الدرس في التعليق على رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع وصية ابن القيم بالحذر من المخالطة وإضاعة الوقت، مبيناً أن الغفلة واتباع الهوى أصل كل شر، وأن الشيطان يورث الغفلة. يقسم الناس إلى ثلاثة أصناف: الضالون الذين غفلوا عن العلم، والمغضوب عليهم الذين اتبعوا الهوى رغم علمهم، والمنعم عليهم الذين جمعوا بين العلم والعمل، ويختتم بأهمية الدعاء بالهداية إلى صراط المنعم عليهم.
يوضح المقطع عدد قراءة الفاتحة في الصلوات المفروضة وفق مذهب الجمهور، ثم يفسر دعاء "اهدنا الصراط المستقيم" مبيناً أن المنعم عليهم هم من عرفوا الحق وعملوا به، والمغضوب عليهم من علموا ولم يعملوا، والضالون من عملوا بغير علم، ويؤكد أن الجمع بين العلم والعمل يهدي إلى الصراط المستقيم.
يشرح المقطع أن قول "آمين" يعني "اللهم استجب" فلا حاجة لإضافة أدعية أخرى، ويبين أن الهداية المطلوبة في الفاتحة هي هداية التوفيق من الله لا مجرد الإرشاد، وأن العبد مفتقر إليها في كل لحظة لينجو من الضلال أو الغضب باتباع الهوى.
يحذر المتحدث من استيلاء الغفلة على القلب عندما يجهل الإنسان نفسه، ويشير إلى أن ابن القيم سيذكر في الدرس القادم أموراً أساسية موجودة في كل إنسان يحتاج إلى إدراكها.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فذكرنا في الدرس الذي مضى ما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله من وصيته لبعض إخوانه، فذكر أولاً الحذر من المخالطة، ومن إضاعة الوقت، والمخالطة تضيع الوقت وتفسد القلب وتأتي بالغفلة. ثم ذكر رحمه الله أن الغفلة من الأمور التي تصرف العبد عن الله جل وعلا وعن ذكره، وإذا امتزجت وتزوجت باتباع الهوى تولد ما بينهما كل شر. إذا جاءت الغفلة واتباع الهوى فهذا نذير شر للشخص، فتأتي عليه المصائب ويأتي عليه البلايا. من ذلك قال: ومن تأمل فساد أحوال العالم عموماً وخصوصاً، ومن تأمل فساد أحوال العالم فعن كل العالم عموماً وخصوصاً، وجده ناشئاً عن هذين الأصلين، فعن فساد أحوالهم بسبب هذين الأصلين: الغفلة واتباع الهوى. ولا شك أن الشيطان له الدور الكبير في هذا، فهو الذي يورث الغفلة ويدفع العبد حتى يغفل، فلذلك إذا غفل العبد وسوس له الشيطان، وإذا ذكر الله خنس، لهذا ثم الخناس لأنه يخنس ويختفي ويظهر، فالله عز وجل أمر الناس أن يستعيذوا من هذا الشيطان الخناس، ومن شر الوسواس الخناس. فالغفلة تحول بين العبد وبين تصور الحق ومعرفته والعلم به، فيكون من الضالين. الغفلة لا تجعل العبد يبحث عن الحق، والغفلة أيضاً لا تجعل العبد -معناه معناه- يتصور الحق أو يفعله، بل يكون في غفلته، سواء كان غفل عن الدار الآخرة أو عن ذكر الله أو عن الخير، كل ذلك يحول بينه، يحول بين العبد وبين تصور الحق ومعرفته ومعرفته والعلم به. أحياناً الغفلة أيضاً تكون عن العلم، يرضى الإنسان أن يكون جاهلاً فلا يتعلم أمور دينه، وهذا أيضاً من المصائب التي أصيب بها كثير من الناس، فتجد أنه يقع في الأخطاء ويقع في أشياء قد تكون كبيرة ولا يريد أن يسأل عنها، وأيضاً كذلك لا يلتفت إلى العلم بل يعرض عن العلم وعن المواعظ وغير ذلك، فهذه غفلة شديدة. فغالباً هؤلاء يكونون من الضالين، مثل النصارى الذين غفلوا عن العلم، يتعبدون الله ويعملون لكنهم بغير علم، غفلوا عن العلم فصاروا من الضالين. وقال: اتباع الهوى يصده عن قصد الحق وإرادته واتباعه، فيكون من المغضوب عليهم، أنا مثل يهود، اليهود عندهم علم لكن اتبعوا أهواءهم ولم يؤمنوا بما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام مع أنه موجود في كتبهم، وقد عايرهم الله عز وجل بذلك. وقالوا: وأما المنعم عليهم فهم الذين من الله عليهم بمعرفة الحق علماً، وبالانقياد إليه وإيثاره على ما سواه عملاً، فهؤلاء هم الذين على سبيل النجاح، الذين هم أهل العلم والعمل، يعلمون ويعملون ويعملون بعلم، قالوا: من سواهم على سبيل الهلاك. ولهذا أمرنا الله سبحانه أن نقول كل يوم وليلة عدة مرات: اهدنا، اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. هنا الشيخ لم يحدد، لأجل أن الإنسان قد يصلي الفرائض فقط، وقد يصلي السنن مع الفرائض ويختلف في السنن، لهذا يقول عدة مرات، وعلى مذهب الجمهور أنها سبع عشرة مرة، هذا في الفرائض: أن الظهر أربع مرات يأتي بالفاتحة، وكذلك العصر أربع، والمغرب ثلاث، إحدى عشرة، والعشاء أربع، خمسة عشر، والفجر ركعتان، سبع عشرة مرة، هذا في الفرائض، وهذا على قول الجمهور، إلا أن هناك من علماء من يقول أنها ليست بواجب كالحنفية، وعند المالكية أنه لا بأس أن يكتفي بركعتين، لكن الصحيح الذي دلت عليه الدلالة أنه لابد أن يأتي بالفاتحة في كل ركعة من الركعات، فلذلك يقولها عدة مرات: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. هؤلاء المنعم عليهم هم الذين من الله عز وجل عليهم بمعرفة الحق والعمل به والانقياد والانقياد إليه وإيثاره على ما سواه عملاً، لا يقدمون على الكتاب والسنة شيئاً. وأما المغضوب عليهم فهم الذين علموا ذلك لكنهم لم يعملوا، والضالون الذين عملوا بلا علم. قال: فإن العبد مضطر، مضطر كل الاضطرار إلى أن يكون عارفاً بما ينفعه في معاشه ومعاده، وأن يكون مؤثراً مريداً لما ينفعه، أن هذه الأمور مطلوبة، أن العبد مضطر إلى أن يكون عارفاً بما ينفعه في معاشه ومعاده، أي شيء الذي يصلحه في معاشه في الحياة الدنيا وكذلك في معاده وهو أعظم، يعرف هذه الأمور يتعلمها. أيضاً قالوا: أن يكون مؤثراً مريداً لما ينفعه مجتنباً لما يضره، يعني يطلب الخير، يطلب ما ينفعه في دنياه وفي آخرته، مثل ما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله»، فالمؤمن يحرص في هذه الحياة على ما ينفعه في دنياه وآخرته، ويتجنب ما يضره، ما يكون فيه ضرر عليه سواء كان في دنياه في آخرته، الواجب عليه أن يجتنبه. قال: فبمجموع هذين يكونوا قد هُدوا إلى الصراط المستقيم، عن إذا عرف ما ينفعه فحرص عليه في معاشه وفي معاده، وأيضاً يطلب ما ينفعه ويجتنب ما يضره، فهذا إن جمع بين هذين هذا قد هدي إلى الصراط المستقيم. فإن فاته معرفة ذلك سلك سبيل الضالين، وإن فاته قصده واتباعه سلك سبيل المغضوب عليهم. فاته قصده، معناه أنه لم يقصد الحق وإنما قصد اتباع نفسه، اتباع هواه، كما قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا﴾ قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾، فإذا جرد نفسه لاتباع الحق فإنه من أهل الجنة، وأما إذا كان يتبع شهواته يتبع هواه يتبع ما أراد، لا يلتفت إلى شرع ولا يلتفت إلى حق ولا يلتفت إلى وعظ ونصائح، فإنه يسلك سبيل المغضوب عليهم والعياذ بالله. قالوا: بهذا يعرف قدر هذا الدعاء العظيم وشدة الحاجة إليه، ونهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، هذا دعاء. وقوله: آمين، الصحيح الذي فسره العلماء: أي اللهم استجب، اللهم استجب، فلا داعي أن يأتي إنسان بدعاء آخر في هذا، لأن بعض الناس الآن اعتاد إذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم، يقول: اللهم اغفر لي، طيب هذا دعاء، كيف اللهم اغفر لي تأتي به في الدعاء؟ فلما تقول آمين أي اللهم استجب لدعائي، وبعضهم يقول: اللهم تقبل، معنى يقول قبل أن يقول آمين يقول: اللهم تقبل، وهذا يضم الخطأ لأن آمين هي نفسها اللهم تقبل أو اللهم استجب، فالمعنى موجود، فلا داعي أن يأتي بأشياء أخرى من عنده. قال: وبهذا يعرف قدر هذا الدعاء العظيم وشدة الحاجة إليه، وتوقف سعادة الدنيا والآخرة عليه، فمن عمل وعمل، فمن علم وعمل فإنه موفق، ومن تخلف لأجل غفلة أو لجل اتباع الهوى فهو إما من الضالين أو من المغضوب عليه، فإن كانت غفلة فهي من الضاء فهو من الضالين، أنا صدته عن الحق، وإن كان اتباع الهوى فهو من المغضوب عليهم. وقد يكون أيضاً العبد يأخذ من هذا الأمر شيئاً، أنا لا يكون مثل النصارى يكون مسلم لكنه ضال بسبب غفلته وكثرة غفلته عما ينفعه فهو ضال في هذا الباب، أو قد يكون أيضاً من المغضوب عليهم لاتباعه الهوى اتباع شهواته، فهو من يسير في سلك المغضوب عليهم، كما قال الإمام ابن القيم: يسير في سلكهم، لكن قد يكون مؤمن، قد يكون مؤمناً لكن بسبب الأخذ بهذه الأشياء من الغفلة واتباع الهوى فيسير في سلك هؤلاء. قال: والعبد مفتقر إلى الهداية في كل لحظة ونفس، في جميع ما يأتيه ويذر، عن العبد يحتاج لهذه الهداية من الله سبحانه وتعالى وهو التوفيق، فالتوفيق من أعظم ما يحتاجه الإنسان، ليس هناك شيء أعظم من التوفيق، أن يوفق العبد إلى الخير، يوفق إلى الصلاح، ولهذا يسأل الله عز وجل هذه الهداية. وهذه الهداية هداية التوفيق ليست هداية الإرشاد، لأن هناك في القرآن جاءت الهداية على نوعين: هداية دلالة وإرشاد، وهداية توفيق وامتنان. فهداية الدلالة والإرشاد هذه التي تكون عند العباد، مثل قول الله عز وجل للنبي الكريم عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، أي تدل عليه، لكن الهداية المطلوبة التي هي هداية التوفيق هي من الله، هي من الله، ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾، أي هؤلاء الذين هداهم الله ووفقهم لهذه الهداية وهم أنبياء الله جل وعلا. قال: فإنه بين أمور لا ينفك عنها، أنا يقول العبد مفتقر إلى الهداية في كل لحظة ونفس، معنا يحتاج إلى الهداية بعدد أنفاس، في جميع ما يأتيه ويذر، لأنه لو غفل ساعة لا يأمن على قلبه، كما قال مالك بن دينار: قال لا آمن على قلبي لو غفل لحظة، لو غفل لحظة لا آمن عليه، فأنا يريد أنه قد يطول في هذه الغفلة، يطول في هذه الغفلة، فلذلك المؤمن لا يستمر في الغفلة، يحاول أنه يدرك نفسه إذا رأى أنه غفل عن ذكر الله وغفل في مخالطة الناس مخالطة أصحابه، فإنه يرجع إلى الله ويتوب ويستغفر حتى يدرك ما فاته من الخير، حتى أيضاً ينقذ نفسه من استيلاء الغفلة على قلبه، لأن الإنسان إذا لم يدرك نفسه فإن الغفلة تستولي عليه. قال: فإنه بين أمور لا ينفك عنها، أنا هذه أمور سيذكرها الإمام ابن القيم رحمة الله عليه، هي موجودة في كل إنسان ويحتاجها كل إنسان، فسيذكرها رحمه الله في ذكرها إن شاء الله وتعالى نذكرها في الدرس اللاحق، فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم.