الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 46، ألقاها
يشرح المقطع كراهية أخذ الرأي المخالف للنصوص الشرعية، بينما يقبل الرأي المبني على اجتهاد ودراسة للأدلة. يُشدّد على أهمية قبول العلم القادم عن الله ورسوله وأصحابه.
يُناقش أهمية اتباع الصراط المستقيم كما جاء في القرآن والسنة، ويحذر من اتباع السبل الأخرى التي قد تؤدي إلى الضلال. يُشدد على رفض آراء الأشخاص غير المؤهلين علميًا.
يشرح أن الطرق على جانبي الصراط المستقيم هي طرق ضالة، ويحذر من الدعاة إليها. يُفسر أسباب انحراف الإنسان عن الصراط المستقيم، ويشير إلى دور الشبهات والشهوات في ذلك.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله في كتابه «مقدمة السنن»: وكتابه «السنن»، وهذه المقدمة التي نقرأ فيها، قال: «باب في كراهية أخذ الرأي». قال: أخبرنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا مالك، هو ابن مغول، قال: قال لي الشعبي، هو عامر بن شرحبيل، قال: ما حدثوك هؤلاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذ به، وما قالوه برأيهم فألقه في الحش. وهذا الأثر صحيح. هذا الباب ترجمه الإمام الدارمي رحمه الله بقوله: «باب في كراهية أخذ الرأي». المراد بالرأي هنا الرأي المصادم للنصوص، أو المخالف لنصوص الكتاب والسنة؛ أن يقول الإنسان برأيه وبعقله قولًا، أو يرى رأيًا، ويكون هذا الرأي مخالفًا لنصوص الكتاب والسنة، أو معارضًا لها، أو مناقضًا لها؛ فهذا الرأي يرد ولا يقبل. فهذا هو الرأي المذموم. أو كذلك أيضًا الرأي الذي يكون عبارة عن مجرد رأي من غير نظر في أدلة الكتاب والسنة، وفي دلالات ألفاظها؛ هذا أيضًا مذموم. فهذا الذي كرهه السلف من الأخذ بالرأي. وقد عُرِف قوم في زمن السلف بتقديم الرأي، أو تغليب جانب الرأي، ومن عُرِف بأهل الرأي، سواء كان من الحنفية أو غيرهم ممن غلبوا جانب الرأي. وهكذا أيضًا يوجد أقوام أمثال هؤلاء في هذه الأزمنة ممن يسمون بأصحاب المدرسة العقلانية، الذين يغلبون جانب العقل، وهم من أهل هذه المدرسة، «مدرسة الرأي»، الذين يقدمون آراءهم وعقولهم على نصوص الكتاب والسنة، ممن أنشأ هذه المدرسة أمثال محمد عبده المصري، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد الغزالي. وهكذا أيضًا من سار على طريقتهم، على دربهم من دعاة الإخوان، أمثال الترابي، وعمر خالد، وغيرهم من هذه الشلة، ومن كان على هذه الطريقة من أصحاب العقل؛ فتجدهم يردون النصوص الصحيحة الثابتة، سواء كانت في كتاب الله جل وعلا، أو كانت ثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بعقولهم وآراءهم. هذا يقول: العقل لا يقبل ذلك، وذاك يقول: العقل يرد ذلك؛ فيقعون في أمثال هذا النوع من الضلال بسبب عقولهم وآراءهم. فالسلف رحمهم الله كرهوا الأخذ بالرأي الذي يكون على هذا المنوال، مما يعارض به النصوص، وترد به النصوص، أو كذلك يكون رأيًا مجردًا عن الأدلة، والنظر في نصوص الكتاب والسنة. أما الرأي الذي هو صادر عن اجتهاد، بعد النظر في أدلة الكتاب والسنة، فلا يجد دليلًا على هذه المسألة، ولا هناك إجماع يدل عليها؛ فيجتهد المجتهد الذي عنده أهلية الاجتهاد، فيقول في هذه المسألة برأيه، لكن ليس رأيًا مجردًا عن الأدلة، وليس رأيًا يعني يتبع هوى النفس وشهواتها؛ إنما هو يعني رأيًا لما يظهر له من أدلة الكتاب والسنة، ويغلب على ظنه أن الصواب في هذه المسألة كذا وكذا؛ هذا لا بأس به، قد عمل به السلف، وهذا في حق من كان مجتهدًا، وعنده أهلية الاجتهاد. ذكر رحمه الله في هذا الباب بعض الآثار الدالة على ذم الرأي والأخذ به، فذكر في أولها هذا الأثر عن إمام الشعبي، عامر بن شرحبيل رحمه الله، أنه قال: ما حدثوك هؤلاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذ به -يعني فاقبله- ما جاءك من هؤلاء -يعني المحدثون أو المتكلمون- إذا حدثوك بشيء عن رسول الله، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، وهو صحيح ثابت عنه؛ فخذ به، فاقبله، واعمل به. وما قالوه برأيهم فألقه في الحش -في الحش يعني في موضع الخلاء وقضاء الحاجة- وهذا لا شك أنه يعني في غاية من الذم لرد هذا الرأي. وهذا كما سمعنا يحمل على هذا المعنى المذموم من القول بالرأي، أو العمل بالآراء المجردة عن الأدلة من الكتاب والسنة، أو المصادمة لها؛ فهذا الرأي بلا شك يرمى به في عرض الحائط. وقصه عنه رحمه الله أنه قال -كما ذكر البغوي رحمه الله في «شرح السنة»- أنه قال: ما جاءك عن الله ورسوله وأصحابه فضعه على رأسك وعينيك، وما جاءك عن هؤلاء الصعافقة فاضرب به أقفيتهم. ما جاءك عن الله ورسوله وأصحابه فضعه على رأسك وعينيك -يعني اقبله واحترمه- فما جاءك عن الله ورسوله من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام الصحيحة الثابتة، أو جاءك عن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام مما ثبت عنهم من أقوالهم؛ فهذا يقبل ولا يرد، بل ويرفع فوق الرؤوس، ويكون له اعتبار. وما جاءك عن هؤلاء الصعافقة فاضرب به أقفيتهم. الصعافقة هم الذين يدخلون السوق وليس لهم مال؛ يدخلون السوق وليس لهم مال، فإذا وجدوا أحدًا من التجار دخلوا معه. ويريد بهذا ذم من يتكلم في مسائل العلم، في أحكام الشريعة، وهو ليس من أهلها؛ ما عنده علم، ولا عنده يعني فقه في كتاب الله، وفي سنة رسوله؛ ثم يأتي يتكلم في أمور الدين. فيقول: ما جاءك عن أمثال هؤلاء؛ فهذا لا تقبله، ورده ماذا؟ على أقفيتهم. وهذا من هؤلاء من أمثالهم هؤلاء الذين يتكلمون بآرائهم وعقولهم ممن يتشبهون بالعلماء، وينزلون أنفسهم في منازلهم، وليسوا منهم؛ حالهم كحال هؤلاء الصعافقة الذين يدخلون السوق وليس عندهم مال، ويريدون أن يتاجروا؛ فإذا وجدوا من يتاجر دخلوا معه، وجعلوا أنفسهم من التجار. قال رحمه الله: وأخبرني العباس بن سفيان عن زيد بن حباب، قال: أخبرني رجاء بن أبي سلمة، قال: سمعت عبدة بن أبي لبابة يقول: قد رضيت من أهل زماني هؤلاء ألا يسألوني ولا أسألهم؛ إنما يقول أحدهم: أرأيت؟ أرأيت؟ وهذا الأثر صحيح. يقول رحمه الله: قد رضيت من أهل زماني هؤلاء ألا يسألوني ولا أسألهم؛ لماذا؟ قال: لأنهم يغلبون جانب الرأي، يقولون: أرأيت؟ ما يقولون: ما هو حكم الشرع؟ ما حكم هذه المسألة من كتاب الله، ومن سنة رسوله؟ فكأنه يقول: قولهم هذا إعراض عن الكتاب والسنة، وإقبال على الآراء؛ ما هو رأيك الذي تراه أنت؟ طيب، الواجب أن يقول: ما هو حكم الشريعة؟ ما هو الدليل الشرعي في هذه المسألة من كتاب الله، ومن سنة رسوله؟ فكره رحمه الله سؤال الناس بهذا السؤال عن الرأي؛ فلهذا قال: رضيت من أهل زماني ألا يسألوني ولا أسألهم؛ بسبب ماذا؟ بسبب سؤالهم عن الرأي، وتغليبهم جانب الرأي. قال رحمه الله: وأخبرنا عفان، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا خطًا، ثم قال: «هذا سبيل الله»، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: «هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه»، ثم تلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. وهذا الحديث صحيح أو حسن؛ لأن عاصم بن بهدلة حسن الحديث. فهذا الحديث كما سمعنا يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: خط النبي صلى الله عليه وسلم خطًا -أي طويلًا- وخط بجانب هذا الخط خطوطًا عن يمينه، وخطوطًا عن شماله، ثم قال: «هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه». وفي بعض الروايات قال: «هذا -أي الخط الطويل- صراط الله مستقيما»، وهذه الخطوط التي عن يمينه وشماله السبل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه. ثم تلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. فأمر النبي عليه الصلاة والسلام باتباع هذا الصراط المستقيم الذي رسمه عليه الصلاة والسلام بيده وخطه، وهو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه أصحابه رضوان الله تعالى عليهم؛ فهذا هو صراط الله المستقيم الذي أمرنا عليه الصلاة والسلام بسلوكه والسير عليه، وهو الذي ندعو الله عز وجل في كل صلاة أن يهدينا إليه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. ما الذي أنعم الله عليهم؟ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؛ هذا الصراط الذي كما قلنا ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام باتباعه فيما قال، وفيما فعل، والسير على ما كان عليه عليه الصلاة والسلام وأصحابه عقيدة وعبادة ومنهجًا وسلوكًا. وكذلك في سائر الأبواب، فمن سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه سار على الصراط المستقيم الذي يوصله إلى مرضاة الله، وإلى عفو الله جل وعلا، ومغفرته، ومحبته، والنجاة من المكاره، والفوز بالمحبوبات، وأعظمها الفوز بالجنة. ثم هذه السبل التي على يمين وشمال هذا الصراط، أو هذا الخط، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هي السبل -يعني التي تبعد الإنسان عن الصراط المستقيم- هي طرق، لكنها غير قصيرة؛ طرق قصيرة لا توصل إلى مرضاة الله جل وعلا. وكل سبيل منها عليه شيطان؛ الشيطان سواء كان من شياطين الجن، أو شياطين الإنس الذين يدعون الناس إلى زيغهم وضلالهم وانحرافهم عن الصراط المستقيم». قال: «وهذه السبل على كل سبيل منها الشيطان يدعو إليه»؛ يدعو إليه إلى فكره، وإلى رأيه، وإلى هواه؛ فيصد الإنسان عن الصراط المستقيم. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث حذيفة -لما كان يسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن الشر، وكان الناس يسألونه عن الخير مخافة أن يقعوا فيه- فقال له النبي عليه الصلاة والسلام -مما قال له-: «دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها». دعاة سماهم النبي عليه الصلاة والسلام دعاة، لكن على أبواب جهنم؛ يعني من أجابهم واتبعهم وقعوا في النار عياذًا بالله. وهم دعاة، لكن للضلال؛ دعاة إلى الضلال، وإلى غضب الله، وسخطه، والانحراف عن الصراط المستقيم. ما أكثر هؤلاء الدعاة في هذه الأزمنة! ما تدري إلا ويظهر بين الحين والآخر داع من الدعاة؛ قالوا: ظهر الداعي الفلاني! إيش عند هذا الداعي الفلاني؟ إباحيات وتمييع وتضييع، وانحراف عن الكتاب والسنة، وعن الصراط المستقيم. وتجده يبيح الغناء، ويبيح الاختلاط، ويبيح الربا، ويبيح كذا وكذا من الأمور المحرمة. وداعية له أتباع، وله يعني صولة وجولة كما يقال؛ لكنها سرعان ما تنتهي وتزول. وهو داعية يدعو إلى ماذا؟ إلى الضلال، إلى الزيغ والانحراف، والبعد عن الكتاب والسنة. وأمثال هؤلاء كثر؛ هؤلاء الذين حذر منهم النبي عليه الصلاة والسلام هم هؤلاء الذين يسلكون هذه السبل، وهم من شياطين الإنس الذين يدعون الناس إلى نبذ الكتاب والسنة، واتباع الشهوات، والوقوع في البدع والمخالفات؛ فيصرفونهم عن هذا الصراط المستقيم. قال: أخبرنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: «ولا تتبعوا السبل»، قال: «البدع والشهوات». مجاهد بن جبر رحمه الله -تلميذ ابن عباس- يقول في قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾، قال: «البدع والشهوات» -أي فسر هذه السبل بأنها البدع والشهوات-. وهذا تفسير ببعض المعنى؛ لأن الذي يبعد الإنسان عن الصراط المستقيم إما يعني شهوة، وإما شبهة؛ إما شهوة وإما شبهة. من الشبهة البدع؛ من الشبه البدع؛ فالبدع تصرف الإنسان عن الصراط المستقيم؛ لأنها هي خلاف الدين الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، وخلاف سنته. وصاحبها يظن أنه على حق، وأنه على يعني هدى، وأنه على عبادة؛ ومع ذلك فهو أخذ ذات اليمين أو الشمال، وزاغ وابتعد عن الصراط المستقيم. أو قد يكون المانع له من سلوك الصراط المستقيم، وإبعاده الشهوات؛ ماذا الشهوات؟ فالشهوة كذلك تبعد الإنسان؛ شهوة يعني حب المال، أو حب الدنيا، أو حب النساء، أو غير ذلك من شهوات النفوس. كم من يعني أناس ربما يتركون الحق والهدى، وهو يعرف أن هذا هو الحق الذي يجب سلوكه، والذي يجب الأخذ به، والسير يعني على ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام؛ لكن يتركه من أجل شهوة في نفسه. فإذا السبل إما أن تكون شهوات، وإما أن تكون شبهات. وهنا فسرها الإمام مجاهد رحمه الله بقوله: «البدع والشهوات». وهذا تفسير ببعض المعنى؛ بجزء من معنى المغريات أو الصارفات للإنسان عن سلوك الصراط المستقيم؛ وهو ما يتعلق بأمر الشبهات. وإلى هناك أيضًا كذلك الشهوات التي لها أيضًا حظ يعني كبير في إبعاد الإنسان عن الصراط المستقيم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.