الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 29، ألقاها
يتناول المقطع آراء العلماء في الطلاق المكرر، حيث أفتى عبد الله بن مسعود بأن من يخالف شرع الله عليه تحمل نتيجة فعله. كما يبرز علم وفقه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.
يُظهر المقطع ورع القاسم بن محمد وتواضعه في الفتيا، حيث كان يقول "الله أعلم" عند عدم العلم. يُبين أن قول "لا أدري" عند الجهل بالشيء يعتبر من العلم.
يُحذر المقطع من الفتوى بغير علم ورواية الحديث عن غير ثقة، ويُبين أن العيب هو الفتوى دون علم وليس الجهل المعترف به.
يُوضح أن قلة الفتيا والرواية تزيد الإمام رفعة، ويُشيد بمنزلة من يُقتدى بهم، ويُصلي على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، في باب القول عن الجواب فيما ليس فيه كتاب ولا سنة: «أخبرنا سعيد بن عامر عن ابن عون عن محمد بن سيرين أن علقمة قال: جاء رجل إلى عبد الله -يعني مسعود- قال: إنه طلق امرأته البارحة ثمانيا -يعني ثمان طلقات- قال: بكلام واحد؟ قال: بكلام واحد، يعني: أنت طالق الثمان، أو طلقتك ثمان طلقات. قال: فيريدون أن يبينوا منك امرأتك. قال: نعم. قال: وجاء رجل فقال: إنه طلق امرأته مئة طلقة. قال: أنت طالق مئة طلقة. قال: بكلام واحد. قال: بكلام واحد. قال: فيريدون أن يبينوا منك امرأتك -يعني أن يجعلوها طلاقا بائنا فتحرم عليك- قال: نعم. قال عبد الله: من طلق كما أمره الله فقد بين الله الطلاق -يعني أن الله عز وجل بين الطلاق أنه مرتان- أي الطلاق الرجعي، تطلق امرأتك، ثم إذا أردت أن تراجعها راجعتها، راجعتها، ثم إذا طلقتها المرة الثانية لك أن تراجعها، وإذا طلقتها الثالثة بانت منك وحرمت عليك. قاله: من لبس على نفسه وكان به لبسه -يعني الذي يخالف ما جاء في الشرع وبما أمر الله سبحانه وتعالى به- فليكل نفسه إلى ما لبس به نفسه. قال: والله، لا تلبسون على أنفسكم ونحمله نحن، هو كما تقولون -يعني أنها قد بانت منه- أنت قلت ذلك ولبست على نفسك، فأنت تتحمل ماذا نتيجة ما خالفت به شرع الله وما أمر الله سبحانه وتعالى به». والأثر صحيح. قال: «أخبرنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد -هو الأنصاري- عن القاسم -وهو ابن محمد بن أبي بكر الصديق- والقاسم روى عن عائشة رضي الله عنها. وهكذا يروى عن العباد للأربعة وجمع من الصحابة، وهو يعد من سادات التابعين، بل كان من فقهاء أهل المدينة، هو أحد الفقهاء السبعة الذين اشتهروا بالفقه من أهل المدينة. قال فيه الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله: كان ثقة، رفيعا، عالما، فقيها، إماما، ورعا، كثير الحديث. وقال فيه غيره -كالإمام ابن حبان في الثقات التابعين-: كان من سادات التابعين، من أفضل أهل زمانه علما وأدبا وفقه، وكان صموتا -يعني كثير الصمت قليل الكلام-. قال: فلما ولي الإمارة عمر بن عبد العزيز على أهل المدينة، قال الناس: الآن تنطق العذراء -يعني القاسم- لكثرة صمته وسكوته. قال به الحافظ رحمه الله: بترجمة أنه أن أمه أم ولد -يعني كانت أمه مملوكة فولدت له بالقاسم لأبيه محمد- كان يقال لها سودة. وقتل أبوه وهو يتيم، بقي يتيم في حجر عائشة رضي الله تعالى عنها عمته، فتربى عندها، وصار من علماء وفقهاء أهل المدينة. قال فيه أبو الزناد رحمه الله: كان ما أعلم أحدا أعلم بالسنة منه، وكان من أعلم الناس بحديث عائشة، وهو أحد ثلاثة أعلم الناس بحديث عائشة رضي الله عنها، هو -أي القاسم- وعروة بن الزبير، وعمرة. كما قال خالد بن نزار: أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة: القاسم، وعروة، وعمرة. هؤلاء الثلاثة أعلم الناس بحديث عائشة. والقاسم وعروة وعمرة -عمرة ليس عمار- القاسم وعروة وعمرة. وقال فيه الإمام مالك رحمه الله: كان القاسم من فقهاء هذه الأمة. وكان ابن سيرين رحمه الله يأمر من ذهب إلى الحج أن ينظر في هدي القاسم ويقتدي به، يأمر من ذهب إلى الحج أن ينظر في هدي القاسم ويهتدي به؛ لأنه كان إماما يقتدى به. فكان يحث من ذهب إلى الحج أن يأتي إلى القاسم وينظر كيف يفعل، كيف يصنع في الحج فيقتدي به. ومع ذلك كان قليل الحديث والفتيا، كان قليل الحديث -يعني الرواية- وقليل الفتيا؛ لأنه سيأتي معنا في هذه الآثار أنه كان يتورع عن كثير من الفتيا. قال عن القاسم: «لأن يعيش الرجل جاهلا بعد أن يعلم حق الله عليه خير له من أن يقول ما لا يعلم». والأثر صحيح. لأن يعيش الرجل جاهلا بعد أن يعلم حق الله عليه -يعني الذي أوجبه الله عليه من الواجبات والفرائض التوحيد والصلاة والصيام والزكاة إلى آخر ذلك من الواجبات- يقول: أن يعيش جاهلا بعد أن يعلم هذه الحقوق التي أوجبها الله سبحانه وتعالى عليه خير له من أن يقول ما لا يعلم -يعني يتكلم بلا علم ويقول ما لا يعلمه- وهذا من ورعه وفقه رحمه الله؛ لأن القول على الله بلا علم يعتبر من الجهل، ليس من العلم أنك تتكلم أو تجيب بكل شيء. لا من العلم أن تتكلم بعلم وأن تسكت بحلم، عند عدم العلم تسكت هذا من العلم، سكوتك وعدم جوابك عن شيء لا تعلمه هذا من العلم. أما إذا أجبت وتكلمت بما لا تعلم هذا من الجهل. قال: «وذلك أن القول على الله بلا علم من الأمور العظيمة من كبائر الذنوب، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون. قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون». قال: «أخبرنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب قال: سمعت القاسم يسأل قال: إنا والله ما نعلم كل ما تسألون عنه، ولو علمنا ما كتمناكم، ولا حل لنا أن نكتمكم». وهذا الأثر أيضا صحيح. سليمان بن حرب أبو خيثمة، حماد بن زيد أبو غسامة أبو إسماعيل، وأيوب أبو بكر، والقاسم بن محمد يقول: «إنا والله ما نعلم كل ما تسألون عنه، ولو علمنا ما كتمناكم» -يعني إذا كان عندنا علم بما تسألون أجبناكم- لكن إذا سألتمونا عن شيء لا نعلمه فإننا لا نجيب ونقول الله أعلم. وسيأتي في هذا الكتاب وهذه المقدمة باب يتعلق بذلك، وهو أن قول العالم «لا أدري» أو «الله أعلم» إذا سئل عن شيء لا يعلمه. قال: «ولا حل لنا أن نكتمكم» -يعني إذا كنا نعلم شيئا وسألتمونا عنه ما حل لنا أن نكتم ذلك- لكن إذا سئلنا عن شيء لا نعلمه فإننا نقول الله أعلم ولا ندري ولا نجيب بشيء لا نعلمه. وهذا لا ينقص من قدر العالم أبدا، بل هذا كما قلنا من العلم، أن تقول لما لا تعلم الله أعلم، ولا ينقص من قدر قائله شيئا. قال: «وأخبرنا سعيد بن عامر قال: عن ابن عون قال: سئل القاسم عن شيء قد سماه، فقال: ما أضطر إلى مشورة، وما أنا من ذا في شيء» -يعني كان يقول لماذا أكلف نفسي شيء ما أعلمه الله أعلم- ما أحتاج ما أحتاج أن يعني أكلف نفسي شيء لم أكلف به. أو قد يسأل عن شيء لم يقع فلا يحتاج إلى مثل هذا إلى جواب، كما سيأتي معنا في بعض الآثار. وإنما يسأل الإنسان عن الشيء الذي يحتاج له والشيء الذي قد وقع فيريد أن يعرف حكمه ويعرف جوابه. أما شيء لم يقع بعد فلا حاجة إلى السؤال عنه. وإذا سأل فإنه لا يجاب. فإن العالم لا يجيبه لأنه لا حاجة حينئذ إلى الجواب. وربما كان فتن لهذا السائل إذا علم الجواب فيذهب فيفعله هو لم يفعله من قبل. فلهذا لا يجاب عن شيء لم يقع بعده. قال: «أخبرنا محمد بن كثير عن سفيان بن عيينة عن يحيى -يعني ابن سعيد الأنصاري- قال: قلت للقاسم: ما أشد علي أن تسأل عن الشيء لا يكون عندك. وقد كان أبوك إماما -يعني محمد من أبي بكر من الصديق كان إماما- فقال: إن أشد من ذلك عند الله وعند من عقل عن الله أن أفتي بغير علم، أو أروي عن غير ثقة». يقول يحيى بن سعيد تلميذ القاسم: يقول له: ما أشد علي أن تسأل عن الشيء لا يكون عندك -يعني تسأل عن شيء فتقول الله أعلم- يقول: هذا أرى شديد -يعني كأنه يقول أرى أن هذا نقص في قدرك وفي حقك- وأنت إمام وعالم تسأل عن الشيء فلا تجيب، هذا أرى شديد علي وعظيم. فقال له القاسم مربيا له ولغيره ممن قد يقع في نفسه مثل ذلك: قال له: إن أشد من ذلك عند الله وعند من عقل عن الله -يعني عرف حقيقة العلم وخشي الله جل وعلا- أن أفتي بغير علم، هذا أعظم وأشد -يعني كوني أنا أقول الله وأعلم عند الناس هذا أمر هي سهل أن يقول الناس عن ما عرف أو لم يعلم هذه المسألة أو يعني فاته شيء من العلم هذا أمر سهل- لكن إذا قلت على الله ما لا أعلم هذا أشد عند الله، هذا أشد وأعظم عند الله. هذه تربية من هذا الإمام العالم لهذا تلميذ ولغيره من الناس أن يعلم عظم القول على الله بلا علم، وأن يسهل على العالم أن يقول الله أعلم في الشيء الذي لا يعلمه. فهذا أهون عليه وأخف من أن يقول في الشيء الذي لا يعلمه ما لا يعلم، فيكون ذلك شديد عليه عند الله سبحانه وتعالى. وهذا من فقه ورجاحة عقله وسعة علمه رحمه الله. قال: «أو أروي عن غير ثقة». هذا أيضا شديد أن يروي عن غير الثقة فيظن أنه ثقة أو يصح الحديث بسبب ذلك، فينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقل. وربما في هذا الحديث يعني حكما من الأحكام، فيؤخذ هذا الحكم بهذا الحديث الضعيف بسبب الرواية عن غير الثقة. هذا أيضا شديد وأمر عظيم. فبين رحمه الله أن هذا أشد وأعظم من كونه أن يسأل فيقول لا أدري أو يقول الله أعلم. ومع ذلك مع قلة فتياه وقلة روايته كان إماما، ما أثر ذلك بمنزلته، ما أثر ذلك في منزلته رحمه الله. بل هذا زاده، زاده رفعة وإمامة، حتى صار يقتدى به رحمه الله. صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.