التعليق على مقدمة سنن الدارمي 15

الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 15، ألقاها

نزول الطعام من السماء وإكرام الله لنبيه

تناول المقطع الأول إكرام الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بنزول طعام من السماء، وذكر علامات الساعة. وأورد حديثا عن قصعة ثريد أوتي بها النبي وأطعم منها عددا من الناس.

جمال النبي وكرمه وصفاته الخَلقية

تحدث المقطعان الثاني والثالث عن جمال النبي صلى الله عليه وسلم وكرمه من خلال أحاديث وأقوال الصحابة، حيث وردت أوصاف لصفاته الخَلقية مثل لونه وعرقه ومشيته ونعومة يديه ورائحته الطيبة.

ختام الدرس والصلاة على النبي

تم اختتام الدرس بالاكتفاء بما تم شرحه، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: باب ما أكرم النبي صلى الله عليه وسلم بنزول الطعام من السماء. قال حدثنا محمد بن المبارك، قال حدثنا معاوية بن يحيى، قال حدثنا أرطأة بن المنذر، عن ضمرة بن حبيب، قال: سمعت مسلمة السكوني -وقال غير محمد: سلمة السكوني- قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال قائل: يا رسول الله، هل أوتيت بطعام من السماء؟ يعني هل قد جاءك طعام من السماء وأنزل الله عز وجل عليك طعاما من السماء؟ قال: نعم، أوتيت بطعام. قال: يا نبي الله، هل كان فيه من فضل؟ قال: نعم. قال: فما فعل به؟ قال: رفعه إلى السماء. وقد أوحي إلي أني غير لابث فيكم إلا قليلا، ثم تلبثون حتى تقولوا: متى متى، ثم تأتوني أفواجا، يفني بعضكم بعضا بين يدي الساعة، موتان شديد وبعده سنوات الزلازل. هذا الحديث حسن، وقد ذكره شيخنا الوادعي رحمه الله في دلائل النبوة الصحيحة المسندة من دلائل النبوة، وفيهما بوب عليه المؤلف رحمه الله من إكرام الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام بنزول الطعام من السماء. فقصوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، وأجاب بأنه قد أنزل الله عز وجل عليه طعاما من السماء، وفيه أيضا ذكر شيء من علامات الساعة من كثرة القتل والقتال حتى يفني الناس بعضهم بعضا، وهكذا أيضا وقوع موتان شديد -يعني موتا كثيرا يحصل للناس- وبعد ذلك تكثر الزلازل، وبعده سنوات الزلازل. والزلزلة هو اضطراب الأرض، اضطراب الأرض وعدم ثباتها، فتتحرك وتضطرب على من عليها. قال: وحدثنا عثمان بن محمد، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا سليمان التيمي، عن أبي العلاء، عن سمرة بن جندب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتي بقصعة من ثريد -الثريد: الطعام الذي يصنع من خبز ولحم- قال: فوضعت بين يدي القوم، فتعاقبوها إلى الظهر من غدوة -يعني من الصباح- وهم يتعاقبون على هذه القصعة. القصعة يعني كالوعاء الذي يكفي نفرا من الناس، يعني يكفي القليل من الناس. فجاء في بعض الروايات أنهم عشرة، كما في سنن الترمذي: كان يقعد عشرة ويقوم عشرة. لهذا بعض العلماء يقول: القصعة ما يكفي العشرة من الناس. فتعاقبوها إلى الظهر من غدوة -من الصباح- وهم يأكلون من هذه القصعة، يقعد عشرة ويقوم عشرة، قال: يقوم قوم ويجلس آخرون. فقال رجل لسمرة بن جندب: أما كانت تمد؟ يعني هل كان يأتيها طعام يمد هذه القصعة؟ يعني إذا أكل هؤلاء العشرة يأتي آخر مثلا بطعام ويضعه في هذه القصعة، حيث أنه يبقى الإمداد مستمرا حتى يكفي الجميع. قال: قال سمرة: من أي شيء تعجب؟ ما كانت تمد إلا منها هنا، وأشار بيده إلى السماء، يعني كان يأتيها المدد من السماء. فكان هذا الطعام من السماء. وهذا الأثر أو الحديث صحيح، وقد رواه الإمام الترمذي رحمه الله، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. فدل هذان الحديثان على ما ساقه المؤلف رحمه الله من إكرام الله جل وعلا لنبيه عليه الصلاة والسلام بإنزال الطعام من السماء. قال: باب في حسن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: حدثنا محمد بن سعيد، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، عن أشعث بن سوار -وأشعث بن سوار ضعيف- عن أبي إسحاق، عن جابر بن سمرة -وأبو إسحاق لم يسمع من جابر- قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة إضحيان -ومعنى إضحيان: يعني في ليلة مضيئة مقمرة، وسميت بإضحيان يعني تشبه الضحى ضحى النهار من كثرة ضوء القمر- قال: وعليه حلة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر. قال: فلهو كان أحسن في عيني من القمر، يعني النبي عليه الصلاة والسلام كان أحسن في حسنه وجماله عليه الصلاة والسلام من القمر. لكن هذا الأثر ضعيف؛ فأشعث بن سوار ضعيف، وأبو إسحاق لم يسمع من جابر، فهو منقطع. وصح نحوه من حديث البراء: صح من حديث البراء عند الترمذي في الشمائل وغيره من أهل السنن بلفظ: قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا مربوعا، بعيدا ما بين المنكبين، عظيم الجمة، إلى شحمة أذنيه، عليه حلة حمراء، ما رأيت شيئا قط أحسن منه. وهو معنى هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان هناك شيء أحسن منه، يعني في جماله وحسنه عليه الصلاة والسلام. قال: وحدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي ثابت الزهري -وعبد العزيز بن أبي ثابت الزهري قال فيه الحافظ رحمه الله: متروك احترقت كتبه، فحدث من حفظه، فاشتد غلطه، ومن كان كذلك فضعفه شديد- قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم بن أخي موسى، عن عمه موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلج الثنيتين -أفلج الثنيتين يعني بين ثناياه فرجة- قال: إذا تكلم رؤي النور يخرج من بين ثناياه. وهذا ضعيف، بل ضعيف جدا كما قال الشيخ الألباني رحمه الله، وذلك لضعف عبد العزيز بن أبي ثابت. قال: أخبرنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا مسعر، عن عبد الملك بن عمير، قال: قال ابن عمر: ما رأيت أحدا أنجد ولا أجود ولا أشجع ولا أضوأ ولا أوضأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الأثر: عبد الملك بن عمير ثقة، إلا أنه يعني ربما دلس كما قال الحافظ. وأيضا يحتاج أن ينظر ويتأكد من سماع ابن عمر؛ لأن الحافظ ذكر جملة في التهذيب ممن سمع منهم عبد الملك بن عمير ولم يذكر ابن عمر، فلهذا ينظر في سماع ابن عمر. إن ثبت سماعه من ابن عمر فالأثر صحيح، وإلا فهو منقطع. ومعنى أنجد: يعني أرفع. وأجود: من الجود والكرم. وأشجع: من الشجاعة. وأضوأ: يعني من البهاء والحسن. وأوضأ: نعم، أوضأ وأضوأ بمعنى متقارب، الوضاء أيضا الحسن، الحسن والجمال، يقال لمن كان كذلك وضيئا إذا كان في وجه جمال أوضأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وحدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: حدثنا أسامة بن زيد -وأسامة بن زيد هذا صدوق له أوهام- عن نبيب عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: قلت للربيع بنت معوذ بن عفراء: صفي لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا بني، لو رأيته رأيت الشمس طالعة. وهذا الأثر محتمل للتحسين؛ فأسامة بن زيد كما سمعنا: صدوق له أوهام، إذا لم ينص أن هذا الحديث من أوهامه فهو حديث حسن. وقولها: لو رأيته ورأيت الشمس طالعة، يعني في حسنه وبهائه وجماله عليه الصلاة والسلام. قالوا: أخبرنا حجاج بن منهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا ثابت، عن أنس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهر اللون، كأن عرقه اللؤلؤ، إذا مشى تكفأ، وما مسست حريرة ولا ديباجة ألين من كفه، ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحته مسكة ولا غيرها. هذا الحديث صحيح. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهر اللون، يعني مبيض أبيض تشوبه حمرة، بياض يشوبه حمرة، فيقال له أزهر. كأن عرقه اللؤلؤ، يعني إذا تصبب العرق منه عليه الصلاة والسلام كاللؤلؤ، يعني في بياضه وصفائه. إذا مشى تكفأ -تكفأ بمعنى يمشي كالمنحدر الذي يعني إذا تراءيته تراه يمشي كأنه نازل من مكان مرتفع- ففي مشيه شيء من سرعة الخطى. وما مسست حريرة ولا ديباجة ألين من كفه، ومعنى ذلك أنه كان عليه الصلاة والسلام ناعم اليدين، حتى إنها من لينها وحسنها ألين من الحرير. ومعروف الحرير: الثوب الحرير، أي يكون غاية في الليونة. فالأنس رضي الله عنه يذكر أن يد النبي عليه الصلاة والسلام ألين من الحرير في نعومتها ورطوبتها. قال: ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحته مسكة ولا غيرها، يعني رائحة النبي عليه الصلاة والسلام أطيب من رائحة المسك. والمسك يعد من أفضل الطيب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أطيب الطيب المسك». ومع ذلك فكان رائحة النبي عليه الصلاة والسلام أطيب من رائحة المسك عليه الصلاة والسلام طيب. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على