الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 78، ألقاها
يؤكد على أهمية أخذ الحديث عن الثقات ورد أحاديث الضعفاء والكذابين والمجهولين. يشير إلى أن السؤال عن الإسناد أصبح ضروريًا بعد ظهور البدع والمحدثات.
يؤكد الإمام على أهمية النظر في حال من يأخذ عنه العلم، فينظر إلى استقامته وصلاحه. إذا كان على أحسن الأحوال أخذ عنه العلم، وإلا فينأى عنه ويبتعد.
يتناول أهمية أخذ العلم من الثقات وأهل العلم، ويحذر من أخذ الدين من غير أهله، ويشدد على أهمية التحقق من مصادر العلم الشرعي وتحذيرًا من الدعاة المضلين.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله بمقدمة سننه: باب في الحديث عن الثقات، قال: أخبرنا محمد بن المبارك عن عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن سليمان بن موسى، قال: قلت لطاوس ومن كيسان اليماني: إن قلانا حدثني بكذا وكذا، قال: إن كان صاحبك مليا فخذ عنه. وهذا الأثر حسن، وذكروا الإمام مسلم رحمه الله بمقدمة صحيحة، وقولوا: إن كان صاحبك مليا يعني ثقة، إن كان ثقة فخذ عنه، وإن لم يكن ثقة فلا تأخذ عنه. قال رحمه الله: وأخبرنا محمد بن أحمد، قال: حدثنا سفيان عن مسعر بن كدام، قال: قال سعد بن إبراهيم: لا يحدث عن رسول الله إلا الثقات. هذا الأثر صحيح، وذلك أن أهل العلم أخذوا الاحتياط، وكذلك أيضا أرادوا التثبت في ثبوت الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، وصحة نسبتها إليه، فكانوا لا يرغبون إلا عن من كان ثقة، أو من يقبل حديثه ممن كان دون الثقة، كمن كان صدوقا وحسن الحديث، وردوا أحاديث الضعفاء والكذابين والمجهولين، وأمثال هؤلاء ممن لا تقبل روايتهم، حتى لا ينسب الحديث إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو لم يقله ولم يتكلم به. فلذلك كانوا لا يأخذون إلا عن الثقات، لا يأخذون إلا عن الثقات. وكما قال ابن سيرين رحمه الله: كنا نأخذ عن كل أحد، فلما ركب الناس الصعب والذلول، قلنا: سموا لنا رجالكم، فينظر أهل السنة فيأخذ عنهم، وينظر أهل البدعة فلا يأخذ عنهم. وكذلك قال رحمه الله: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. قال رحمه الله: وأخبرنا محمد بن حميد، وهو الرازي وقد كذب، قال: حدثنا جرير وابن عبد الحميد عن عاصم، وهو ابن بهدلة، عن ابن سيرين، قال: كانوا لا يسألون عن الإسناد، ثم سألوا بعد ليعرفوا من كان صاحب السنة أخذوا عنه، ومن لم يكن صاحب سنة لم يأخذوا عنه. قال أبو محمد: ما أظنه سمعه من عاصم، يعني جرير، ما يظن أنه سمعه من عاصم، الأثر بهذا السند الضعيف، محمد بن حميد كذب، وكذلك أيضا أشار إلى وجود الانقطاع في هذا السند، لكنه صح من طرق أخرى. وقد ذكره الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحة، قال: كانوا لا يسألون عن الإسناد، وذلك لأن الغالب في الناس كان الثقة والاستقامة، فلما اختلطت الأمور وظهرت البدع والمحدثات سألوا عن الرجال وعن استقامتهم، فمن كان صاحب سنة أخذوا عنه، ومن كان صاحب بدعة لم يأخذوا عنه. قال رحمه الله: وأخبرنا محمد بن حميد، وهو الرازي أيضا، قال: حدثنا جرير عن عاصم، قال: قال محمد بن سيرين: ما حدثتني فلا تحدثني عن رجلين، فإنهما لا يباليان عمن أخذ حديثهما. قال أبو محمد: عبد الله لا أظنه سمعه، وهذا أيضا ضعيف. قال: أخبرنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا جرير عن عمارة، من القعقاع، قال: قال إبراهيم: إذا حدثني فحدثني عن أبي زرعة، فإنه حدثني بحديث، ثم سألته بعد ذلك بسنة، فما أخرم منه حرفا. وهذا الأثر أيضا ضعيف، وإن كان معنى صحيح في إثبات حفظ الإمام أبي زرعة، فسأله عن حديث، ثم سأله عنه بعد سنة، فما أنقص منه حرفا، يعني ذكره بكامله كما ذكره قبل سنة، ومعنى هذا أنه كان حافظا ثقة، وهو كذلك رحمه الله. قال: أخبرنا عفان، قال: حدثنا حماد بن زيد أبو إسماعيل عن ابن عون عن محمد بن سيرين، قال: إن هذا العلم دين، فلينظر الرجل عمن يأخذ دينه. وهذا الأثر صحيح، وذكر الإمام مسلم رحمه الله بمقدمة صحيحة: إن هذا العلم دين، فلينظر الرجل عمن يأخذ دينه، يعني من الرجال الذين سيحدث عنهم كيف هم في تمسكهم بالسنة واستقامتهم وصلاحهم وثقتهم في الحديث والرواية، إن كانوا كذلك أخذ عنهم، لأن هذا دين، وإن كانوا على غير ذلك فإنه لا يأخذ عنهم. وهكذا أيضا يقال في أخذ طالب العلم للعلم، ينظر في حال العالم والمدرس، ليس يأخذ عنه العلم كيف هو من حيث الاستقامة والصلاح وتمسك بالسنة والابتعاد عن البدعة، فإن كان كذلك أخذ عنه وتتلمذ على يديه، وإن كان على غير ذلك فإنه ينأى عنه ويبتعد. قال رحمه الله: وأخبرنا إسماعيل من إبراهيم عنه شيء عن مغيرة عن إبراهيم، قال: كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه نظروا إلى صلاته وإلى سمته وإلى هيئته. هذا الأثر ضعيف، هشيم روايته عن مغيرة فيها ضعف، وكذلك أن هشيم مدلس وقد عنعن عنه، وإن كان معنى الأثر صحيح، أنهم كانوا إذا أرادوا أن يأخذوا من الرجل العلم نظروا إلى استقامته وصلاحه، إلى صلاته كيف هو مع الصلاة، وإلى أخلاقه وهديه، وكذلك أيضا معاملته، فإن رأوه على أحسن الأحوال وأكملها أخذوا عنه العلم، وإن رأوه على غير ذلك لم يأخذوا منه العلم. قال: وأخبرنا عمر بن زرارة، قال: أخبرنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة عن إبراهيم، قال: كانوا إذا أتوا الرجل يأخذون عنه العلم نظروا إلى صلاته وإلى سمته وإلى هيئته، ثم يأخذون عنه. وهذا أيضا السند الذي قبله فيه ضعف. قال: أخبرنا أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم عن روح ومن القاسم عن هشام عن الحسن نحو حديث إبراهيم، يعني نفس الأثر، أنهم كانوا إذا أرادوا أن يأخذوا العلم من الرجل نظروا إلى صلاته وإلى سمته وهيئته. وهذا الأثر أثر حسن، البصري ظاهره الصحة. قال: أخبرنا أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد الله من أبي جعفر الرازي، وفيه ضعف، عن أبيه، وهو أبو جعفر الرازي عيسى بن مهان، هو ضعيف، عن الربيع عن أبي العالية، قال: كنا نأتي الرجل لنأخذ عنه فننظر إذا صلى فإن أحسنها جلسنا إليه، وقلنا: هو لغيرها أحسن، وإن أساءها قمنا عنه، وقلنا: هو لغيرها أسوأ. قال أبو معمر: لفظه نحو هذا. وهذا الأثر الضعيف ومعناه صحيح كما مر. قال: أخبرنا أبو عاصم، قال: لا أدري سمعته منه أو لابن عون عن محمد: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. هذا الأثر صحيح كما مر. قال: أخبرنا مروان بن محمد، قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى، قال: قلت لطاوس: إن فلانا حدثني بكذا وكذا، قال: فإن كان صاحبك مليا فخذ عنه. هذا صحيح. قال: أخبرنا محمد بن أحمد، قال: حدثنا سفيان عن هشام بن حجير عن طاوس، قال: جاء بشير بن كعب إلى ابن عباس، فجعل يحدثه، فقال ابن عباس: أعد علي الحديث الأول، قال له بشير: ما أدري عرفت حديثي كله أو أنكرت هذا، عرفت حديثي كله وأنكرت هذا، أو عرفت هذا وأنكرت حديثي كله، فقال ابن عباس: إنا كنا نحدث عن رسول الله ﷺ إذ لم يكن يكذب عليه، يكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه. وأثر ابن عباس صحيح، هو في مقدمة صحيح الإمام مسلم، فأمن عباس رضي الله عنهما قال: كنا نحدث عن رسول الله ﷺ إذ لم يكن يكذب عليه، يعني ما كان هناك الكذب ظاهر على النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يكن أحد يجرى على ذلك، فلما تساهل الناس بذلك وأصبحوا يكذبون، فهنا شددنا في الأمر، ولم نأخذ أو نحدث من كل أحد إلا عن الثقات. قال رحمه الله: أخبرنا إسماعيل من أبان، قال: حدثنا عبد الله من المبارك عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس، قال: كنا نحفظ الحديث، والحديث يحفظ عن رسول الله ﷺ حتى ركبتم الصعب والذلول. هذا الأثر صحيح، وهو معنى الأثر الذي قبله. قال: أخبرنا محمد من يوسف عن سفيان عن ليث عن طاوس عن عبد الله من عمر، قال: يوشك أن يظهر شياطين قد أوثقها سليمان يفقهون الناس في الدين. الأثر بهذا السند فيه ضعف، ليس من أبي سليم مختلط، لكن الأثر قد ذكره الإمام مسلم رحمه الله بمقدمة صحيحة، ويريد بهذا رضي الله عنه ظهور من يتكلم في الدين ممن هو ليس أهلا في ذلك، من ليس هو أهلا في ذلك أن يتكلم في أمر الدين، وفي أحكام الشريعة، وفي ذكر أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، كما حذر النبي ﷺ من أمثال هؤلاء في قوله: «ألا إمام المضلين». «أخف ما أخاف على أمتي الإمامة المضلون». وفي حديث حذيفة، قال عليه الصلاة والسلام: «دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها». قال: أخبرنا أحمد من عبد الله، قال: حدثنا زائدة ومن قدامة عن هشام بن عروة عن محمد بن السيرين، قال: انظروا عمن تأخذون هذا الحديث، فإنه دينكم. وهذا الأثر صحيح. وإلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.