الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 5، ألقاها
يروي حديثا عن استشهاد شجرة برسالته صلى الله عليه وسلم، ويبين ضعف سنده لكن ثبوت أصل انقياد الشجر والبهائم له في أحاديث أخرى.
يصف هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الابتعاد عند قضاء الحاجة، ويروي حادثة علاجه لصبي ممسوس بقراءة كلمات على الشيطان المتلبس به.
يبين جواز أخذ العطاء مقابل الرقية كما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ويتحدث عن فضل معاملة الحيوانات برفق.
لا يجوز سجود أحد لأحد لعظم حق الزوج على زوجته، ولولا تحريم السجود على غير الله لأمرنا المرأة بالسجود لزوجها.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: باب ما أكرم الله به نبيه صلى الله عليه وسلم من إيمان الشجر به والبهائم والجن. قال أخبرنا محمد بن طريف، قال حدثنا محمد بن فضيل، قال حدثنا أبو حيان، عن عطاء بن عمر رضي الله عنهما، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأقبل أعرابي، فلما دنا منه، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين تريد؟ قال: إلى أهلي. قال: هل لك في خير؟ قال: وما هو؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. قال: ومن يشهد على ما تقول؟ قال: هذه السلمة -يعني الشجرة شجر السلم-، فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بشاطئ الوادي، فأقبلت تخد الأرض خدا حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثا، فشهدت ثلاثا أنه كما قال، ثم رجعت إلى منبتها. ورجع الأعرابي إلى قومه، وقال: إن اتبعوني أتيتك بهم، وإلا رجعت فكنت معك. الحديث بهذا السند، وقد ذكره شيخنا رحمه الله في أول الأمر في كتابه دلائل النبوة. الصيح المسند من دلائل النبوة، ثم فتبينت علته، فقد أعله ابن أبي حاتم في العلل لأنه من طريق أبي حيان عن عطاء، ولم يسمع منه. لكن أصل ذلك -يعني اتباع الشجر له وانقياده له- ثابت في أحاديث أخر. وهذا مما أكرم الله عز وجل به نبيه عليه الصلاة والسلام: انقياد البهائم والحيوانات والجمادات له عليه الصلاة والسلام، ومعرفة فضله، ومعرفة منزلته، بل إقرارها برسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: واخبرنا عبيد الله بن موسى، عن إسماعيل بن عبد الملك، وهو الأسدي -وفيه ضعف- عن أبي الزبير، ومحمد بن تدرس، وهو مدلس، عن جابر، قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، وكان لا يأتي البراز حتى يتغيب فلا يرى -يعني يغيب عن أعين الناس فيبتعد- كان هذا من هديه عليه الصلاة والسلام. قال: فنزلنا بفلاة من الأرض، ليس فيها شجر ولا علم، فقال: يا جابر، اجعل في إداوتك ماء، ثم انطلق بنا، قال: فانطلقنا حتى لا نرى، فإذا هو بشجرتين بينهما أربع أذرع، قال: يا جابر، انطلق إلى هذه الشجرة، فقل: يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحقي بصاحبتك -حتى أجلس خلفكما- يعني اقتربي حتى تنظم إليها فيحصل الستر بهما. قال: فرجعت فرجعت إليها، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفهما، ثم رجعت إلى مكانهما -يعني كل شجرة رجعت إلى محلها-. قال: فركبنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله بيننا، كأنما علينا الطير تظلنا. فعرضت لهم امرأة معها صبي لها، قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرات -يأخذه الشيطان يعني يتلبس به أو يصرعه- قال: فتناول الصبي، فجعله بينه وبين مقدم الرحل، ثم قال: اخسأ عدو الله، أنا رسول الله، اخسأ عدو الله، أنا رسول الله -ثلاثا- ثم دفعه إليها. فلما قضينا سفرنا، مررنا بذلك المكان، فعرضت لنا المرأة معها صبيها، ومعها كبشان تسوقهما، قالت: يا رسول الله، اقبل مني هديتي، فوالذي بعثك بالحق ما عاد إليه بعده -يعني ما عاد إليه هذا الجن- فذهب بقول النبي عليه الصلاة والسلام له: اخسأ عدو الله، أنا رسول الله. قال: فقال: خذوا منها واحدا، وردوا عليها الآخر. وهذا فيه جواز أخذ العطاء الذي يعطاه الإنسان مقابل الرقية إذا رقى مريضا وشفي، فأعطي شيء من العطاء، يجوز له أن يأخذه كما في هذا الحديث، وفي حديث بسعيد الصحيح: لما رقى سيد القوم الذي لدغ، واشترط أن يعطى كذا وكذا من الغنم، فلما عوفي أعطي ما طلب من الغنم، فلما -يعني- أتى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك، أقره عليه الصلاة والسلام فيما أخذ، وقال: «إن حق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله». قال: قال: ثم سرنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا، كأنما علينا الطير تظلنا، فإذا جمل ناد حتى إذا كان بين السماطين خر ساجدا -ناد ناد معنى متوحش وهرب على أهله فصار لا ينقاد ولا يستطع له- قال: حتى إذا كان بين سماطين خر ساجدا -يعني للنبي عليه الصلاة والسلام لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم سجد له- فحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: علي الناس من صاحب الجمل؟ قال: فإذا فتية من الأنصار، قال: هو لنا يا رسول الله. قال: فما شأنه؟ قال: استنينا عليه منذ عشرين سنة -استنينا يعني استعملناه في نقل الماء- قال: وكانت به شحيمة، فأردنا أن ننحره فنقسمه بين غلماننا، فانفلث منا -يعني هرب- قال: بيعونيه؟ قالوا: لا، بل هو لك يا رسول الله. قال: أما لي فأحسنوا إليه حتى يأتيه أجله -يعني مدام أنه لي أعطيتموني إياه فاتركوه وأحسنوا إليه يعني في طعامه وفي معاملته حتى يأتيه الموت- قال: المسلمون عند ذلك: يا رسول الله، نحن أحق بالسجود لك من البهائم. قال: لا ينبغي لشيء أن يسجد لشيء، ولو كان ذلك كان النساء لأزواجهن -يعني لو كان يجوز لأحد أن يسجد لأحد لكان أولى بذلك النساء أن تسجد المرأة لزوجها كما جاء في سنن الترمذي- نعم، لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها. هذا الحديث كما نرى بهذا السند فيه ضعف، لكن لمتنه شواهد كثيرة تدل على صحة ما ذكر فيه. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.