الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 21، ألقاها
يشرح المقطع الأول حديث عائشة عن النبي وأمره بتغسيلها إذا ماتت قبله، ويستدل على جواز تغسيل الزوج لزوجته ويذكر بداية مرض النبي. يظهر ذلك جانباً من العلاقة بين الزوجين في أحكام الشريعة.
يثني النبي على الأنصار ويوصي بإكرامهم، ويشير إلى اختيار الله له عوضا عن الدنيا، مما يجعل أبا بكر يبكي، ويشرح فضل أبي بكر وتوليته الصلاة بالناس عند مرض النبي، مما يدل على أحقيته بالخلافة بعد النبي.
يُبرز المقطعان الثالث والرابع فضل أبي بكر ومنزلته الرفيعة عند الله والمؤمنين، حيث قدم نفسه للنبي طواعية وتولى الصلاة بالناس عند مرض النبي، مما يدل على قبول الله لتقدمه وأحقيته بالخلافة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: أخبرنا الحكم بن المبارك، قال: حدثنا محمد بن سلم، عن ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، قالت: رجع إلي النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم من جنازة من البقيع، فوجدني وأنا أجد صداعا، وأنا أقول: ورأساه، قال: بل أنا يا عائشة ورأساه. قال: ﴿وَمَا ضَرَّكِ لَوْ مُتِّي قَبْلِي فَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ وَصَلَّيْتُ عَلَيْكِ وَدَفَنْتُكِ﴾، فقُلْتُ: كَأَنِّي بِكَ وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَرَجَعْتَ إِلَى بَيْتِي فَعَرَّسْتَ فِيهِ بِبَعْضِ نِسَائِكَ. قالت: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ، ثُمَّ بُدِئَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ. الحديث بهذا السند فيه ضعف؛ لأن ابن إسحاق مدلس وقد عنعن، لكنه صرح في التحديث في مواضع أخرى عند الإمام أحمد وابن ماجة بالحديث، رواه أحمد، وابن ماجة، وقد صرح فيه بالتحديث، فهو حديث حسن. قول النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَمَا ضَرَّكِ لَوْ مُتِّي قَبْلِي فَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ وَصَلَّيْتُ عَلَيْكِ﴾، فيه دليل على جواز تغسيل الرجل لمراته إذا ماتت، فله أن يغسلها، وهكذا المرأة لها أن تغسل زوجها، وهذا هو القول الصحيح في هذه المسألة، كما يدل عليه هذا الحديث. وأن موت الرجل أو موت المرأة لا يقطع العلاقة الزوجية التي بين الزوجين. والشاهد منه قولها، أو قول النبي عليه الصلاة والسلام: «فتبسم رسول الله ثم بدأ في وجعه الذي مات فيه»، يعني بدأ به وجع ومرض الموت حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم. عندما بدأ به هذا المرض، قال: أخبرنا فروة، من أبي المغراء، قال: حدثنا إبراهيم، من مختار، عن محمد، من إسحاق، عن محمد، من كعب، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه: «صب علي سبع قرب من سبع آبار شتى حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم». قالت: فأقعدناه في مخضب لحفصة، فصببنا عليه الماء صبا - أو شننا عليه شنا - الشك من قبل محمد من إسحاق، فوجد راحة، فخرج، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، واستغفر للشهداء من أصحاب أحد، ودعا لهم، ثم قال: «أما بعد، فإن الأنصار عيبتي التي أوتيت إليها، فأكرموا كريمهم وتجاوزوا عن مسيئهم، إلا في حد». ألا إن عبدا من عباد الله قد خير بين الدنيا وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله. فبكى أبو بكر، وظن أنه يعني نفسه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «على رسلك يا أبا بكر، سدوا هذه الأبواب الشوارع إلى المسجد، إلا باب أبي بكر، فإني لا أعلم امرأة أفضل عندي يدا في الصحبة من أبي بكر». هذا الحديث، وإن كان فيه عنعنة بن إسحاق، وهو مدلس، لكنه صحيح من طرق أخرى، وقد صححه شيخ الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة، وذكر له طرقا، قد رواه الطبراني أيضا من حديث معاوية رضي الله تعالى عنه. هذا الحديث، كما سمعنا، فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام لما مرض أمر أن يصب عليه سبع قرب - يعني من الماء - من آبار من سبع آبار شتى - يعني مختلفة - حتى يجد - يعني همة ونشاط - فينزل إلى الناس، فيعهد إليهم - يعني بشيء ينتفعون به - فلما فعل به ذلك خرج عليه الصلاة والسلام، ووجد نشاطا، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، واستغفر للشهداء من أصحاب أحد، ودعا لهم، ثم قال: «أما بعد، فإن الأنصار عيبتي التي أويت إليها». ومعنى عيبتي: أي موضع سري الذي أثق به - موضع سري الذي أثق به - يعني في حفظه وكتمانه، كما يعني أن الإنسان يضع ما يريد حفظه في عيبته - يعني في جيد ثيابه - أو في جيد ثيابه كالكيس الذي يكون في الثوب، فيحفظ فيه ما يريد أن يحفظه فيه. فهكذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار بأنهم عيبته، أي محل سره، ومحل ثقته. وهذا فيه فضيلة للأنصار رضوان الله تعالى عليهم. والأنصار هم أهل المدينة من الأوس والخزرج الذين نصروا النبي عليه الصلاة والسلام، وناصروا أصحابه من المهاجرين الذين هاجروا إليهم. وهذه فضيلة من فضائلهم، وإلى فضائلهم كثيرة. فحث النبي صلى الله عليه وسلم على إكرامهم، «فأكرموا كريمهم وتجاوزوا عن مسيئهم» - يعني من أخطأ منهم وأساء - فلا تؤاخذوا بما حصل منه. قال: «إلا في حد» - يعني إذا ارتكب شيء يوجب الحد - فإنه لا يسكت عن قامة حدود الله، ولا شفاعة في حدود الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. ثم قال: «إن عبدا من عباد الله خير بين الدنيا وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله» - يعني نفسه عليه الصلاة والسلام - أنه خير بين الدنيا وأن يبقى ويعمر، وبين أن يقبض وينتقل إلى ربه وإلى جوار ربه، فاختار ما عند الله. فبكى أبو بكر رضي الله عنه؛ لأنه عرف أن المنصود بذلك هو النبي عليه الصلاة والسلام. وكان أبو بكر رضي الله عنه من ألصق الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأشدهم له صحبة وملازمة، فكان أعرف الصحابة بأحواله عليه الصلاة والسلام، فلذلك بكى رضي الله عنه، وعرف أن المقصود هو النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه من فضائل أبي بكر، تدل على تقدمه على سائر الصحابة بالفضل والخلافة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى أبا بكر يبكي: «على رسلك يا أبا بكر، سدوا هذه الأبواب الشوارع إلى المسجد» - يعني كانت هناك مداخل إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام - فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بسدها إلا باب أبي بكر، أمر أن يبقى. وهذا يدل على فضيلته، وكذلك أيضا فيه إشارة إلى أن الخليفة الذي سيكون بعده هو أبو بكر رضي الله عنه؛ فلهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يأم الناس، كما سيأتي، وأمر بسد الأبواب إلا باب أبي بكر رضي الله تعالى عنه. ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم السبب في ذلك، قال: «فإني لا أعلم امرأة أفضل عندي يدا في الصحبة من أبي بكر»، لا أعلم امرأة - أفضل عندي يدا - يعني فضل وإحسان في صحبته وملازمته - من أبي بكر. جاء في رواية عند الطبراني من حديث ابن عباس أنه قال عليه الصلاة والسلام: «فواساني بنفسه وماله، وأنكحني ابنته». واساني بنفسه وماله: كان أبو بكر رضي الله عنه يعني ينفق أمواله في سبيل الله، فأنفق ما أنفق من أموال في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وصاحبه في هذه الهجرة، وعرض نفسه للخطورة؛ لأن المشركين كما نعلم جعلوا يعني مئتين من الإبل لمن يأتي بالنبي صلى الله عليه وسلم أو يأتي بأبي بكر حيا أو ميتا. ومع ذلك فخاطر بنفسه حبا لرسول الله عليه الصلاة والسلام، ودفاعا عنه، ورغبة في ملازمته وصحبته. وهكذا أيضا واساه بأمواله، فأنفق كثيرا من ماله في حماية النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أيضا في الدفاع عنه. وهكذا زوجه ابنته، فجعله صهرا له مع صغرها وكبر النبي صلى الله عليه وسلم، فكان له فضل عظيم، ويد عظيمة في إحسانه وحسن صحبته لرسول الله عليه الصلاة والسلام. قال: أخبرنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا فليح بن سليمان، عن عبد الرحمن، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: أوذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة في مرضه، فقال: «مر أبا بكر يصلي بالناس». ثم أغمي عليه، فلما سري عنه، قال: «هل أمرتن أبا بكر يصلي بالناس؟» فقالت: إن أبا بكر رجل رقيق، فلو أمرت عمر. قال: «أنتن صواحب يوسف». قال: «أنتن صواحب يوسف، مر أبا بكر يصلي بالناس». فرب قائل متمن، ويأبى الله والمؤمنون. وهذا الحديث في البخاري. أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مرض، وجيء إليه يستأذن في الصلاة أن يصلي، فلم يستطع عليه الصلاة والسلام أن يصلي. في رواية هذا الحديث: أنه كان يغمى عليه كلما أفاق، قال: «أصلى الناس؟» قالوا: لا يا رسول الله، منتظرونك. فيقول: «ضعوا لي ماء في المخضب»، فإذا اغتسل، وهم أن يقوم، أغمي عليه، ثم يفيق، فيقول: «هل صلى الناس؟» فيقول: لا يا رسول الله. فلما رأى أنه لا يستطيع الخروج، قال: «مر أبا بكر فليصل بالناس». وهذا من الدلالات والإشارات إلى أن أولى الصحابة بالخلافة هو أبو بكر رضي الله تعالى عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ولاه الإمارة الصغرى، إشارة إلى توليته الإمارة الكبرى بعده عليه الصلاة والسلام. ثم لما أغمي عليه وآفاق، قال: «هل أمرتن أبا بكر؟» قالت عائشة رضي الله عنها: إن أبا بكر رجل رقيق. وجاء في رواية البخاري: «إذا قرأ لم يسمع الناس من البكاء» - يعني كان كثير البكاء رضي الله عنه - إذا قرأ يكثر بكاؤه. وعائشة رضي الله عنها قالت ذلك تريد أن يعني لا يتقدم أبو بكر، وذلك خشيت أن يكرهه الناس؛ لأن الناس لا يحبون أحدا أن يتقدمهم مع وجود النبي عليه الصلاة والسلام، فخشيت أن إن تقدم أبو بكر أن تقع - تقع يعني في قلوب الناس كراهية له بسبب ذلك - فأرادت أن تبعده، هذا كان قصد عائشة رضي الله عنها. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أنتن صواحب يوسف». وقوله عليه الصلاة والسلام: «أنتن صواحب يوسف»، المراد بهذه العبارة جنس النساء، المراد جنس النساء، يعني فيما حصل من النساء مع يوسف من الفتنة بيوسف عليه السلام. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: يعني أنتن مثل صواحب يوسف فيما فعلنا وما حصل من فتنتهن بيوسف. وكذلك أيضا هذا يعني قاله النبي عليه الصلاة والسلام على جهة الغضب، قاله على جهة الغضب من اعتراض أمره الذي أمر به من تولية أبي بكر، وأمر أبا بكر أن يصلي بالناس، فقال هذه العبارة. وإن كان المخاطب يعني عائشة رضي الله عنها، لكن الكلام عام، المراد به جنس النساء، وعموم النساء. وكذلك أيضا ما يحصل من النساء من كثرة إلحاح، من كثرة الإلحاح للرجال، فشبهه النبي صلى الله عليه وسلم النساء بصواحب يوسف. ثم قال: «رب قائل متمن، ويأبى الله والمؤمنون» - يعني إلا أبا بكر - إلا أن يتقدم أبا بكر رضي الله عنه لفضله وعظيم منزلته. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.