الدرس في الخط التاريخي لظهور البدع 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل تاريخ ظهور الفرق الإسلامية مثل الخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة، ويشرح أصول معتقداتهم. يبين أهمية معرفة كيفية تعامل السلف مع هذه الفرق.
يشرح هذا الفصل معتقدات القدرية والمرجئة ويبين موقف أهل السنة والجماعة منهم. القدرية يعتقدون باستقلال العباد في أفعالهم، بينما المرجئة يخرجون العمل من الإيمان.
يتضمن هذا الفصل دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويشير إلى الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، لازلنا في المرحلة الثانية، والتي حُدِّدت بين عامي السابع والثلاثين إلى المئة من الهجرة، بجعلها مرحلة تميزت بظهور أربعة فرق. مر الحديث بالأمس عن الكلام عن الخوارج وعن المرجئة وما يتعلق بالحركة التاريخية لنشوئها، وهذا الذي كان يهمنا مع ذكر شيء من عقائدهم، والحديث في ذلك يطول. ننتقل الآن إلى الفرقة الثالثة، ألا وهي القدرية. فكرة القدرية والدخول في مسائل القدر هي فكرة قديمة، كان الكفار يدندنون عليها من أهل الكفر والشرك. فكان من أهل الكفر والشرك من لربما يعتذر بوقوعه بالشرك والاستمرار فيه، أن هذا مما شاءه الله أن نقع فيه، كما قال سبحانه: ﴿وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء﴾. لكن تركنا ما الذي تركنا نعبد الأصنام؟ هو الله الذي جعلنا نستمر على هذا الحال. هذا الدخول في القدر هذه كانت فكرة من الأفكار التي كانت عشعشت في أذهان أهل الجاهلية، وجاء الإسلام، لكن بقيت بعض أفكار مسائل القدر لأنها مسائل عويصة جدا. ولربما الإنسان يبحث حول حقيقة باب القدر وكيف تجري الأمور. ومر معنا كيف أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في بعض مجالسهم لربما تنازعوا في القدر، حين خرج عليهم نبينا وغضب عليه الصلاة والسلام من هذا التنازع فيما بينهم «أبهذا أمرتم أن تضربوا كتاب الله بعضهم ببعض؟» فأمرهم وألزمهم بعدم الخوض في هذا الباب. فالقدر هو سر الله سبحانه وتعالى. يهمنا الآن الكلام على فكرة القدر الذي تبلورت إلى أن تكون فرقة ظهرت في الأمة الإسلامية. يشير المؤرخون إلى أن فكرة القدرية خرجت على يد رجل اسمه معبد الجهني. معبد الجهني روى مسلم في صحيحه من حديث يحيى بن يعمر قال: «أول من قال بالقدر معبد الجهني». ومعبد الجهني بصري من أهل البصرة، هو أول من أظهر القدر في البصرة. ما اكتفى بذلك، بل نزل إلى المدينة فأفسد فيها أناسا، وقتل هذا الرجل كما سيأتي في كلام عليه. ومعبد الجهني من أين أتى بهذه الفكرة؟ قال العلماء: إنه أخذها من رجل نصراني، رجل نصراني أسلم ثم تنصر. قال إمام الأوزاعي رحمه الله تعالى: «أول من نطق بالقدر رجل من أهل العراق يقال له سوسا». ومن باب الفائدة يقال عنه سوسا، ويقال كذلك سنسويه. قال الأوزاعي: «رجل من أهل العراق، وكان نصرانيا فأسلم ثم تنصر، ارتد والعياذ بالله». قال: «فأخذ عنه معبد الجهني». فمعبد هذا الرجل البصري الضال هو الذي أتى بمسألة القدر، تلقفها من هذا الرجل النصراني. قال: «وأخذ غيلان عن معبد». غيلان هو غيلان الدمشقي، وهو ثاني رجل دعا إلى مذهب القدرية. فالرأس معبد الجهني، ثم جاء بعده غيلان وأخذ مذهب القدرية ونشره. وأصل فكرة القدر، إخواني في الله، قامت أول ما قامت على إنكارهم لعلم الله السابق. ينكرون علم الله السابق بالحوادث. وكان من عباراتهم بأن الأمر أنف. ما معنى الأمر أنف؟ قال الأزهري رحمه الله تعالى: «استأنفت الشيء إذا ابتدأته». فقولهم بأن الأمر أنف، أي ما يقع من أعمالنا وأفعالنا إنما بدأ الآن، ليس له علاقة بشيء مما سبق. فكان من عبارات القدرية بأن الأمر أنف، بمعنى ليس له علاقة بقدر سابق أو بعلم سابق. فربنا ليس له علم بالحوادث. العلم السابق ليس عند الله، وإنما الله جل وعلا يعلم بالأمور إذا وقعت الآن. يعلم بها الرب سبحانه وتعالى. فكانت فكرة القدرية تقوم على هذا، على إنكار علم الله السابق، وأن الأمر أنف بمعنى لا تعلق لها بقدر ولا بعلم سابق. والقائلون بهذا القول، كما قال الحفاظ، انقرضوا. نبأ على ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى والقرطبي. ولهذا القدرية اليوم مطبقون على اعترافهم بعلم الله السابق. ما أحد يتجاسر على أن يأتي بالعبارة القديمة ويصرح بأن علم الله السابق لا يوجد. لعل العوامل في ذلك ما كان من شدة النكير من أهل السنة والجماعة على هذه العقيدة الضالة، حتى رموها بالكفر من أنكر علم الله السابق. فلعل ما كان من شدة أهل السنة على هذه الفرية كان ذلك سببا في قمعها واضمحلالها وذهاب بها وبأهلها. ولهذا القدرية في هذه الأزمة ما أحد يستطيع أن يأتي بالعقيدة الأولى، أن يقول بأن الأمور تجري من غير علم الله. لكن ماذا يقولون الآن؟ القدرية يقولون بأن أفعال العباد مقدورة لهم واقعة منهم على جهة الاستقلال. جاءت أحاديث يصحح جماع من أهل العلم فيها أن نبينا صلى الله عليه وسلم أوضح فيها بنشوء هذه الفرقة، وأن هناك فرقة تسمى بالقدرية. ومن ذلك ما جاء عند أبي داود والحاكم والطبراني من حديث ابن عمر رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: «القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم». أمر بهجرهم تماما، لا يعادون عند مرضهم، ولا تشهد جنائزهم عند موتهم. الشاهد قوله عليه الصلاة والسلام: «القدرية مجوس هذه الأمة». ووجه تشبيه نبينا أو تسمية القدرية بأنهم مجوس الأمة من أي باب؟ قال الشراح كالخطابي وجماعة من أهل العلم في شرحهم: إن وجه العلاقة بين المجوس وبين القدرية أن المجوس يعتقدون بأصلين في دينهم وعقيدتهم، يؤمنون بأصلين ويعتقدون بأصلين، وهو أصل النور وأصل الظلمة. فأثبتوا أن الله جل وعلا هو الإله الحق الذي يصدر منه الخير، وأثبتوا إن صح التعبير إلها آخر هو الذي يصدر منه الشر، وهو الإنسان. فيقولون: الإنسان إن فعل خيرا فهذا من عند الله، وإن فعل شرا فهذا من عندك أنت، أنت الذي خلقت أفعالك بنفسك. فأثبت خالقين في الكون، الله خالق الخير والإنسان خالق الشر. وهذا الذي ربط به العلماء في تشبيه رسول الله بقوله: «القدرية مجوس هذه الأمة». هذه إخواني في الله خلاصة الكلام عن القدرية. وسنرجع معهم في مسألة أخرى. والفرقة الرابعة التي ظهرت في هذه المرحلة، والتي جعلناها بالفترة الثانية، هم جماعة المرجئة. ومر معنا كذلك أن جماعة أو مذهب المرجئة خرج في أواخر عصر الصحابة، كما صرح بذلك المؤرخون كشيخ الإسلام رحمه الله وغيره. وما معنى المرجئة؟ يقول علماء: إن المرجئة مأخوذ من أرجأ الأمر، بمعنى أخره. أرجه وأخاه أي أخره، من الإرجاء أي التأخير. قال البغدادي: «وإنما سموا مرجئة لأنهم أخروا العمل عن الإيمان». طبعا نحن كأهل السنة والجماعة في باب الإيمان، نؤمن بأن الإيمان لا يكون إيمانا إلا بأركانه الثلاث: قول وعمل واعتقاد. فالمرجئ ماذا فعلوا؟ قالوا: لا، العمل لأن العمل أخره. أخرجوه من الإيمان. فلما رأينا هؤلاء الجماعة أرجأوا العمل عن الإيمان، بمعنى أخروه، سميناها مرجئة. ومما ينبغي أن نشير إليه إشارة، ونحن نتكلم عن الإرجاء، إلى نوع آخر من أنواع الإرجاء، وهو الذي صدر من بعض السلف، أنهم أطلق عليهم يقولون بالإرجاء. وهؤلاء الذين أطلق عليهم لفظ الإرجاء لا يدورون حول قضية الفرق الضالة المرجئة. لا، إرجاءهم شيء آخر. وهذا ينبغي أن ننبه عليه، لأن بعض الإخوة ربما إذا مر في التراجم يرون عبارة مثلا في ترجمة الحسن بن محمد بن الحنفية: «قال عنه ابن سعد: وهو أول من تكلم في الإرجاء». ما المقصود بالإرجاء هنا؟ لا تخلط بين البابين. محمد بن حسن رحمه الله تعالى وقع في الإرجاء، وهو نعم في مسألة التأخير. ما التأخير الذي وقع فيه؟ هذه قضية ثانية جدا. وهذه القضية كأن تتعلق بما وقع من الفتن بين الصحابة، مرة معنا ما وقع في معركة صفين بين جند الشام وبين جند العراق. لأمور حصلت، محمد بن حسن رحمه الله تعالى لما وقع القضية التي صارت بين الصحابة، قال: «حكم هؤلاء نكلوه إلى الله، نرجي أمرهم إلى الله». كيف يعني؟ ما نصوب أحدا ولا نخطئ أحدا. أمرهم إلى الله. أمرهم إلى الله. فهذا الذي قاله الحسن بن حسن، أمرهم إلى الله، هو تأخير للحكم. هذا التأخير منه سمي إرجاء. فإرجاء محمد بن حسن بعيد جدا عن قضية الإيمان. هذا ينبغي أن نفهمه. يقول حافظ بن حجر رحمه الله تعالى مدافعا عن محمد بن حسن: «وأما الإرجاء الذي يتعلق بالإيمان فلم يعرج عليه، ولا يلحقه بذلك عيب ولا شيء». لأنه ما يتكلم في الإرجاء الذي هو من شأن المبتدع الضال، وإنما إرجاءه في مسألة أخرى. فهذا قال ننبه عليه، ونحن لأن لك تمر في القضايا التاريخية، فت، تقع بين ناظريك من أول من تكلم بالإرجاء؟ محمد بن حسن. فيشكل هذا عليك. لا، لا يتكلم بالإرجاء الذي وقع فيه المبتدع. أما المرجئة الفرقة الضالة فقد كانت معروفة في أواخر القرن الأول. فهذه التي نتباحث نحن وإياكم حولها، عن هذه الفرقة الضالة، أنها ظهرت في أواخر القرن الأول، في أواخر عصر الصحابة. ففي البخاري في صحيح البخاري: «أن زبيد بن الحارث اليامي قال: سألت أبا وائل عن المرجئة». وفي لفظ خارج الصحيح قال: «لما ظهرت المرجئة أتيت أبا وائل». ما الذي نريد نحن من هذه الروايات المختصرة؟ نريد تلمس التاريخ فقط. فهذه روايات فيها أن زبيدا رحمه الله سأل أبا وائل عن المرجئة، عندما ظهرت أول ما ظهرت. ذهب زبيد وسأل أبا وائل عنها. هذا نسأل: أبو وائل متى توفي؟ كتب التاريخ قرروا أنه مات في عام تسعة وتسعين من الهجرة، وقيل: إنه توفي في عام اثنين وثمانين من الهجرة. لو قلنا: فرضاً على أبعد التاريخ، أن أبا وائل توفي في عام تسعة وتسعين من الهجرة، ولو قلنا: إن الفرقة المرجئة ظهرت في هذا الوقت، إذن علمنا صح من حصر هذه الفترة الثانية بين سبعة وثلاثين إلى المئة. أي قبل أن تأتي المئة ظهرت فرقة المرجئة. من هنا حسن أن نؤرخ لهذه الفترة بين عامي سبعة وثلاثين، منتصف خلافة علي، ظهرت فرقة الخوارج، بعدها ظهرت أوائل الشيعة، بعدها ظهرت القدرية، وفي قبل المئة ظهرت فرقة المرجئة. ويقول هذا إخواني في الله: نحن نؤرخ للفترة الثانية هذه بهذا التاريخ، وبهذا إخواني في الله نكون قد انتهينا. جاءت الآن مسألة، وقد لا نقف فيها الآن. إذا علمنا أن هذه المرحلة الثانية ظهرت فيها هذه الفرق الأربع، قبل أن ننتقل إلى الفترة الثالثة، هناك مبحث نقف عنده، وهو: كيف تعامل السلف؟ كيف تعامل أهل السنة مع هذه البدع والفرق الأربعة؟ وسيكون هذا مبحث معنا في كل فترة. الفترة الأولى هي خالية من الفتن، ومع البدع والفرق ما حولنا منها شيء. الكلام على الفترة الثانية: بها نشأت. ستأتي الفترة الثالثة: فيها نشأت بدع أخرى. ستأتي الفترة الرابعة: ظهور كذلك فرق أخرى. ستأتي معنا في كل فترة من هذه الفترات: جماعات وفرق ورغوث تظهر. سنختم كل مبحث بإذن الله: كيف تعامل السلف وأهل السنة مع هذه الفرق التي دبت في عصرهم؟ وهذا المبحث إخواني في الله يفيدنا، وأعظم ما يفيدنا: أولا أن تعلم يا عبد الله كيف كان طريقة سلفك؟ كيف كان طريقة السلف رحمه الله تعالى في قمع البدع؟ وفيها الرد كذلك على من زعم، ومن لا يزال يزعم أنه لا زال على منهجنا، ولا زال على مذهبنا. كم نرى في هذه الأزمان رايات ترفرف: أهل سنة، أهل سنة. إصدارات باسم أهل السنة والجماعة، كتب تصدر باسم أهل السنة والجماعة، وأصحابها في بعد، في بعد. وكيف نعرف أنهم في بعد؟ بهذه المواقف. إخواني في الله: صريقة السلف عبارة عن منهج متكامل، منهج متكامل. فمن زعم أنه على المنهج السلفي، نقول: سر على ما سار عليه سلفك في كل باب من أبواب الدين: اعتقاد، أخلاق، سلوك، منهج. أما أنك يا عبد الله تأخذ مثلا من أهل السنة باب التوحيد، أسماء وصفات، ألوهية، ربوبية، معنا. ثم في باب المنهج أنت تخالف. لا يا عبد الله ما أنت بسلفي. ما أنت بسلفي. السلفية منهج. ومن خلال التعرف إخواني في الله على سبيل وطريقة السلف في تعاملهم مع أهل البدع، نعرف من هو الصادق في ادعائه، ونعرف ما هي الطرق التي تتخذ. وانظر لحكمة الله، أن الله عز وجل أوقع مثل هذه الأمور في عهد سلفنا الصالح. لماذا؟ لكي نرى كيف تعامل السلف معهم في هذه الأزمان. ابتلين بالفرق، الملل، النحل، الجماعات. كيف التعامل معهم؟ على رويدك يا عبد الله. نرجع إلى حال السلف. ابتلاهم الله بما أبتلين به، وظهرت فرق عندهم، ظهرت الخوارج، المعتزلة. كيف تعاملوا معهم؟ ابتلين في هذه الأزمان بأئمة جور وظلمة، أخذوا الأموال والأراضي والعقار، وسلطوا على عباد الله الأخيار. كيف السبيل معهم؟ على مهلك عبد الله. ارضوا للخادم. ابتلاهم الله ابتلاهم الله بما ابتلين به، فننظر كيف صنعوا. أبتلين بالفتن والمحن في أزماننا من الشقاق والنزاع والخلاف. كيف التعامل؟ ننظر إلى حال السلف. ابتلوا بشيء من هذه الأنواع، فكيف كانت طريقتهم؟ نعمل بطريقتهم. وهذه حكمة من الله، أن الله عز وجل أوقع في أزمانهم من هذه الأمور ما يكون لنا ولبعدنا براسا في ماذا؟ في اتخاذ الطريقة الصحيحة في التعامل معهم. وإن شاء الله نبدأ من درس غد بإذن الله، إذا أطلت في الأعمار، في معرفة كيف تعامل السلف مع هذه الفرق الأربع: مع الخوارج، مع الشيعة، مع القدرية، مع المرجئة. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.