الدرس في التعليق على رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المحور أن هداية الإنسان تتوقف على نصح أهله ومن ولاهم الله أمرهم، وأن التقصير في ذلك يفوت خيراً عظيماً مع التأكيد أن الهداية بيد الله وحده. الواجب على العبد يقتصر على النصح والتربية الشرعية دون ضمان النتائج.
يؤكد المحور وجوب سد أبواب الشر عن الأهل وتربيتهم تربية صحيحة، محذراً من أن الزوجة والأولاد قد يصرفون عن ذكر الله. كما يبين أن كتمان العلم عند السؤال عنه من أعظم البخل مستدلاً بحديث النبي ﷺ.
يوضح المحور أن تعليم العلم للآخرين من أفضل القربات، وأن بخل العالم بعلمه يضره في دينه ودنياه. بينما تعليمه يثبت علمه ويزيده هدىً وثباتاً مستدلاً بآيات وأحاديث في طلب الإمامة في الهداية.
يتناول المحور فضل كون الإنسان قدوة للمتقين لتمام إيمانه، مستعرضاً تعريف ابن القيم للصديق وقول مجاهد في تفسير ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. يشير إلى اختلاف هذا التفسير عن تفسير ابن عباس مع الوعد بتوجيه ذلك لاحقاً.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فذكر الإمام ابن القيم رحمه الله حال الناس في الهداية، ثم قال: وأمور قد فعلها على وجه الهداية، وهو محتاج إلى أن يهدي غيره إليها ويرشده وينصحه، فإهماله ذلك يفوت عليه من الهداية بحسبه، كما أن هدايته للغير وتعليمه ونصحه يفتح له باب الهداية، فإن الجزاء من جنس العمل. أن أحيانًا إنسان يهديه الله عز وجل، لكن يحتاج إلى أن يهدي غيره كأولاده، كزوجته، وأيضًا إخوانه، وكذا طلبته، هؤلاء يحتاج إلى أن يعظهم، ويحتاج إلى أن يرشدهم وينصحهم، فلا تتم هدايته إلا بذلك، وإلا كان مقصرًا في الهداية. ولهذا الذي لا ينصح أولاده ولا يبالي بهم فإنه آثم، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته». وفي حديث، وفي حديث الذي أخرجه البخاري ومسلم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من راعٍ استرعاه الله رعية ثم لم يحطهم بنصحه إلا أدخله الله النار»، وفي رواية: «إلا لم يرح رائحة الجنة». ما نصح أولاده، ولا أرشدهم، ولا أمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر، أهمل أولاده وتركهم، فهذا يفوت عليه من الهداية بحسبه. وأيضًا كذلك كل ذلك أيضًا بحسبه، بحسب نصحه وإرشاده، فإن كان أخلص النصح والإرشاد فهذا قد تم ما عليه وحقق ما عليه، والهداية من الله. إلا ليس معنى ذلك أن مثلًا من لم يهتدي ولده، أو ولده صار مشاكسًا أو أيضًا مع أهل الفجور وكذا، ليس معنى ذلك أنه مقصر، فالهداية من الله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، لكن الواجب الذي عليك أنك ترشده وتنصحه، وأيضًا تؤدبه بآداب الشرع، فإن هداه الله فهي نعمة، وإن بقي على الضلالة فلا يلام أباه. فكم من إنسان على الهداية وأقرب الناس إليه على الضلالة، بل أنبياء من أنبياء الله عز وجل، وقد ذكر ذلك ربنا جل وعلا لأجل أن تتضح هذه المسألة: فنبي الله إبراهيم كان أبوه مشركًا، نوح كانت زوجته وابنه، لوط كانت زوجته، وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام، عمه الذي رباه والذي حاطه والذي حماه لم يسلم ومات على الشرك، كذلك أباه وأمه، فالهداية بيد الله جل وعلا، وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. لكن ليس معنى ذلك أن الإنسان يهمل تربية أولاده ويهمل نصحهم، بل الذي عليه أنه إن رأى أي باب يفتح لهم ما يكون فيه شر عليهم فالواجب عليه أن يغلق هذا الباب، وهذا كما قلنا من هدايته، وإلا أصابه الشر، وقد يكون أيضًا انتكاسته بسبب هذا، بسبب إهماله لزوجته، إهماله لأولاده، عدم تربيتهم على الطريقة الصحيحة، لأن هؤلاء الأولاد وهذه الزوجة أحيانًا هم سبب انتكاسة العبد. الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾، عدو لكم ليس أعداء معنا يحاربون لا، وإنما يصرفونك عن الطاعة بسبب تربيتهم أو رعايتهم، يجعلونك تغفل عن ما هو أعظم. لهذا قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، فلهذا فقد يلهي العبد زوجته، تلهيه عن الخير من شدة محبته لها فينفذ كل ما تريد حتى يغفل عن الطاعة، وكذلك الأولاد. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «الولد مجبنة مبخلة»، أن يجعلك تجبن في المواقف التي يحتاج إلى شجاعة، يحتاج إلى إقدام بسبب التفكير في هذا الولد، وأيضًا مبخلة أن يجعل الإنسان بخيلًا يفكر في أولاده فلا يخرج ماله في سبيل الله عز وجل، أو حتى قد يكون يبخل بالواجب عليه من الزكاة، وكذلك الواجب عليه من النفقة لوالديه، فكم من الإنسان يبخل عن والديه بسبب أولاده، عنده الفضل عنده ما يكفي أولاده لكنه يبخل بسبب أنه يقول: كيف أترك أولادي كذا، فيبخل على والديه وغير ذلك من هذا الباب، فهو مجبنة مبخلة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا يذكر الإمام ابن القيم أن الإنسان أحيانًا يهتدي بوجه من الهداية وهو محتاج لأن يهدي غيره إليها، والمراد يهدي غيره أي يرشده وينصحه كما فسره، وليس المراد أنه يجعله هاديًا لأن هذا من الله، وأيضًا كل بحسبه، فتفريطه في هذا الباب بحسبه. أحيانًا أيضًا الإنسان توجب عليه الدعوة إلى الله، عنده علم وعنده خير كثير، فتجده يبخل بهذا العلم، وأعظم البخل كما قال الإمام ابن القيم هو البخل بالعلم، لأن العلم أشرف من المال ومن غيره، فالبخل به يعتبر أعظم من البخل بالمال. وصدق ذلك بعض العلم، ما جاء في الترمذي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار». من سئل عن علم فكتمه، فطلب منه العلم فلم يعلم الناس وبخل بذلك، هذا خطأ. وهذا يدلك أيضًا على أن طالب العلم ينبغي عليه أن يحرص على أن يعلم غيره مما يعلمه، أن يعلمه ما يعلمه، ويعلم ما لم يتعلمه، ويعلمه ما تعلم، فهذا من الإنفاق بالعلم، فلهذا يحتاج إلى مثل هذا الأمر. أيضًا العلم والدعوة إلى الله والنصح، فالعالم إذا لم يفعل ذلك، وطالب العلم إذا لم يفعل ذلك يضره هذا، يضره في حياته وفي هدايته، ولهذا أكثر من يفعل ذلك أن يبخل بعلمه ولا يعلم الناس ولا كذا، غالبًا يذهب وراء الدنيا ويغفل عن العلم وينسى العلم، فلهذا يحرص المسلم خاصة من كان عنده علم أن يدعو الناس إلى الخير، يعلمهم الخير، فهذا بقاء لعلمه، وقد يكون أيضًا بقاء لهدايته. طالب: إن الجزاء من جنس العمل، يعني كل ما أنفق وكل ما علم علمه الله، ولهذا أكثر ما يستفيد الإنسان يستفيد إذا علمه، تجد طالب العلم يطلب العلم سنوات لكن أكثر ما يستفيد إذا علم هذا العلم، يرسخ في ذهنه ويبحث ويطلع على أشياء لم يكن يعرفها، فلهذا يعطيه الله عز وجل من الخير أكثر مما ينفق ومما يخرج. قال: فكلما هدى غيره وعلمه هداه الله وعلمه، فيصير هاديًا مهديًا، كما في دعاء النبي عليه الصلاة والسلام الذي رواه الترمذي وغيره: «اللهم زيننا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، سلمًا لأوليائك، حربًا لأعدائك، نحب بحبك من أحببت، ونعادي بعداوتك من خالفك». طيب، هذا الحديث فيه ضعف، لكن قد جاء بلفظ آخر خاصة قوله: «واجعلنا هداة مهتدين»، وهو وجه الشاهد، ففيه بعض الشواهد، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاوية: «اللهم اجعله هاديًا مهديًا، هاديًا مهديًا». وقال: وقد آتانا الله سبحانه على عباده المؤمنين الذين يسألون ويجعلهم أئمة يُهتدى بهم، وقال تعالى في صفات عباده: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، قال ابن عباس: يُهتدى بنا في الخير، يعني أئمة أي يُهتدى بنا في الخير. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾، أن الله عز وجل ثبتهم على الخير، وهذا بسبب أنه قدوة للناس، فإذا كان داعية قدوة للناس ثبته الله عز وجل على الخير وعلى الهداية وزاده هدى، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾، فيزيد الله عز وجل في ثباته وفي هدايته. فقال: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، قال ابن عباس: يُهتدى بنا في الخير، فقال أبو صالح: يُهتدى بهدانا، وقال مقاتل: إمامًا في التقوى يُهتدى بنا المتقون. هذا نعم عظيم أن يكون الإنسان قدوة للمتقين، وهذا بسبب أنه على إيمان وعلى هداية تامة، ولهذا صار الأنبياء هدايتهم هداية تامة، إنا هداية كاملة. ولهذا أيضًا الصديق، قال الإمام ابن القيم في تعريف الصديق: قال: هو من كمل الإخلاص والمتابعة، قال: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، قال مجاهد: اجعلنا مؤتمين بالمتقين مقتدين بهم، فعن مجاهد يقول: اجعلنا مؤتمين بالمتقين مقتدين بهم، وهذا على خلاف ما ذكره ابن عباس وغيره، لكن سيأتي كلام المؤلف رحمه الله في توجيه كلام مجاهد، ولعلنا نكتفي بهذا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر