الدرس في الخط التاريخي لظهور البدع 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
كان عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته خاليًا من البدع، يتميز بالصفاء والنقاء وتمسك بدين الله. كان الصحابة يفهمون الخطاب الديني بسهولة ويطبقون أوامره بدون تردد.
استمر الوضع خاليًا من البدع في خلافة أبي بكر وعمر بن الخطاب، حيث كانت أسئلة الصحابة للتحري وليس للتحدي. قام عمر بن الخطاب بقمع صبيغ بن عسل الذي سأل عن المتشابه في القرآن.
بدأت البدع تظهر في منتصف خلافة علي بن أبي طالب، وشدد على أهمية التعامل مع الأفكار المنحرفة وإسكات أصحابها. كانت هذه المرحلة مختلفة عن عهد النبي والخلفاء الراشدين الأوائل.
أنهى النبي صلى الله عليه وسلم بوصية بالحرص على ما ينفع، مشيرًا إلى أن النوم لا ينفع. تم ختم الدرس بالصلاة على النبي ودعوة لاشتراك في القناة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، ذكرنا فيما سبق، إخواني في الله، في الدرس الأول من هذه السلسلة المتعلقة بتتبع ظهور البدع ودعاتها، ما يتعلق بأهمية هذا المبحث وأنه يجتمل على عدة مسائل وفوائد يحتاجها كل مسلم عموما، وكل مستمسك بمنهج السلف خصوصا. ونبدأ إخواني في الله بذكر نشأة البدع من خلال الحقب الزمنية، فأول فترة وأول حقبة نتكلم عليها، وهي من زمن بعثته عليه الصلاة والسلام إلى سنة سبع وثلاثين من الهجرة. من سنة بعثته عليه الصلاة والسلام إلى سنة سبع وثلاثين للهجرة، وسيأتي لنا في اختيار هذا العام، في السنة السابعة والثلاثين من الهجرة، سيأتي هذا معنا، هذه مرحلة ويجعلها المرحلة الأولى، الفترة الأولى. لم تكن فيها بدعة ظاهرة البتة، مرحلة فيها من الصفاء، فيها من النقاء، فيها التمسك بدين الله الحق، ليس هناك رايات تخفق لأهل البدع، وليس لها أتباع، بل هي البدع بنفسها، ليس لها ظهور في هذه الفترة، منذ بعثته عليه الصلاة والسلام إلى السنة السابعة والثلاثين من الهجرة. في بعثته، وفي زمنه عليه الصلاة والسلام، أن البدعة تظهر والوحي والنبي لها بالمرصاد عليه الصلاة والسلام، هذه الفترة، أخواني في الله، في زمنه عليه الصلاة والسلام، كان القرآن يتنزل من السماء، يتنزل على أهل الإسلام غضا طريا، يتنزل على حسب الوقائع والحوادث والأحداث في هذه الفترة. في زمنه، كان هو صلوات ربي وسلام عليه بنفسه يقوم بالتبليغ، ما من خير إلا ودل أمته عليه، وما من شر إلا وحذر أمته منه عليه الصلاة والسلام. فتخيل القرآن والسنة يتنزلان في هذه الفترة، فهل تقوم البدعة قائمة؟ لا والله ما تقوم لها قائمة. ولهذا كان في زمنه عليه الصلاة والسلام، هذه الفترة، خال من البدع، خال من ظهورها، من أتباعها. وزد على ذلك أن أصحاب هذه الفترة، وهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، هم كانوا أهل اللسان العربي، يفهمون القرآن، يفهمون الخطاب. وزد على فهمهم ما تربوا عليه من شدة تمسكهم بدينهم، فما كان أحد منهم يتردد في عمل أو في تصديق خبر، ما عندهم تردد في هذا الباب. فمثل هذا المجتمع، إخواني في الله، سار على هذا المنبع الصافي، وما ظهرت هناك بدع قائمة. صحيح في هذه الفترة الزمنية، في بعثته، وفي زمنه عليه الصلاة والسلام، نعم وقعت بعض الإشكالات، وقعت بعض الإشكالات، لكن ما خرجت عن كونها آراء فردية تنازع فيها أصحابها في فهمها، لكن أبان لهم نبينا الطريق، فكفوا. فمن ذلك ما جاء في السنن عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى حمر وجهه عليه الصلاة والسلام، فقال: «أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه». فكف الناس. إشكال نعم وقع، لكن سرعان ما أبيح في حينه، ما خرج عن إشكالات وقعت في حينها. هذا الحديث نعم جاء في السنن، وإن كان في إسناده صالح المري، وصالح المري أخذ عليه أنه يتفرد بالغرائب. ومن بعض العلماء أعلى هذا الحديث، لكن للحديث شواهد، ولو شاهد من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنه. ولهذا حسن شيخ الألباني رحمه الله تعالى هذا الحديث في السلسلة الصحيحة، وجاء كذلك بلفظ: غضب نبينا من هذا التنازع، فقال: «ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بمثل هذا هلك من كان قبلكم، هلك من كان قبلكم». ولهذا يعبر ابن القيم رحمه الله تعالى عن شأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم بقوله: «ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة، كلمة واحدة من أولهم إلى آخرهم». قال: «ولكن بحمد الله لم يتنازعوا»، الخطاب للصحابة بحقهم، لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة، كلمة واحدة من أولهم إلى آخرهم. ومن هنا، إخواني في الله، نفهم عظم منهج الصحابة، فهو مجتمع يؤتسى به، يقتدى به، ما عرف عنهم بدعة، ما عرف عنهم تفرق أو تنازع أو تشتت في دين الله جل في علاه. ولهذا حق على أهل الإسلام أن يأتسوا بأصحاب رسول الله، وأن تكون مجتمعاتنا كمجتمعاتهم، إذا أردنا الأمن والأمان. وقد مدح ربنا جل في علاه مجتمع الصحابة، «والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان»، عشاء ربنا إلى اتباع هذا المنهج، منهج الصحابة. فمنهج الصحابة ليس مرحلة زمنية مباركة انتهت وانقضت، كما يقول بعض الناس ممن لا فقه عنده، يرى أن ما كان عليه الصحابة من سير هي مرحلة زمنية مباركة وانقضت، لا، بل هو منهاج. والذين اتبعوهم بإحسان، خرج نبينا عليه الصلاة والسلام، فنظر إلى النجوم، ونظر إلى السماء، وقال: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد». إذا ذهب الصحابة واختفوا، فإن هذه المجتمعات يصيبها ما يصيبها من الفتن والقلاقل والمحن. ولهذا لابد من إيجاد منهج الصحابة في مجتمعاتنا، وليس المقصود أننا نوجدهم بأعيانهم، لا، وإنما نوجدهم بإيجاد منهجهم. فلو كان منهج الصحابة موجودا الآن بيننا، نتأسى به، نقتدي به، لما وصل الحال إلى هذه الأحوال المزرية من التشتت والتمزق والتشرذم، وبغور البدع والفرق والأهواء والمذاهب والنحل. فالشاهد، إخواني في الله، في هذه المرحلة، كانت هذه المرحلة في زمنه عليه الصلاة والسلام، من المراحل الصافية، لم تظهر لها بدعة، بل كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم إنما ينشغلون بما ينفعهم في دينهم، يسألون عما ينفعهم في دينهم. يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنه: ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن. قوم ما سألوا رسول الله إلا عما ينفعهم. ولعظيم مسائلهم جعلها ربنا في كتابه، يسألونك عن الخمر والميسر، يسألونك عن المحيض، يسألونك عن الميقات، يسألونك عن اليتامى، قل إصلاح لهم خير. يسألونك، يسألونك، هذه سؤالات الصحابة، سطرها ربنا في كتابه لعظيم منفعتها. فقال ابن عباس بعد ذلك: ما كان يسألونه إلا عما ينفعهم، إما عما ينفعهم، فنعم النفع. يا عبد الله، الانتفاع يكون حتى في طرحك للأسئلة، يكون سؤالك يا عبد الله فيه النفع، تبتغي من سؤالك أن تنتفع. هكذا كان أسئلة الصحابة، يسألون عما ينفعهم، ومن خلال السؤال يا عبد الله، كان السلف يميزون بين المحق والمبطل، فقط من طريق طرح الأسئلة. حتى كان من عبارات سلفنا أنهم قالوا: «أسئلة أهل السنة للتحري، وأسئلة أهل البدع للتحدي». من خلال طرح الأسئلة تعرف من هذا المحق ومن هذا المبطل. أسئلة أهل السنة للتحري، وأسئلة أهل البدع للتحدي، يسألون لكي يتحدوا، وكي يشتتوا عليك دينك. ولهذا، إخواني في الله، كان منهج الصحابة القرآن رضي الله تعالى عنهم، وخاصة في هذه المرحلة، في حياته عليه الصلاة والسلام، مراحل خالية من البدع، بل كانت مراحل خالية حتى من النفاق. ولهذا، من حكمة الله في بداية الدعوة، كان هناك نوع من شدة في مكة، في العهد المكي، كان هناك شدة على أصحاب رسوله، وكان هناك حكمة، الحكمة أن لا يدخل فيها طامع. ولهذا ما ظهر النفاق في مكة أبدا، من هذا الذي سيدخل في الإسلام نفاقا؟ من دخل في الإسلام عند أول حضور، سيلاقي العنة والتعب والضيق والتعذيب والتنكيل، لربما القتل، يقتل. ولهذا ما ظهر النفاق في مكة أبدا، ظهر النفاق في المدينة، ظهر في المدينة بعد ذلك. فكان من حكمة الله أن كان في فترة بعثة بدايتها في استضعاف، حتى ما يدخل إليها إلا الخلص من الناس، من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. توالى الناس في الدخول في دين الله أفواجا. فهذه مرحلة، إخواني في الله، ما يتعلق بحياته عليه الصلاة والسلام إلى السنة الحادية عشرة الهجرة. بعد ذلك جاءت خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه، استمرت سنتين، من السنة الحادية عشرة إلى السنة الثالثة عشرة من الهجرة. في خلافة الصديق، كانت كذلك هذه المرحلة، كانت خالية من البدع، ما كان هناك فرق، ما ظهرت هناك ملة ولا نحلة. نعم ظهرت بعض الأمور تناقشها الصحابة فيما بينهم، وهي من المسائل الاجتهادية التي صاحبها بين الأجر والأجرين، في تنصيب الإمام والخليفة بعد رسول الله. واستتب الأمر في حينه في سقيفة بني ساعدة، وانتهى الأمر، وما خرج الناس إلا على قلب رجل واحد. حوادث، وما وقع من حروب الردة، ما تلحق هذه بالبدع، لأن في حروب الردة من خرج إنما كان كافرا مارقا عن الدين، أنكر شيئا معلوما من الدين بالضرورة. ولهذا شهر السلاح عليهم، وقاتلهم أهل الصحابة قاطبة. فكان في خلافة أبي بكر الصديق، تبعا لخلافة لعهد نبينا، كانت هذه الفترة خالية. ثم جاءت خلافة عمر، جاءت خلافة عمر رضي الله تعالى عنه، ويكانت من السنة الثالثة عشرة واستمرت عشر سنوات، من السنة الثالثة عشرة للهجرة إلى السنة الثالثة والعشرين. وفي زمن وخلافة عمر، كان الأمر كذلك، لو فتشت في كتب التاريخ، ما تجد بدعة ظهرت. وأن تظهر، وأن تظهر في زمن عمر رضي الله تعالى عنه، والذي كان قولا بالحق، «لا تأخذوا في الله لومة لائم، إن سلك عمر فجا سلك الشيطان فجا غير فج». رضي الله تعالى عنه. ومع ذلك ظهرت أمور، وظهرت بعض الأمور، ويعتبت بالمواقف النادرة التي نبتت أو كادت تنبت في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، إلا أنه قمعها قمعا عظيما. وما كان من أمر صبيغ، صبيغ هذا الذي ظهر في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. وصبيغ بن عسل، رجل أتى المدينة، وكان يسأل عن المتشابه في القرآن، وكانت أسئلته التي يحملها تحمل في طياتها التشكيك في فهم معاني القرآن، يشكك. وهذه فائدة أنك لا تفعل، الواحد منا، إخواني في الله، فلقد قد يبتل بأن تأتيه بعض الأمور التي فيها تشكيك في شيء، في مسألة من دينه، فهذه لا تجعلها محل تحديث، لا تجعل هذه المسألة الشائكة التي لربما تطرأ عليك، تجعلها مجلس تحديث. تعالوا، الله تعالى، يا أخي، والله أخي، في مسألة البارحة، قوية، ما أدري كيف أخرج منها؟ تبلبل في قلب صاحبك، فانتقلت هذه الشبهة من رأسك إلى رأس صاحبك، ثم للثاني، ثم للثالث، ما الذي تفعل؟ ما الذي تفعل؟ تزع التشكيك في قلوب الناس. ولهذا ذم السلف ذم السلف هذا النوع من التشكيك، أن من انقض في قلبه شيء، قال: «لا يحكيها لجلسائه، اسكت، اجعلها في نفسك، وابحث عن من يزيحها». لأنك تجعلها محل تحديث، كأنك وقعت في أمر عظيم، أو أمر قوي، أنك وصلت إلى مسألة فيها التشكيك في بعض الآيات والأحاديث، فلازل تحدث هنا وهنا وهنا. عمر بن الخطاب سمع بأمر الرجل يسأل عن المتشابه في القرآن، وليس عنده جواب، يأتي عنده استفسارات، ما تسمعون؟ «والذاريات ذروة، والحاملات وقرا»، قرأ «والذاريات» فيسأل، وليس يجيب. وأصبح الناس يتشككون، سمع عمر بهذا، دعا، وقد أعد له عراجين النخل، العود الأصفر الذي يبس. والله عنده، فأدخله عليه، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: من أنت؟ فقال الرجل: أنا عبد الله صبيغ. فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين، فضربه، وقال: «أنا عبد الله عمر». فلا زال يضربه، يضربه ضربا شديدا حتى شج رأسه، وسال الدم من وجهه. حتى قال هذا الرجل: حسبك يا أمير المؤمنين. عرف لماذا هذا الضرب الذي انهال عليه؟ عرف العلة، وعرف جرمه الذي اقترفه، وأنه خاض في شيء لا يحسنه، وأن ما كان منه في هذا المجتمع ما كان ينبغي أن يفعله. علم حينئذ بجريرته، فقال: «يا أمير المؤمنين حسبك، فقد والله ذهب الذي أجد في رأسي». ذهب إشكالات هذه، ذهبت، بماذا ذهبت؟ بعراجين النخل. وفيه فائدة أن نفهم كيف كان الصحابة، وكيف كان السلف الصالح، لا يتهاونون في مثل هذه الأفكار التي تنبري، ينبغي أن توقف عند حدها. بخلاف ما نسمع في هذا الأزمان، يأتيك رجل فيه لوثة في عقيدته، أفكار إلحادية، فإذا قام من قام من أهل الغيرة بإسكات هذه الأفواه، وهذه الوجوه الشاذة الناشزة، تجد من بعض جماعات الحزبية، يقلن: لا، ليش هذا؟ يتركوا يعبر عن رأيه، الرأي والرأي الآخر، ولا بأس بفتح قنوات للكلام. ومن يحب يناقش يناقش، على المرأة، على مرأى ومسمع من الناس، فتفتح القنوات لأمثال هؤلاء الزنادقة، فيهرف، وأصبح الكل يهرف بما يعرف، وبما لا يعرف. وانظر يا عبد الله إلى القنوات التي ينبلي لها الصعاليك، من لا علم له ولا دين، ذاك الذي يشكك بوجود الله، وآخر يشكك في بعثة نبينا، وآخر لربما يلمز بعلم الملائكة، وآخر يصرح بإلغاء عالم الجن. وتفتح القنوات لأمثال هؤلاء، من باب الاستماع للرأي والرأي الآخر، لا، ما عندنا رأي، هذا التشكيك، ما له إلا عراجين النخل، الضرب، إسكات هذه الأفواه، ما ينبغي لأحد أن يتلاعب بعقيدة المسلمين. فهذه خطوط حمراء، ما يتعداها أحد. وهذا الذي فعله عمر. ولهذا سكت صبيغ، قال: «يا عمر حسبك، فالله قد أذهب الله ما أجد في رأسي». زالت الشبه بهذا الفعل. ومع هذا، هل اكتفى عمر بهذا؟ لا، نفاه إلى البصرة، ارحل، لا تبقى عندنا. ومع هذا، ما الذي فعل؟ كتب إلى أبي موسى الأشعري: «أن لا يجالس أحد من المسلمين»، يا الله، «لا يجالس أحد حتى يضمن أن ما في رأسه ذهب تماما». أمر بهجره، ما يجالس أحد. حتى قال أهل العلم: «حتى صلح حاله، صلح حاله». فهذه مرحلة، إخواني في الله، في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه، كانت خالية من البدع، ما رفعت رأسها، ومشرأة البتة. ثم ظهر زمن عثمان رضي الله تعالى عنه، والذي كانت في هذه الفترة انشغال الثوار بتأجيج الناس على عثمان رضي الله تعالى عنه، كما فعل عبد الله بن سبأ. حتى استطاع أن يجمع من يجمع من هنا ومن هنا، من الأمصار والقرى، ما يكون به محاصرة عثمان رضي الله تعالى عنه، حتى قتل رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وفي هذه الفترة لم تظهر بدع، جماعة. ثم جاءت خلافة علي رضي الله تعالى عنه، وذلك من سنة الثالثة والعشرين إلى السنة الخامسة والثلاثين. فخلافة علي رضي الله تعالى عنه، من سنة ثلاث وعشرين إلى الأربعين، خمس سنوات. إلى خلافة علي رضي الله تعالى في منتصفها، وفي سنة السابعة والثلاثين، هنا ظهرت أول فرقة من الفرق التي خرجت عن جادة السنة، في العام السابع والثلاثين، في منتصف خلافة علي رضي الله تعالى عنه. وهذا الشاهد، وهذا الشاهد الذي به قررنا أن هذه الفترة تمتد من بعثته إلى سنة سبع وثلاثين، أي في منتصف خلافة علي. في هذه الفترة ظهرت، وظهرت المبتدعة، وظهرت جماعة لها أتباع، ولها أعيان، ولها كبراء يديرونها. وهذا، إخواني في الله، سيجعلنا ننتقل إلى المرحلة الثانية. فخلاصة المرحلة الأولى، في زمنه عليه الصلاة والسلام، وفي خلافة الصديق، وفي خلافة عمر، وفي خلافة عثمان، إلى منتصف خلافة علي، لم تكن هناك بدعة ظاهرة، بحيث تقسم إنها سببها، وأصبحت لها أتباع، ما كان ذلك إلا في منتصف خلافة علي رضي الله تعالى عنه. وهذا مما يرجى الحديث عنه إن شاء الله في درس غد. إلى هنا، والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. تنبيه، إخواني في الله، كذلك، ونبه عليه، وممن يشار إليه في هذا المقام، وهي من التنبيهات المتعلقة بالدورة، مسألة، إخواني في الله، الاستغلال للأوقات. وقد نبهنا على هذا، ولازم ننبه، إذ نجد أنه الآن من الظواهر، ظهرت كثرة النوم الذي لا داعية له، كثرة النوم الذي لا داعية له. فتجد نعم، من بعض إخواننا من الطلاب، ربما يحضر الدرس الأول، افتتاحية، وبعد ذلك يمسك زاوية، أو يمسك جدارا من الجدران، ثم يستلقي إلى الظهر. فأصبحت الدورة عبارة عن نوم. فإن سئل: ما شاء الله، إيش من درس معك؟ ربما أشار بالإصبع الواحد والثاني، ما أدري، يتردد: هل حضر الثاني أم لا حضر؟ فما ينبغي يا عبد الله أن يكون هذا حالك، أن يستهويك الكسل إلى هذا الحد. جئت يا عبد الله من مكان بعيد، وتركت أهلك، وتركت أحبابك، وبلادك، وبيتك، وفارقت الدعة والسكون، إلى أن ترمى هكذا، ترمي نفسك مرة في هذا الباب، ومرة عند ذاك الباب، فتضيع عليك الأوقات. فما ينبغي، اعصي يا عبد الله، أن يكون عندك ما يقل عن درسين، عن ثلاث، أربع. وخاصة بعد الفطور، والله الحمد، قد فتح المجال للنوم، مثلا بعد حلقات القرآن، هناك راحة. أو أنك تجعل ما قبل الظهر قيلولة لك، ذلك. أما أنك تجعل النهار كله قيلولة، إذا ما ستطبع العلم، ذهب عليك الأوقات. وإن شاء الله نتواصل مع الأخوة القائمين على الدورة، وعلى هذا المسجد، مع الشيخ يوسف، إذا أمكن، يجعل كذلك، أو يرتب الأمر بوضع أخوة، يعني يكون أمر عملهم في هذا المقام، هو الاهتمام بالطلاب. لأن بعض الطلاب، إخواني في اللقاء، ما يكون عنده حسن التدبير، ما عنده حسن التدبير. فيقول: أنا ما أفعل، أشغله. قد نبهنا على هذا الذي يرى أنه ما هناك دروس تنفعه، يطلب درسا ينفعه، يطلب. ونبهنا على هذا، ولا هذا زنة، وهذا مقرر. فتجد مثلا: عشر، أو خمسة عشر، هنا وهنا. طيب، لماذا هؤلاء؟ يأتي بالجواب معروف: ما عندي حلقة. طيب، تكلم، ما الذي تريدون؟ ما الذي تريدون؟ أما تذهب عليك الأوقات؟ ولهذا، إن شاء الله، نطلب من الأخوة القائمين على المسجد، كالشيخ يوسف، ومن إخوانه، نجعل هناك من يتفرغ في الدلالة للطلاب، إلى من ينفعهم. فإذا وجد جماعة مثلا يحتاج إلى درس، فقه، أما يبقى الطالب يتذبذب عليه الساعات في نومه؟ فأخوانه من الغبن، من الغبن، تمر عليك الأوقات وأنت لم تستفد منها. كما قال: قد مضى اليوم الأول، واليوم الثاني، ما بقي، لأنك أيام قلائل، وستنقضي، ستذهب إلى بيتك، وستشبع من النوم، والدعة، والسكون. فاجعل راحتك هناك، الآن جد واجتهاد، تحصيل، حفظ، قراءة. وإلا تنشغل بما ينفعك. وهذه وصية عليه صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك». وأما النوم فلا ينفع. فإلى هنا، والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. اشتركوا في القناة.