الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 36، ألقاها
يتناول المقطع آراء السلف في عدم جواز الإجابة عن مسائل لم تقع، ويستدل بآثار عن أبي بن كعب وإبراهيم النخعي. يشير إلى أهمية التورع في الفتوى وتقدير مصلحة السائل.
المقطع يبين تورع بعض العلماء في الفتوى مثل إبراهيم ومحمد بن سيرين، ويشرح جواب الحكيم الذي يزيد في الجواب إذا كان فيه مصلحة للسائل.
يناقش المقطع النهي عن السؤال عن الأمور قبل وقوعها ويؤكد على أهمية طلب العلم والتفقه في الدين استعدادا للوقت الذي يحتاج فيه الناس إلى العلماء.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: حدثنا زهير قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت عامرا، أي ابن شراحيل الشعبي، يقول: استفتى رجل أبي بن كعب. أبي بن كعب صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، أبي بن كعب الأنصاري، أحد القراء ومن حمل القرآن في عهد النبي عليه الصلاة والسلام من الأنصار. قال أنس رضي الله عنه -كما في البخاري-: جمع القرآن على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام أربعة، كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد -أحد عمومتي-، وهو الذي أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله عز وجل أمره أن يقرأ عليه القرآن. قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾". قال أبي: وسماني؟ قال: "نعم". فبكى أبي رضي الله تعالى عنه، والحديث في البخاري. وسأله النبي عليه الصلاة والسلام: "أي آية أعظم في كتاب الله؟" قال: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم"، أي آية الكرسي. فضرب النبي صلى الله عليه وسلم في صدره وقال: "ليهنك العلم أبا المنذر". قال: واستفتى رجل أبي من كعب، فقال: يا أبا المنذر، ما تقول في كذا وكذا؟ قال: يا بني، أكان الذي سألتني عنه -يعني هل وقع؟- قال: لا. قال: "أما لا، فأجلني حتى يكون". فنعالج أنفسنا حتى نخبرك. الأثر إلى الشعبي صحيح، لكن الشعبي لا تعزى إليه رواية عن أبي بن كعب. قال: وأخبرنا يحيى بن حمد قال: أخبرنا أبو عوانة قال: فأخبرنا عن فراس عن عامر عن مسروق. عامر الشعبي ومسروق من الأجدع. قال: كنت أمشي مع أبي بن كعب، فقال: فتني ما تقول يا عم في كذا وكذا؟ قال: يا ابن أخي، أكان هذا؟ قال: لا. قال: فأعفنا حتى يكون -يعني هل وقع؟ قال: لا-. قال: فأعفنا -يعني عن الجواب- حتى يكون، أي حتى يقع. ومعنى هذا الأثر صحيح، وقد مر معنا جملة من الآثار عن السلف في مثل هذا المعنى في عدم إجابتهم عن الشيء الذي لم يقع ولم يكن. وهذا كما ذكرنا من معاب العلماء أن يسأل المرء عن شيء لم يقع، إلا إذا كان على جهة التفقّه في الدين وإرادة معرفة الجواب عن المسألة التي لم تقع؛ لأجل معرفة حكمها، فهذا لا بأس به. أما أن يسأل الإنسان عن شيء لم يقع، فهذا لا ينبغي. ومن سئل عن ذلك، فإنه لا يجيب؛ حتى لا يكون فتنة للمسؤول أو فتنة للسائل. لا يكون الجواب فتنة للسائل؛ ربما إذا سمع الجواب وهو لم يفعل فيفعله. فالأجل ذلك لا يجاب من سأل عن شيء لم يقع، ولا ينبغي أن يسأل السائل عن شيء لم يقع. قال: حدثنا عبد الله بن سعيد قال: حدثنا أبو أسامة عن الأعمش قال: كان إبراهيم إذا سئل عن شيء لم يجب فيه إلا جواب الذي سئل عنه. وهذا الأثر صحيح. كان إبراهيم إذا سئل عن شيء لم يجب فيه إلا جواب الذي سئل عنه -يعني يتصرّ على الجواب على قدر السؤال-. على قدر السؤال، وهذا قد يفعله المجيب تورّعًا؛ تورّعًا عن أن يجيب بشيء زائد فيقع -مثلا- في الخطأ، أو ربما ليس عنده -يعني على حسب علمه- زيادة على هذا الجواب، فيجيب على حسب السؤال. أو يكون هذا من باب التورع، وإن كان يعرف -يعني زيادة على هذا الجواب- فيجيبه على قدر سؤاله. وهل هذا ينافي أن يجيب السائل عن شيء زائد إذا كان في ذلك مصلحة الجواب؟ لا، إذا كان هناك مصلحة أن يجيبه بأكثر من مسألته؛ لعلمه بحاجة هذا السائل إلى مثل هذا الجواب، فإن جوابه بزيادة عما سأل، هذا يعد -كما قال أهل العلم- من جواب الحكيم. من جواب الحكيم أن يسأل، يجيب عن سؤال السائل على قدر سؤاله، ثم يزيده زيادة لم يسأل عنها إذا كان يعلم أنه يحتاج لمعرفة حكمها. ومن ذلك جواب النبي عليه الصلاة والسلام لمن سأله عن ماء البحر، عن طهورية ماء البحر، فقال: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته". النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن طهورية الماء، فأجاب زيادة عن هذا السؤال عن حكم ميتته. هذا -كما قال أهل العلم- جواب الحكيم؛ لأنه علم أنهم يحتاجون إلى معرفة حكم الميتة، ميتة البحر، فأجابهم عنها من غير أن يسألوا. فإذا هذا لا ينافي أنه يزيد عن الجواب عن سؤال السائل إذا كان في ذلك مصلحة، وعلم -هذا السائل أو المسؤول والمفتي- أن السائل يحتاج إلى معرفة جواب هذا الشيء الذي لم يسأل عنه. قال: أخبرنا الحسين بن منصور قال: حدثنا الحسين بن الوليد عن وهيب عن هشام عن محمد بن سيرين: أنه كان لا يفتي في الفرج بشيء فيه اختلاف. وهذا الأثر صحيح. محمد بن سيرين الإمام المعروف من أئمة التابعين كان لا يفتي في الفرج بشيء فيه اختلاف. في الفرج -يعني فيما يتعلق بأمور النكاح، في مسائل النكاح والطلاق- الشيء الذي فيه اختلاف لا يفتي فيه. هذا من باب التورع والهيبة أن يفتي بشيء في مثل هذه المسائل التي فيها اختلاف. ولذا يمنع أن يفتي الإنسان بهذه المسائل. الجواب: لا أفتي. غيره من أهل العلم أفتى. غيره من أهل العلم مع وجود الخلاف في بعض هذه المسائل، لكن هذا من تورعي رحمه الله أنه كان لا يفتي في هذه المسائل، المسائل الفروج التي فيها اختلاف. قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا حماد بن زيد قال: حدثنا الصلت بن راشد قال: سألت طاوسا عن مسألة، فقال لي: "أكان هذا؟" قلت: "نعم". قال: "آه الله". قلت: "آه الله". ثم قال: "إن أصحابنا أخبرونا عن معاذ بن جبل أنه قال: يا أيها الناس، لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله، فيذهب بكم هاهنا وهاهنا. فإنكم إن لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله، لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سدّد، وإذا قال وفّق". هذا الأثر فيه جهالة. "آه أصحاب طاوس". قال: "إن أصحابنا أخبرونا" من هؤلاء؟ مجهولون. لكن الحديث له طرق أخرى أخرجه ابن بطة في الإبانة قال: حدثنا سعيد بن منصور عن حماد بن زيد به، فتوبع الصلت بن راشد. ومعنى الأثر -كما سمعنا- فيما مر معنا من الآثار: أنه ذم للسؤال عن الشيء قبل أن يقع، وأن المسلم يحمد الله عز وجل على العافية. يحمد الله على العافية؛ لأنه لم يبتلى بهذا الشيء، فلا يسأل عنه. لا يسأل عنه. فإذا حصل أن وقع، فهنا يأتي السؤال. إذا قد وقع وحصل، فهنا يسأل ويبحث عن الجواب. أما قبل وقوعه، فلا يبحث ماذا عن البلاء، ويسأل الله جل وعلا العافية. فإذا حصل أوجد الله عز وجل -يعني أناسا من أهل العلم- وفقهم ويسددهم في الجواب وبيان حكم هذا الأمر. قال: حدثنا بشر بن الحكم قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عمر بن ميمون عن أبيه عن ابن عباس قال: سألته عن رجل أدركه رمضانان. قال: "أكان أو لم يكن؟" -يعني هل حصل ووقع؟- قال: "لم يكن بعد". قال: "اترك بليته حتى تنزل" -يعني اترك هذا السؤال حتى يقع-. إذا وقع بعد ذلك تسأل. قال: فدلسنا له رجلا قال: "قد كان" -يعني قد وقع ذلك-. قال: "يطعم عن الأول منهما ثلاثين مسكينا، لكل يوم مسكين". والأثر صحيح. فابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان يذهب إلى أن من تأخر عن قضاء رمضان حتى دخل رمضان الآخر، فإنه يطعم. يطعم عن هذا رمضان الذي فاته ولم يقضه، يطعم عن كل يوم مسكين. يطعم عن كل يوم مسكين. وهذا صحيح ثابت إلى ابن عباس. لكن قول جمهور أهل العلم: أنه لا يلزمه إلا القضاء، وهو ظاهر الآية. قوله جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. وهذا أصح والله أعلم. قال: أخبرنا عبد الله بن عمران الشاهد أنه لما سئل عن هذه المسألة قال: "أقد وقع ذلك؟ أكان ذلك؟" لما قالوا: "لم يكن". قال: "اتركوا البلية حتى تنزل" -يعني تسألوا عن الشيء قبل أن يقع-. وأن وأن يكون. قال: أخبرنا عبد الله بن عمران قال: حدثنا إسحاق بن سليمان قال: حدثنا العمري -والعمري هذا ضعيف- عن عبيد بن جريج قال: كنت أجلس بمكة إلى ابن عمر يوما وإلى ابن عباس يوما، فما يقول ابن عمر فيما يسأل: "لا علم لي أكثر مما يفتي به". والأثر ضعيف. قال: أخبرنا محمد بن يوسف عن سفيان عن الأعمش عن أبي وائل قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: "تعلموا؛ فإن أحدكم لا يدري متى يختلف إليه". وهذا ظاهر السند الصحة. تعلموا؛ فإن أحدكم لا يدري متى يختلف إليه. وقد مر معنا نحو من ذلك، نحو هذا الأثر في الآثار التي مضت في حث عبد الله بن مسعود على تعلم العلم والتفقه في الدين، وتهيئة طالب العلم لنفسه إلى الوقت والزمن الذي يحتاج الناس إليه لسؤاله وأخذ العلم عنه. تعلموا؛ فإن أحدكم لا يدري متى يختلف إليه -يعني الناس-. لا يدري متى يأتي الناس إليه ويسألونه ويستفتونه، فيهيئ نفسه لهذا الأمر العظيم. قد هيئوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمج. فيطالب العلم يهيئ نفسه للمستقبل أن يكون عالما ومفتيا. قد التف الناس حوله ويسألونه، فلا بد أن يتهيئ لذلك بالجد والاجتهاد بطلب العلم وتحصيل العلم. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم للعلم والعمل. إلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.