الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا المحور سيرة زيد بن عمرو بن نفيل، أحد الحنفاء في الجاهلية، الذي رفض عبادة الأصنام وبحث عن دين إبراهيم الخالص، فرحل إلى الشام وفدك سائلاً أهل الكتاب فدلوه على الحنيفية. وقد أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال إنه يبعث أمة وحده، مما يدل على مكانته وسبقه إلى التوحيد.
يروي المحور لقاء زيد بن عمرو بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، حيث رفض زيد أكل شاة ذبحت على الأنصاب لأنها لم تُذكر عليها اسم الله. ويوضح العلماء أن النبي لم يذبح للأصنام بل كان يذبح عند تلك الحجارة كعادة الناس، وكان معصوماً من الشرك ولم يمس الأصنام أصلاً.
يتحدث المحور عن عصمة الله لرسوله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، مؤكداً أنه كان مصوناً من الشرك والمعاصي حتى قبل الوحي. ويختتم الدرس بالإشارة إلى الترجمة ودعوة للاشتراك في القناة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال الإمام الذهبي رحمه الله: ذكر زيد بن عمرو بن نفيل. وزيد بن عمرو بن نفيل هو العدوي، والد أبي الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، وسعيد بن زيد هو من العشرة المبشرين بالجنة. وزيد بن عمرو هو عم عمر بن الخطاب؛ الخطاب بن عمرو بن نفيل العدوي. وكان موحدًا في الجاهلية، يبحث عن التوحيد وعن الدين الصحيح قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولهذا أثنى عليه النبي عليه الصلاة والسلام. ومما صح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في فضله أنه كان يقول: «إن زيد بن عمرو بن نفيل يبعث يوم القيامة أمة وحده». زيد بن عمرو بن نفيل يبعث يوم القيامة أمة وحده، وهذا فضل عظيم لزيد رضي الله عنه. قال موسى بن عقبة، وهو صاحب السيرة، والحديث في البخاري: قال: أخبرني سالم أنه سمع أباه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل أسفل بلد. قال ابن عمر يحدث عن النبي عليه الصلاة والسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقيت زيد بن عمرو بن نفيل أسفل بلد». وبلد هذه وادٍ بين فخ والفديبية، بمعنى في نصف الطريق بين المدينة ومكة. قالوا: ذلك قبل الوحي. فقدم إليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل، وقال: «لا آكل مما تذبحون على أنصابكم». قال: «أنا لا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه». رواه البخاري، وزاد في آخره: فكان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: «الشاء خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله»، إنكارًا لذلك وتعظيمًا له. وهذا كما قال المؤلف في صحيح البخاري: والنبي عليه الصلاة والسلام قدم هذه السفرة من اللحم، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يذبحها لصنم، لم يذبحها لصنم، وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يذبح للأصنام. لكن ذبحها لنصب من الأنصاب. النصب ليس صنمًا، النصب هو الأحجار التي تكون يذبح عندها، أحجار كانت أماكن هناك يذبح عندها. فأحيانًا تكون هذه النصب أو هذه الأحجار عند صنم. والظاهر أن النبي عليه الصلاة والسلام ذبح، أو ذبح زيد بن حارثة كما سيأتي، عند نصب من هذه الأنصاب التي عندها الأصنام. ثم قال البخاري: قال موسى: حدثنا سالم بن عبد الله، ولا أعلم إلا تحدث به عن ابن عمر، أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه. فلقي عالمًا من اليهود، فسأله عن دينه، فقال: «إني لعلي أن أدين دينكم». فعلى الظاهر يريد أن دينه ليس صحيحًا، أو قال: «إني لعلي أن أدين دينكم»، أي زيد بن عمرو يقول لهذا اليهودي. قال: «إنك لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله». فقال زيد بن عمرو: «ما أفر إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئًا، ولا أحمل من غضب الله شيئًا أبدًا، وإني أستطيعه، فهل تدلني على غيره؟» معنى: لا أستطيع أن أتحمل غضب الله، فهل تدلني على غيره؟ قال: «ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا». قال: «وما الحنيف؟» قال: «دين إبراهيم، لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا، ولا يعبد إلا الله». قال: فخرج زيد، فلقي عالمًا من النصارى. وهذا العالم من اليهود من أفضلهم، لهذا بين له الصحيح. وكذلك أيضًا هذا العالم من النصارى. قال: فذكر له مثله، فقال: «لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله». قال: «ما أفر إلا من لعنة الله». فقال له كما قال اليهود. وهذا من توفيق الله عز وجل؛ لأنه كان يطلب الحق، فوفق لعالم من اليهود يعرف الحق ويخضع له، وكذلك العالم الذي من النصارى. قال: فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم، خرج. فلما برز رفع يديه، فقال: «اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم». هكذا أخرجه البخاري. وقد كان في قريش جماعة لم يعجبهم دين قريش من عبادة الأصنام، وكانوا يقال لهم أو يلقبون بالحنفاء؛ لأنهم يتبعون دين إبراهيم، منهم زيد بن عمرو، وقيس بن ساعدة، وغيرهم. وقال عبد الوهاب الثقفي، عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، حافظ من حفاظ أهل البصرة: حدثنا محمد بن عمر بن سلمة بن علقمة الليثي، عن أبي سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن، عن أسامة بن زيد، عن أبيه أسامة بن زيد بن حارثة، عن أبيه قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومًا حارًا، وهو مردف فيه، إلى نصب من الأنصاب. وكما قلنا: المراد بالنصب هو الحجارة التي يذبح عندها، وليس الصنم. وكانت قريش اعتادوا أنهم يذبحون عند الأنصاب. قالوا: قد ذبحنا له شاة فأنضجناها. أي: ذبحوا للنبي عليه الصلاة والسلام شاة. ذبح زيد عند هذا النصب، بمعنى يذبحون في هذه الحجارة. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام، أو قال: فلقي زيد بن عمرو بن نفيل، فحيا كل واحد منهما صاحبه. لقيه في بلده، في منطقة بلده، والظاهر أنها قريب عسفان. قال: فحيا كل واحد منهما صاحبه بتحية الجاهلية. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «يا زيد، ما لأرى قومك قد شنفوا لك، شنفوا لك؟» معنى: تركوك، أو أنهم غضبوا عليه، غضبوا عليه. قال: «والله يا محمد، إن ذلك لبغير نائلة، ترى لي فيهم إنها لبغير نائلة». معنى: بدون سبب، ما عندي سبب يفعلون ذلك. وقوله: «ترى» معنى: ليس هناك سبب واضح حتى يفعلوا هذا. قال: «ولكني خرجت أبتغي هذا الدين حتى أقدم على أحبار فدك». وفدك فيها كان اليهود، وهي مدينة بينها وبين مكة يومان. قال: «فوجدتهم يعبدون ويشركون به، ويشركون به، يعبدون الله لكن يشركون به». قال: «فقلت: ما هذا بالدين الذي أبتغي». فقدمت الشام، فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به. فخرجت، فقال لي شيخ منهم: «إنك تسأل عن دين ما نعلم أحدًا يعبد الله به إلا شيخ بالجزيرة». فأتيته. أنا هذا الشيخ الذي بالجزيرة، والجزيرة هي اليمامة وحولها والحيرة. قال: «فلما رآني قال: ممن أنت؟» قلت: «من أهل بيت الله». قال: «من أهل الشوك والقرض، العرب». قال: «إن الذي تطلب قد ظهر ببلادك». أنت تطلب دين إبراهيم، ودين إبراهيم قد ظهر ببلادك، ظهر نجمه، قد بعث نبي، قد طلع نجمه. طلع نجمه أي: بدأ، لكن لم يجزم أنه قد بعث، ولم يبعث، لكنه قد خلق وهو في الحياة. قال: «وجميع من رأيتم في ضلال». قال: «فلم أحس بشيء». قال: «فقرب إليه السفرة، فقال: ما هذا يا محمد؟» قال: «شاة ذبحت للنصب». قال: «ما كنت لآكل مما لم يذكر اسم الله عليه». أنا ذبحت للنصب، أن المراد أنها ذبحها على هذا النصب، وليس المراد أنه ذبحها للصنم كما ظنه بعضهم. بعض العلماء يقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام كان يذبح للأصنام، ثم بعد ذلك كره لما قال له زيد بن عمرو هذا الكلام، كما قال زيد. لكن المراد بالنصب هنا كما قلنا: الحجارة، حجارة يذبحون عندها، اعتاد الناس أنهم يذبحون عندها، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يذبح مثل ما يذبح الناس. وأيضًا كذلك النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يعرف أن الإنسان إذا أراد أن يذبح يذكر اسم الله، لأنه لم يتعلم دين إبراهيم، وإنما كان يتعبد الله بما ألهمه الله عز وجل من الخير، لكن عصمه الله عز وجل من هذه. والنبي عليه الصلاة والسلام في نفس الحديث، حديث زيد بن حارثة، قال زيد: كان النبي صلى الله عليه وسلم يمنعني أن أمس نائلة، ساه. عساف ونائلة، عساف ونائلة كانت أصنامًا داخل الكعبة، أو أخرجوا من الكعبة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر عليهم في الطواف، وقال لزيد: «لا تمسهما». قال: فقال زيد: «فأردت أن أمسهما، أرى ماذا يفعل النبي صلى الله عليه وسلم». قال: «فمسستهما، فقال: يا زيد، ألم تنهى؟» قال: «فقر». لهذا النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يمس هذه الأصنام، فكيف يذبح عندها أو يذبح لها؟ فكان ينكر مثل هذه الأشياء، ولم يكن على دين المشركين. قال: «فقرب إليه السفرة، فقال: هذا يا محمد، شاة». أما هذا، قال: «شاة ذبحت للنصب». قال: «ما كنت لآكل مما لم يذكر اسم الله عليه». معنى: زيد بن عمرو هنا لم يأكل من هذه الذبيحة، ليس لأنها ذبحت لصنم، وإنما لأنه لم يذكر اسم الله عز وجل عليها. قال: «فتفرقا». وقال: وقال لي: شاب نعر، وعن أبيه طيب. ثم ذكر أشياء. والمهم أن هذه مسألة ذكرها كثير من العلم، وذكر البيهقي أيضًا في الدلائل، وأيضًا جماعة من العلم من من ألف في السيرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث لم يأكل مما ذبح على الأصنام، وإنما هذه النصب كانت حجارة يذبح عندها، فقد يكون ذبح النبي صلى الله عليه وسلم عند حجارة كانت عند صنم من هذه الأصنام، فلذلك لم يأكل زيد لأنه لم يذكر اسم الله عز وجل عليها. وأما أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح لأجل الأصنام أو للأصنام، فهذا لم يثبت، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يمسها، فكيف يذبح؟ وهذا من عصمة الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، قبل مبعثه. فهذا ما يخص، والله تعالى أعلم. ونكتفي بهذا، ونكمل في درس قادم. ترجمة نانسي قنقر، اشتركوا في القناة.