التعليق على مقدمة سنن الدارمي 62

الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 62، ألقاها

خطورة اتباع الهوى ومخالفة الأهواء

يناقش هذا الفصل خطورة اتباع الأهواء والضلالات وتأثيرها على العمل الصالح، ويستشهد بآثار السلف الصالح حول أهمية مخالفة الهوى. العمل الصالح لا ينفع إذا كان صاحبه يتبع الهوى.

صفات المسلم الحقيقي وخشية الله

يتناول هذا الفصل صفات المسلم الحقيقي، حيث يجب أن يكون باطنه طيباً ونقياً ويحرص على اجتناب الناس في أعماله وقلبه. العلم النافع يورث خشية الله في القلب.

أهمية العلم النافع وآثاره على القلب

يبرز هذا الفصل أهمية العلم النافع الذي يورث خشية الله ويزيل الشهوات والشبهات. العلم الحقيقي يزيد صاحبه خوفا وخشية وتواضعا لله ويوصله إلى رضا الله وثوابه.

الإخلاص في طلب العلم وتحقيق الغاية

يشدد هذا الفصل على أهمية الإخلاص في طلب العلم، حيث يحقق الغاية المرجوة منه. يجب على المرء أن يخلص لله في طلب العلم ويسأله العون على ذلك.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، في بابه في اجتناب الأهواء: أخبرنا موسى بن خالد، وهو الشامي، قال الحافظ بالتقريب: مقبول، قال حدثنا عيسى بن يونس عن الأعمش سليمان المهراني، عن مسلم الأعور -وهو مسلم الأعور متروك- عن حبة بن جوين -وهو ضعيف- قال: سمعت عليًا -أو قال قال علي- لو أن رجلا صام الدهر كله، وقام الدهر كله، ثم قتل بين الركن والمقام، لحشره الله يوم القيامة مع من يرى أنه كان على هدى. وهذا الأثر ضعيف، وإن كان معناه صحيح، أي أنه يؤاخذ بما كان يهواه ويراه، مهما عمل من أعمال ومن طاعات وقربات، فإن ذلك لا يكون نافعا له إذا كان من أهل الأهواء ومن أهل الضلالات. وقال رحمه الله: أخبرنا محمد بن حميد -وهو الرازي، وهو كذاب- عن هارون -هو ابن المغيرة- عن شعيب عن سلمة بن كهيل عن أبي صادق -وأبو صادق الأزدي- قال: قال سلمان: لو وضع رجل رأسه على الحجر الأسود، فصام النهار وقام الليل، بعثه الله يوم القيامة مع هواه. إن صح سماع أبي صادق من سلمان، فالأثر لا يصح، نعم فيه محمد بن حميد، وهو كذاب، فالأثر ضعيف. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن الصلت -هو أبو جعفر الكوفي، ثقة- قال حدثنا منصور -هو ابن أبي الأسود- عن الحارث بن حصيرة -وهو صدوق يخطئ، رمي بالرفض- عن أبي صادق الأزدي -وهو صدوق، وحديثه عن علي مرسل- الربيعة بن ناجد، ووثقه، قال: قال علي: كونوا في الناس كالنحلة في الطير، إنه ليس من الطير شيء إلا وهو يستضعفها، ولو يعلم الطير ما في أجوافها من البركة لم يفعلوا ذلك بها، خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم، وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم، فإن للمرء ما اكتسب، وهو يوم القيامة مع من أحب. وهذا الأثر محتمل للتحسين. كونوا في الناس كالنحلة في الطير، النحلة ضعيفة صغيرة، الطير يستضعفها، ومع ذلك فهي تحمل في باطنها ما هو شفاء للناس، من العسل الذي يعني يؤكل ويستشفى به. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم في الناس، أن يكون باطنه طيب نقي صافي، بعيد من الأهواء والضلالات والشبهات، ويكون حاله في الناس كحال النحلة في الطير، وإن استضعفه الناس فلا يضره ذلك ما دام أن قلبه صافيا وباطنه نقيا. فإذا خالط الناس فإنه يخالطهم بلسانه وجسده، أما بالأعمال وبقلبه فإنه يحرص على اجتناب الناس في ذلك، وأن يسلم له قلبه وتسلم له أعماله، وهو يوم القيامة يحاسب على ما صدر منه وما اكتسبه من أقوال وأعمال، ويحشر كذلك مع من أحب، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «المرء مع من أحب يوم القيامة»، فيحرص أن يكون مع أهل الإيمان وأهل الصلاح واستقامة. فرحمه الله، أخبرنا الوليد بن الشجاع، قال حدثني بقية عن الأوزاعي -وإمام من أئمة أهل الشام- عن الزهري، ومحمد بن مسلم بن عبد الله بن عبيد الله بن شهاب، قال: نعم وزير العلم الرأي الحسن. هذا السند فيه ضعف، فبقية مدلس وقد عنعن، لكنه صرح في التحديث في موضع آخر، كما عنده ابن عبد البر، فالأثر صحيح. نعم وزير العلم الرأي الحسن، الرأي الحسن الذي يوافق الشرع ولا يخالفه، فهذا مما يستعين به العالم في معرفة الصواب. قال رحمه الله: أخبرنا أحمد بن عبد الله، قال حدثنا زائدة من قدامة عن الأعمش عن مسلم عن مسروق -وهو ابن الأجدع، أبو عائشة الوادعي- قيل: سمي بمسروق أنه سرق وهو صغير، ثم وجد فقيل له مسروق، واشتهر بذلك، وهو من كبار التابعين، بل ويعد من المخضرمين الذين أسلموا في حياة النبي عليه الصلاة والسلام ولم يره، قال: كفى بالمرء علما أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بعلمه. وهذا الأثر صحيح. كفى بالمرء علما أن يخشى الله، هذا هو أصل العلم، هو خشية الله سبحانه وتعالى، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، أي أشد الناس خشية لله هم أهل العلم. فالعلم النافع هو الذي يورث في قلبك الخشية، يورث في قلبك خشية الله جل وعلا. وأما إذا أورثك العلم غرورا وتكبرا وترفعا، فاعلم أنك لم تنتفع بهذا العلم، لم يكن هذا العلم نافعا لك. فالعلم النافع يورث خشية الله سبحانه وتعالى. وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بعلمه، يغتر بما عنده من علم، أنه يعرف المسائل الفلانية والفلانية، فيغتر بذلك ويتكبر ويترفع ويصيبه العجب والغرور، هذا ممن تفع بعلمه، وليس العلم في حق الذي معه علم نافع، وإن كان من علوم الشرعية التي أصلها من العلم النافع، إلا أنه لم ينتفع به، لأنه لم يخلص لله سبحانه وتعالى، ولم يورث هذا العلم في قلبه خشية الله سبحانه وتعالى. فلو كان صاحب العلم عنده علم قليل وعنده خشية الله سبحانه وتعالى، فهو خير أفضل ممن عنده علم كثير وهو لا يخش الله، ولم يورث له هذا العلم خوف الله سبحانه وتعالى. قال: وقال مسروق: المرء حقيق أن يكون له مجالس يخلو فيها فيذكر ذنوبه فيستغفر الله تعالى منها. وهذا الأثر صحيح. نعم، حري بمرء وبطالب العلم على جهة الخصوص أن تكون له مجالس يخلو فيها بنفسه مع ربه جل وعلا، يتذكر ذنوبه، يتذكر أخطاءه، يتذكر زلاته، فيستغفر الله عز وجل منها، ويندم على فعلها، ويتضرع بين يدي الله سبحانه وتعالى، ويذل ويخضع بين يدي الله سبحانه وتعالى، فيحاسب نفسه في أقواله وفي أفعاله. وهذا من آثار العلم النافع، من آثار العلم النافع الذي يورث خشية الله جل وعلا، ويورث حسن العمل والتوبة والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى. هو كلما ازداد علما ازداد خوفا وخشية وتواضعا وذلا لله سبحانه وتعالى، وهو يعلم أن هذا العلم حجة عليه لا له، حجة له إن عمل به، وحجة عليه إن خالفه، فلذلك يزداد بهذا العلم خوفا وخشية، هذا الذي ينتفع به، هذا العلم النافع. فلذلك يجعل له مجالس يخلو فيها بنفسه، يتذكر أعماله وذنوبه، ويتوب إلى الله سبحانه وتعالى منها. وهذا مما ينتفع به طالب العلم، ويزيده ذلك خشية وإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، ورجوعا إلى الله سبحانه وتعالى. وهذا العلم النافع هو الذي يزيل عنك الشهوات والشبهات، ويورث بقلبك خشية الله جل وعلا، كما قال الناظم: اعلم هدانا الله أن أفضل المنن، علم يزيل الشك عنك والدرن، ويكشف الحق لذي القلوب، ويوصل العبد إلى المطلوب. هذا العلم النافع الذي يزيل عنك الشك، وهي الشبهات، والدرن، وهي الشهوات، ويوصلك إلى الله، يوصل العبد إلى المطلوب، ما هو المطلوب؟ رضا الله سبحانه وتعالى، وثواب الله عز وجل. وهذا لا يتحصل عليه طالب العلم إلا بالإخلاص والصدق في طلبه للعلم. نسأل الله جل وعلا أن يعين وإياكم على الإخلاص في طلب العلم والصدق في تحصيله. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على