغمة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «ومن كانت الآخرة همه، جعل غناه في قلبه، وجمع الله شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة». همه الآخرة وسعيه في الآخرة، فإذا بالله عز وجل لا يرزقه من هذه الدنيا من حيث لا يحتسب، وهو لا يجتهد فيها ولا يحرص عليها. «فلم يظفر بها أن ينالها»، أي هذا الحريص عليها، فهي تغرر بأهلها وأصحابها بمتاعها ثم تزول عنهم ولا تبقى، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾. ثم قال: «لقد جاء في آي الحديد ويونسي، وفي الكهف إيضاح بضرب مثالها». هذه الأبيات من أجمل أبيات هذه المنظومة، لأنها حوت أدلة من الكتاب والسنة على حقارة هذه الدنيا وعلى دناءة هذه الدنيا. فقوله: «لقد جاء في آي الحديد»، آي جمع آية، أي جاءت آيات في كتاب الله تزهد وتحذر وتبين حقيقة هذه الدنيا. فمن تلك الآيات ما جاء في سورة الحديد: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. فقوله: ﴿اعْلَمُوا﴾، هذا قوله ﴿اعْلَمُوا﴾، كلمة تنبيه يؤتى بها بين يدي الأمور العظيمة المهمة حتى ينتبه لها المخاطب، حتى ينتبه لها المخاطب. ﴿اعْلَمُوا﴾، فتتجه الأسماع والقلوب إلى ما سيأتي بعدها. ثم قال عز وجل: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾، هذه الدنيا لهو، وكون هذه الدنيا لهو أي ملهية. ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ﴾، أولاً: لعب، وكون هذه الدنيا لعب أي مشغلة للأبدان وللأوقات، فتصبح أوقات الناس وأعمارهم مليئة باللعب بهذه الدنيا واللهو. ولذلك قال: ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾، وكونها لهو أي أنها ملهية وصارفة للقلوب عما خلقت من أجله، فمن تشعب فيها ودخل في شراكها ألهته عن الآخرة، ألهته عن الآخرة. وأما قوله: ﴿وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾، الزينة تكون في الملبس، وتكون كذلك في المركب وفي المسكن، بمعنى أن فيها أشياء تأسر القلوب، وهكذا تميل إليها النفوس مما زخرفت به هذه الدنيا، فيعتني الناس بالزينة، وبكذلك التنافس في كمال ممتلكاتهم من البيوت ومن السيارات ونحو ذلك والمراكب ونحو ذلك، فهي زينة. وكذلك تفاخر في الأموال والأولاد، فكل واحد يفخر بما عنده ويتكبر على غيره، فإذا أعطي مالاً تكبر، وإذا أعطي أولاداً تكبر على الناس وارتفع عليهم، فهي كذلك تفاخر، يتفاخر الناس فيها بما أعطوا منها، بما أعطوا منها. فبيّن لنا سبحانه وتعالى حقيقة هذه الدنيا، وأن مثلها كمثل زرع ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾، الكفار المراد به هنا الزرع، المراد به في هذه الآية الزرع. ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾، يعني نزل الغيث الماء من السماء فاختلط بالأرض وبما فيها من البذر، فنبت هذا البذر، فقوي سوق تلك الأشجار، وبدأت الأشجار بالثمار، فأصبحت هذه الأرض مزينة، وكذلك فيها من الزهور ومن الثمار ومن كمال النبات، ومن كمال النبات. ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾، أي تأتي له جائحة أو يذهب موسمه، يذهب موسمه فيصير يابساً قالحاً قد تغير، فلم يكن فيه ذلك المنظر البهيج، لم يكن فيه ذاك المنظر البهيج. ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾، يحطم هذا الزرع فيكون قالحاً يابساً. نعم، فهذه هي حقيقة هذه الدنيا، تجد الإنسان يعني قد ملك فيها من زهرتها ومن زينتها ومن أموالها ومن زخرفها، فما أن تتركه هذه الدنيا أو يتركها كما تقدم معنا، إما أن يذهب عنه هذا الزخرف، وإما أن يذهب هو عن هذا الزخرف، فهذه هي حقيقة الدنيا. ولذلك قال في آخر هذه الآية: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، يعني إنسان يتمتع بها كالمغتر به، إنسان يغتر مثلاً بشخص ظاهره الصلاح والخير والأخلاق الفاضلة، اغتر بمظهره، اغتر بمظهره وهو ليس كذلك، فسرعان ما ينقلب عليك، سرعان ما ينقلب عليك، هذا فقط زخرف في الظاهر، أما الباطن خلاف الظاهر، الباطن خلاف الظاهر. وهكذا حقيقة الدنيا، وهكذا حقيقة الدنيا، فمهما تزخرفت وتزينت لأهلها فإن سرعان ما تغرهم فتذهب عنهم أو يذهبون عنها. فهذا معنى قوله: «في آي الحديد»، هذه الآية. «ويونس»، ويونس أي سورة يونس، وهو يشير إلى قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾، أرض نبتت وأثمرت، فظن ملاكها أنهم قادرون على جني ثمارها والانتفاع بها، ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾، أتاها أمر الله من ريح عاصف عاتية شديدة أو من صاعقة تحرقها أو نحو ذلك، ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾، جعلناها محصودة، جعلناها يابسة لا ثمار فيها ولا خضرار فيها، ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾، كأن لم تكن خضراء بالأمس. نعم، ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، فهذا هو المراد بهذه الآية، وهي بمعنى الآية المتقدمة، فهي زخرف سرعان ما يذهب عن أهله أو يذهبون عنها. وقوله: «وفي الكهف إيضاح بضرب مثالها»، يشير إلى قول الله عز وجل في سورة الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾، وهي بمعنى الآيتين المتقدمتين. وقوله: «وفي آل عمران»، يشير إلى قول الله عز وجل: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾، بعدما بيّن شيئاً من زينة هذه الدنيا، بيّن أن ذلك المتقدم كله، بأن ذلك المتقدم كله إنما هو متاع الحياة الدنيا، والله عنده حسن المآب لمن أقبل على الآخرة. وقوله: «وسورة فاطر»، يشير إلى قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾، لا تغتروا بزخرفها، لا تغتروا بزينتها، لا تغتروا بجمالها، فإنما هي متاع الغرور. وقوله: «وفي غافر قد جاءت بيان حالها»، يشير إلى قول الله عز وجل: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾، نعم فهي متاع، وهذه الآية بمعنى الآية التي قبلها. وقوله: «وفي سورة الأحقاف أعظم واعظ»، يشير إلى قول الله عز وجل: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾، أي ذهبت تلك الطيبات التي غرتكم بها الحياة الدنيا والتي استمتعتم بها، فأين هي؟ أين هذه الملذات وأين هذه الشهوات وأنتم الآن في نار جهنم والعياذ بالله. قيل: هذه الآية في سورة الأحقاف، وقيل آية أخرى في سورة الأحقاف يشير إليها، وهو قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾، أي أنهم تيقن أن هذه الدنيا سريعة الانقضاء، فما هي إلا كساعة من نهار، فما هي إلا كساعة من نهار، وهذه حقيقة الدنيا مقارنة مع الدار الآخرة، فهذه الدنيا بالنسبة للآخرة كأنها حلم أو ساعة أو لحظة مرت على الإنسان في هذه الدنيا. ومن عظيم ومن بديع كذلك استدلال المؤلف بهذه الآيات بهذه السور، إذ أنه سما هذه القصيدة: القصيدة الهائية في الترغيب والترهيب، يعني الترغيب في الآخرة والترهيب والتزهيد في الدنيا. هذه الآيات أو أغلب هذه الآيات تجد أن الله عز وجل لما يحذر من الدنيا، مباشرة بعد هذا التحذير الترغيب في الآخرة، الترغيب في الآخرة. فمثلاً في آية الحديد: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ إلى أن قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، ما هي الآية التي بعد هذه؟ ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، ترغيب في الآخرة بعد التزهيد والترهيب من الدنيا. وهكذا في سورة يونس، لما ذكر الترهيب من الدنيا والتزهيد فيها في قوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، ما هو بعد هذه الآية؟ ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾، ما هي دار السلام؟ دار السلام هي الجنة، لأنها سالمة من كل نقص ومن كل عيب ومن كل منغص ومكدر، فدعانا الله عز وجل بعد أن زهدنا في الدنيا، رغبنا في الآخرة وفي الجنة، فقال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وكذلك في سورة الكهف، بعدما ذكر قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾، ماذا قال؟ ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾، ما هي الباقيات الصالحات؟ قيل: الباقيات الصالحات كما ورد بذلك الحديث: التسبيح والتهليل والتحميد، وقيل: إنما ورد هذا الحديث مورد المثال، وإلا فالباقيات الصالحات هي الأعمال الصالحة عامة، كل الأعمال الصالحة، فالله عز وجل بعد ما زهدنا في الدنيا رغبنا في الآخرة، وهو الترغيب في الأعمال الصالحة التي بها يدخل العبد جنة ربه سبحانه وتعالى. وهكذا آية آل عمران في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ إلى آخر الآية، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾، ماذا بعد هذه الآية؟ ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾، ما هو المشار إليه في قوله ﴿ذَلِكُمْ﴾؟ ما تقدم من النساء والبنين والقناطير المقنطرة، دعانا الله عز وجل بعد أن حذرنا من هذه الزينة، دعانا سبحانه وتعالى إلى الجنة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾، انظروا كيف أن الله عز وجل حين يزهد ويرهب من الدنيا يرغب ويحث على الآخرة. وهكذا غيرها من الآيات التي في كتاب الله تجد هذا المعنى فيها، أي أن الله عز وجل حين يزهد في الدنيا يرغب في الآخرة. وأما قوله: «وكم من حديث موجب لاقترارها أو لاعتزالها»، فوردت أحاديث كثيرة في التزهيد من الدنيا، وانتهى الوقت، إن شاء الله في الدرس القادم نأخذ ما تيسر منها. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.