الدرس في التعليق على المنظومة الهائية للحكمي 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع أن ميل الناس إلى الدنيا واطمئنانهم إليها ناتج عن جهلهم بحق الله وحقيقة الدنيا الزائلة، فيقابلهم أهل العلم الذين يفضلون الآخرة. ويبين أن عاقبة من آثر الدنيا على الآخرة هي الخزي والعذاب في الآخرة، مستشهداً بقصة قارون وآيات القرآن.
يبيّن المقطع أن إيثار الدنيا على الآخرة يكون حين تُصرف عن واجب أو تُوقع في محرم، وينقل عن ابن القيم وصف القلب الخالي من حب الله بالمخسوف به. كما يفسر أبياتاً تحذر من أن لذة الدنيا ستنقلب سمّاً نقيعاً عند الموت، حيث يندم الغافلون ويتمنون الرجوع للعمل الصالح بلا جدوى.
يؤكد المقطع على أهمية المبادرة بالأعمال الصالحة في الحياة الدنيا قبل حلول الأجل، مستشهداً بقصة الحسن البصري مع الغافل في المقبرة، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الثلاثة التي تتبع الميت. محذراً من الاغترار بالدنيا وزخرفها لأن حبالها تنقطع عند الموت ولا ينفع الندم حينها.
يختتم المتحدث المقطع بعبارة "نكتفي بهذا وإلى هنا" مع التوكيل لله تعالى، ويذكر أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر. بذلك يكون قد أنهى الحديث عن مخاطر الدنيا ووجوب الاستعداد للآخرة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال الشيخ حافظ الحكم رحمه الله تعالى في قصيدته الهائية في الترغيب والترهيب: «وما لا إليها آخرون لجهلهم فلما اطمأنوا أرشقتهم نبالها أولئك قوم آثروها فأعقبوا بها الخزية في الأخرى وذاقوا وبالها فقل للذين استعذبوها رويدكم سينقلب السم النقيع زلالها ليلهوا ويغتروا بها ما بدا لهم متى تبلغ الحلقوم تصرم حبالها» قوله: «وما لا إليها آخرون لجهلهم»؛ هذا قسم آخر من الناس، وهم الذين غرتهم الدنيا وفتنوا بزخرفها، وألهتهم بمتاعها، وسلبت أعينهم زينتها، فمالوا إليها، فأصبحت هي بغيتهم، وهي مبلغ علمهم. فيقول: هؤلاء مالوا إليها لجهلهم، أي: بسبب الجهل وقعوا في الاغترار بها. الجهل بالله عز وجل وبحقه الواجب وهو عبادته سبحانه وتعالى، ما عرفوا الغاية والحكمة التي من أجلها خلقوا. لم يخلقوا من أجل هذه الدنيا، ولا من أجل الركون إليها والاغترار بها، وإنما خلقوا لعبادة الله عز وجل، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. فلجهلهم بحق الله وبحقه الواجب عليهم، وكذلك لجهلهم بحقيقة هذه الدنيا، وأنها دار ممر وليست بدار مستقر، وأنها دار زوال وليست بدار استمرار، وأنها دار غرور وليست بدار سرور، وغير ذلك من أوصاف وحقيقة هذه الدنيا، فلجهلهم بهذه الأشياء وقعوا في هذه الدنيا وفتنوا بها. «وما لا إليها آخرون لجهلهم». وهذا فيه أن من أعظم ما ينجو به العبد من فتن الدنيا العلم. العلم، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم حاكياً عن أحوال الناس في تقويمهم لقارون، ذاك الطاغية الذي تكبر وتجبر واغتر بدنياه، واغتر بما أوتي من مال وزينة وزخر في هذه الدنيا. فلما خرج على قومه في زينته، قال الذين يريدون الحياة الدنيا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. هؤلاء هم الذين مالوا إلى الدنيا، والذين جهلوا حقيقة هذه الدنيا. وقال الذين أوتوا العلم: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾. هذا هم الصنف الثاني، الأول الذين عرفوا حقيقة هذه الدنيا وبصروا بحقيقة هذه الدنيا، فأقبلوا على الآخرة، وجعلوا هذه الدنيا ممراً وسبيلاً يتزودون فيها لإعمار آخرتهم. قوله: «وما لا إليها آخرون لجهلهم»، أي: بسبب جهلهم. «فلما اطمأنوا أرشقتهم نبالها»، أي: لما اطمأنوا إلى هذا الزخر في الزائل والمتاع الفان، وظنوا أنهم باقون في هذا المتاع والزخرف، اطمأنوا إليها ورضوا بها. وهذه من صفات الكفار، ليس من صفات أهل الإيمان. ليس من صفات أهل الإيمان، كما وصف الله عز وجل الكفار بذلك بأنهم رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها. أما المؤمن فلا يطمئن إلى هذه الحياة الدنيا، وإنما يطمئن للآخرة. فقال: «فلما اطمأنوا»؛ هؤلاء الميالون إلى الدنيا اطمأنوا إليها، «أرشقتهم نبالها». الرشق هو الرمي، والمقصود أن هذه الدنيا رمتهم بنبالها، بسهامها. فمنهم من هلك على عصيانه وغروره وإعراضه عن الله كقارون ومن نحوه. ومنهم من ازداد طغياناً وكفراً بما أوتي من متاع الدنيا، كما قال الله عز وجل: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾، وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾. بعض الناس إذا أنعم الله عز وجل عليه بنعم هذه الدنيا، بطر نعمة الله عليه، وطغى بهذا المال، وزاد عصيانه، وزاد تمرده على خالقه سبحانه وتعالى. فقوله: «أرشقتهم نبالها»، أي: منهم من هلك على عصيانه وغروره وإعراضه، ومنهم من ازداد طغياناً وكفراً لما أوتي من متاع وزخر في هذه الدنيا، ومنهم من عاش حياة هو فيها محروم من أعظم اللذات، وهي لذة الإيمان، ولذة الأعمال الصالحة، ولذة كذلك القرب من الله سبحانه وتعالى. ثم قال: «أولئك قوم آثروها فأعقبوا بها الخزية في الأخرى وذاقوا وبالها». يعني: هؤلاء الذين مالوا إلى هذه الدنيا، قوم آثروها، أي: آثروا الحياة الدنيا على الآخرة، فلم يكن لهم مراد ولا رغبة في الآخرة، وإنما مرادهم ورغبتهم في الدنيا، كما قال الله عز وجل: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّريدُ﴾. نعم، هؤلاء أرادوا هذه العاجلة، والعاجلة هي الدنيا، فآثروها. فماذا كانت النتيجة؟ قال: «فأعقبوا بها الخزية في الأخرى وذاقوا وبالها». فأعقبوا، أي: كانت العاقبة لهم هي الخزي، الخزي في الدار الآخرة، كما قال الله عز وجل في تمام الآية في قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّريدُ * ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾. هذا من أعظم الخزي، ومن أعظم العقوبة، أن يدخل هذا العبد إلى نار تلظى، وهو مذموم وهو مدحور فيها. فهذه عاقبة من مال إلى هذه الدنيا وآثرها على الآخرة. وقد ذكرنا ضابطاً في إيثار الدنيا على الآخرة، لأن الله حذرنا من ذلك، فقال: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾. فقد ذكر العلماء ضابطاً في إيثار الدنيا على الآخرة، وهذا الضابط هو: إذا كانت هذه الدنيا سبباً في ترك واجب، أو في ارتكاب محرم. وقوله: «وذاقوا وبالها»، الوبال هو سوء العاقبة والمآل الوخيم، هذا هو الوبال. فهذه عقوبة من آثر الدنيا. وما لا إليها، يقول ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه الماتع البديع «بدائع الفوائد»: «ومتى رأيت القلب قد ترحل عنه حب الله والاستعداد للقائه، وحل فيه حب المخلوق والرضا بالحياة الدنيا والطمأنينة بها، فاعلم أنه قد خسف به، والعياذ بالله». ثم قال الناظم رحمه الله: «فقل للذين استعذبوها رويدكم، سينقلب السم النقيع زلالها». «فقل»، المقصود بهذا النداء هم من وفقهم الله عز وجل لحسن البصيرة والمعرفة بحال الدنيا. فقل: يا من بصرك الله بحقيقة هذه الدنيا، ووفقك الله للبعد عن فتنها، ووفقك الله إلى الإقبال على الآخرة، قل لهؤلاء الذين استعذبوها، أي: استلذوا بها، كالذي يشرب شراباً فيستعذبه ويتلذذ بشربه. وهكذا الدنيا، بعض الناس إذا تعمق فيها ودخل في شباكها يستلذ بها، يرى أنه في نعيم، ويرضى بهذا، ويهمل آخرته، ويهمل الدار الآخرة. فيقول المؤلف هنا الناظم: «فقل يا من بصرك الله للذين استعذبوها»، أي: استلذوا بها وافتتنوا بزخرفها، «رويدكم»، أي: تمهلوا. «رويداً» أي: مهلا، و«رويدكم» أي: تمهلوا، وانظروا في عواقب هذا الغرور والافتتان قبل أن تندموا في موطن لا ينفعكم فيه الندم، وانظروا إلى ما سيؤول إليه هذا الذي استعذبتموه. كما مر معنا، ما نهاية هذا الزخرف وهذا النعيم الذي ربما يتنعم به أحدهم في هذه الدنيا؟ إلى زوال، وإلى ذهاب، وإلى اضمحلال. فـ«رويدكم»، مهلا، لا تغتروا بما تجدونه من لذة وبما تجدونه من شهوة في هذه الدنيا. «رويدكم»، مهلا، «سينقلب السم النقيع زلالها». «ينقلب» هنا أتت بمعنى «صار» التي تفيد التحويل، التحويل من حال إلى أخرى، ولذلك أعربوها هنا إعراب «صار»، فيكون «السم» هنا خبر «سينقلب» مقدماً، وأما «النقيع» فهو صفة له، و«زلالها» هو اسم «سينقلب» مؤخراً. والتقدير: سينقلب زلال هذه الدنيا السم النقيع، السم النقيع. فقوله: «سينقلب السم النقيع»، يعني: أن هذا الذي استعذبتموه في هذه الدنيا واستلذذتم به، سينقلب السم النقيع. يقال: «سم النقيع»، و«سم ناقع»، و«سم منغوع»، أي: بالغ وشديد الإضرار، سم، ومع ذلك يضر بمن احتساه ومن أكله، فهو سم ضار، وضرره شديد، ضرره شديد، ربما يقتل، وربما يمرض مرضاً شديداً لقوته ولشدة ضرره. فهذا النعيم الذي أنتم تتمتعون به سينقلب السم النقيع «زلالها»، أي: هذا الذي استعذبتموه من زلالها كالماء الزلال الصافي النقي، فإنه سينقلب إلى سم نقيع، إلى سم نقيع. فأي: ترونه عذباً زلالاً عند استمتاعكم به، ثم سينقلب إلى السم الضار شديد الضرر. ثم قال: «ليلهوا ويغتروا بها ما بدا لهم، متى تبلغ الحلقوم تصرم حبالها». أي: يقال لهذا المفتون بالدنيا: «لهوا» بهذه الدنيا ومتاعها، انتظروا أن يفجأكم. وكذلك، أو يقال لهذا المفتون الذي فتن بهذه الدنيا: «لهوا» بهذه الدنيا ومتاعها وزخرفها، فإلى متى سيستمر هذا اللهو وهذا الاستمتاع؟ «ليلهوا ويغتروا بها ما بدا لهم»، إلى متى؟ انتظروا أن يفجأكم ويدهمكم الموت وأنتم على هذا اللهو وعلى هذه الغفلة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾، ما كنت منه تهرب. فمن استغرق في هذه الدنيا وتوسع فيها، أكره ما يكون إليه الموت، لأنه سيحرمه من ماذا؟ من النعيم الذي هو فيه، النعيم الذي هو فيه. فيقول له: إلى متى ستلهو؟ وإلى متى ستتنعم بهذه الدنيا؟ انتظر إلى أن يفجأك الموت، فتفيق من غفلتك، ولا ساعة مندم. ولا ساعة مندم. فهؤلاء اللاهون الغافلون على الدنيا، متى عاينوا الموت، تمنوا أن يؤجلوا ليعملوا صالحاً غير الذي كانوا يعملون. لذلك يقول الله عز وجل في كتابه الكريم حاكياً عن هؤلاء: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾. نعم، يتمنون أو يتمنون الرجوع إلى الدنيا، لا من أجل أن يكونوا على ما كانوا عليه من قبل من الالتهاء بهذه الدنيا، ومن كذلك التمتع بملذات هذه الدنيا أبداً، وإنما يتمنون الرجوع إلى هذه الدنيا ليعملوا الصالحات، لينفقوا من هذه الدنيا التي أعطاهم الله عز وجل إياها، كما قال الله عز وجل في آخر سورة المنافقين: قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾. ردني إلى الدنيا من أجل أن أتصدق هذا المال الذي كنت أمنعه قبل موتي، وكنت حريصاً عليه، سأرجع وأنفق من هذا المال وأتصدق وأكون من الصالحين، لا من الغافلين، لا من العاصين، وإنما أكون من الصالحين. ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾. إذا وأنت في زمن الإمكان، فقل من الآن: سأتصدق، قل من الآن: سأكون من الصالحين، قل من الآن: سأعمل صالحاً. ورد عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه أراد أن يعظ أحد المفرطين الغافلين المعرضين، فأخذه إلى القبور، ذهب به إلى المقبرة، ذهب به إلى المقبرة، وقال له: يا فلان، لو كنت مكان هؤلاء، تصور أنك مكان واحد من هؤلاء الموتى، ماذا تتمنى؟ أش تتمنى وأنت مكان واحد من هؤلاء الموتى؟ فقال له هذا الرجل: والله، أتمنى أن يعيدني الله للدنيا لأعمل صالحاً غير الذي كنت أعمل. فقال له الحسن البصري: يا هذا، أنت فيما تتمنى، يعني: أنت الآن في هذه الدنيا، وأنت الآن تستطيع أن تعمل ما تتمناه، الآن أنت فيما تتمناه، فاعمل. أما إذا كنت من أصحاب القبور، لو تمنيت هذه الأمنية لما أعطيتها، لما أعطيتها، لأن من مات لا يرجع إلى هذه الدنيا، لا يستطيعون توصية، ولا إلى أهلهم يرجعون. من مات ما يرجع، ولا يمكن من الرجوع إلى هذه الدنيا أبداً. فإذا طالما أنك في وقت الإمكان، وفي وقت السعة، فاعمل من الآن. فكانت موعظة بليغة. ولذلك حثنا نبينا عليه الصلاة والسلام على الإكثار من ذكر الموت، وعلى زيارة القبور، لأنها تذكر الآخرة، وتزهد في الدنيا، وتزهد في الدنيا. «ليلهوا ويغتروا بها ما بدا لهم»، «ما بدا لهم» يعني: في أي وقت أرادوا. «ما بدا لهم»، لكن «متى تبلغ الحلقوم تصرم حبالها»، أي: متى تبلغ الحلقوم، وتخرج الروح، وتنزع تلك الروح منه، لا، تنقطع حبال هذه الدنيا، تنقطع حبال هذه الدنيا. معنى «تصرم»: أي تنقطع. تنقطع حبال هذه الدنيا، والمراد بحبال هذه الدنيا: العلائق، وكذلك الصلات التي يرتبط بها الإنسان في الدنيا. إنسان معه تجارة في الدنيا، هذا صلة بينه وبين الدنيا. معه وظيفة، معه كذلك مهنة، معه زراعة، معه تجارة، أي شيء مما يربطه بهذه الدنيا تسمى صلة. فعندما تبلغ الحلقوم، تنتهي تلك الصلات كلها، تنتهي تلك الصلات كلها، فلا يدخل مع الإنسان إلى قبره إلا العمل فقط. أما الأموال التي خلفها، والتجارات التي تركها، والعمائر التي بناها، وكذلك الأرصدة التي كونها في البنوك والمصارف ونحو ذلك، كل هذه ما ستدخل إلى قبره أبداً. ولو دخلت إلى قبره، لكان ذلك من السفه، وكل الناس ينكرون ذلك، ولا ينتفع بها إذا دفنت معه، لا ينتفع بها أبداً، لا ينتفع بها. يقول عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أنس الصحيح: «يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان، ويبقى واحد: يرجع ماله وأهله، ويبقى عمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وإن شراً فشر». فمتى تبلغ الحلقوم تصرم حبالها، تقطع حبال هذه الدنيا، فلا تنسب إليك التجارات التي كنت تمارسها قبل موتك، ولا تنسب إليك الأموال، إنما تنتقل إلى غيرك من الورثة. إذن تنقطع عنك هذه الدنيا بالكلية، بالكلية. ربما لو قيل لورثتك، إن كانوا غير بارين: اعملوا لأبيكم شيئاً، صدقة جارية، ابن له مسجداً، أو سقاية، أو دوراً للعلم، أو للفقراء والمساكين، لقالوا: هو قد مات، نحن نريد نستمتع بهذا المال الذي تركه، كم كنا محرومين منه؟ ربما امتنعوا من أن يقدموا لك شيئاً من مالك الذي تعبت من أجله، وسهرت من أجله، وتنكدت من أجله، واقتممت من أجله. يمتنع يعني ورثتك أن تنتفع بهذا المال بعد موتك بأن يعملوا لك صدقة جارية. انظر إلى حقيقة هذه الدنيا، فكيف بعد هذا تخلف تعبك وجهدك لغيرك؟ نعم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لأن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». ولكن هذا ليس بالانغماس في هذه الدنيا، وبالحرص عليها، وبجمعها، والافتتان بها، والزهد في الآخرة، والبعد عن الأعمال الصالحة ونحو ذلك، إنما يكون بالطاعة، ويكون كذلك برضى الله سبحانه وتعالى. يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾، ما ينفع، إذا بلغت الروح الحلقوم، ما ينفع أن تتوب. «متى تبلغ الحلقوم تصرم حبالها». وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»، ما لم يغرغر، أي: ما لم تبلغ الروح مرحلة الغرغرة، وهو الاحتضار ونزول الموت ونحو ذلك. فإذن هذا يدعونا إلى أن نزهد في هذه الدنيا، وأن نقطع حبالها من الآن، في وقت الإمكان، وأن لا نغتر بها. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر