التعليق على مقدمة سنن الدارمي 68

الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 68، ألقاها

فضل العلم وأهله ومكانتهم

يتناول هذا الفصل فضل العلم وأهله، حيث يبين أن الله يرفع درجاتهم يوم القيامة مستندا إلى القرآن الكريم والأحاديث النبوية. يشير إلى مكانة العلم والعلماء وفقا للآثار والأحاديث.

جلوس الناس في بيوت الله لطلب العلم

يتحدث هذا الفصل عن فضيلة الجلوس في بيوت الله لتذاكر العلم وذكر الله، ويبين أن هذا الفعل يلقي السكينة والرحمة على المجتمعين. يذكر أثرا عن ابن عباس يدل على ذلك.

رضا الملائكة بطلب العلم وتواضعهم لطلابه

يفصل هذا الفصل في رضا الملائكة بطلب العلم، حيث تضع أجنحتها لطالب العلم تواضعا وتذللا. يشير إلى حديث نبوي يؤكد رضا الملائكة بطلب العلم والتفقوه في دين الله.

تمييز طلبة العلم عن غيرهم بفضل العلم

يبرز هذا الفصل أن فضيلة طلب العلم مخصصة لطلبة العلم دون غيرهم من أهل الدنيا، بغض النظر عن حالتهم المادية أو الاجتماعية. يشدد على أن هذه الفضيلة لا ينالها إلا مبتغي العلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، في باب فضل العلم والعلماء: أخبرنا عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا حيوة وابن شريح، قال: أخبرني السكن بن أبي كريمة، عن عقبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: في قوله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾، قال: يرفع الله الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا بدرجات. وهذا الأثر صحيح. وهذه الآية فيها دلالة على فضل العلم وأهله، وأن أهل العلم يرفعهم الله جل وعلا درجات، فهم يشتركون مع أهل الإيمان في وجود هذه الدرجة التي يرفعها الله سبحانه وتعالى بها يوم القيامة على سائر الخلق، ثم يزدادون درجة على أهل الإيمان بما عندهم من العلم. يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين آمنوا يدخل فيهم كذلك أهل العلم، لكن أهل العلم لما لهم من فضل العلم كانت درجتهم أرفع من سائر أهل الإيمان. قال: والذين أوتوا العلم درجات، قال ابن عباس: يرفع الله الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا بدرجات، يعني أهل الإيمان لهم درجات، لكن أهل العلم لهم درجات زائدة على أهل الإيمان. قال رحمه الله: أخبرنا بشر بن ثابت البزاز البزار، قال: حدثنا نصر بن القاسم، عن محمد بن إسماعيل، عن عمر بن كثير، عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام، فبينه وبين النبيين درجة واحدة في الجنة». وهذا الحديث ضعيف، وهو من مراسيل الحسن البصري رحمه الله، ومراسيله من أضعف المراسيل. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن حميد، وهو الرازي كذاب، قال: حدثنا مهران، قال: حدثنا أبو سنان، عن أبي إسحاق، عن عمر بن ميمون، قال: ذهب عمر بثلثي العلم. فذكرت لإبراهيم، فقال: ذهب عمر بتسعة أعشار العلم. وهذا الأثر ضعيف. قال رحمه الله: أخبرنا بشر بن ثابت، قال: أخبرنا شعبة، وهو ابن الحجاج، أبو بسطام، أمير المؤمنين بالحديث، وكان رحمه الله إماما ثبتا حجة، وأيضا كان زاهدا رحمه الله، وهو من أول من جرح وعدل وتكلم في الرجال، وأخذ عنه علم الجرح والتعديل. ألا إنه من بعدك الإمام من مهدي ومن القطان، قال فيه الإمام الشافعي رحمه الله: «لولا شعبة لما عرف الحديث في العراق، لولا شعبة لما عرف الحديث في العراق». ومع هذا كان متواضعا حتى قال: «كل من كتبت عنه حديثا فأنا له عبد». وهذا من تواضعه رحمه الله. وذكر عنه في العبادة أنه كان يصوم الدهر، كان يصوم الدهر الدهر، ولعله كان يرى عدم تحريم ذلك، ولهذا فعله إن ثبت هذا عنه. وكان يبغض التدليس ويذمه، حتى قال: «لأن أزني أحب إلي من أن أدلس، لأن أزني أحب إلي من أن أدلس». وهذا على جهة يعني التغليظ في ذم التدليس، وليس المراد به حقيقة ظاهر هذا اللفظ، وإلا فالتدليس لا شك أنه أخف بالنسبة للتحريم من الزنا، لكن أراد بذلك ذم التدليس. قال: عن يزيد أبي خالد، عن هارون، وابن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: «مجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتذاكرون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا أظلتهم الملائكة بأجنحتها حتى يفوضوا في حديث غيره. ومن سلك طريقا يبتغي به العلم، سهل الله طريقه من الجنة. ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه». وهذا الأثر صحيح. والقطعة الأولى منه: «مجتمع قوم في بيت من بيوت الله» قد جاء نحوها في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «مجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتذاكرون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله في من عنده». وهذا فيه فضيلة الجلوس في بيوت الله جل وعلا لتذاكر العلم، تعلم العلم وذكر الله جل وعلا، سواء كان ذلك في تعلم قراءة القرآن أو في تفسير القرآن، أو كذلك أيضا في تعلم العلوم الشرعية من علوم الكتاب والسنة، أو ما كان من آلات هذين العلمين، وكل ذلك يدخل في عموم هذا الحديث. وقوله: «أظلتهم الملائكة بأجنحتها» كما جاء في معناه أو نحوه حيث بالدرداء. وقوله: «حتى يخوضوا في حديث غيره» يعني إذا تكلموا في غير العلم رفع عنهم هذا الأجر وهذا الفضل، فهم لا ينالون هذا الفضل إلا إذا كان مجلسهم مجلس علم يتذاكرون فيه العلم، فإنهم ينالون لهذه الفضيلة، فإذا خاضوا في حديث غيره من أمور الدنيا فإنهم ترفع الملائكة أجنحتها فلا تضلهم. وقوله: «ومن سلك طريقا إلى آخره» هذه القطعة من هذا الأثر في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، من قوله عليه الصلاة والسلام، وقد مر معنا قريبا قبل هذه الآثار. قال رحمه الله: أخبرنا عمر بن عاصم، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، قال: غدوت على صفوان بن عسال المرادي وأنا أريد أن أسأله عن المسح على الخفين، فقال: ما جاء بك؟ قلت: ابتغاء العلم. قال: ألا أبشرك؟ قلت: بلى. قال: فرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب». وهذا الحديث حسن. فزر بن حبيش غدا وذهب إلى صفوان بن عسال يسأله عن الخفين، يعني كم يمسح وما هي المدة التي يمسح بها من لبس الخفين في حال السفر وفي حال الحضر، فأسأله: ما جاء بك؟ قلت: ابتغاء العلم، يعني جئت أتعلم أسأل عن العلم، فبشره صفوان بما قال النبي صلى الله عليه وسلم، ونسبه إلى النبي عليه الصلاة والسلام بأنه قال عليه الصلاة والسلام، وهذه من ألفاظ رفع الحديث أن يقال: يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أي النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب». هذا هو الشاهد من ذكر هذا الحديث، وإلى الحديث طويل لا اقتصر عليه المؤلف لأخذ الشاهد منه، وهو أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب، يعني لطلبه للعلم وتفقوه في دين الله جل وعلا. فإن الملائكة الكرام العظام المخلوقة خلقا عظيما تضع أجنحتها تواضعا وتذللا لطالب العلم، تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب، أي مما يبتغي من طلب العلم والتفقوه في دين الله جل وعلا. وهذه فضيلة عظيمة لا ينالها إلا طلبة العلم، لا ينالها غيرهم من أهل التجارة والرئاسة وغير ذلك من مناصب الدنيا، لا ينالها إلا طالب العلم ومبتغي العلم، ولو كان بخيلا مسكينا وضيعا، فإنه ينال هذه الفضيلة العظيمة. وهذا آخر ما ذكر رحمه الله في هذا الباب إلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على