التعليق على مقدمة سنن الدارمي 74

الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 74، ألقاها

أثر العلم على العبد وعلاقته بالتقوى والمحبة

يشرح كيف أن ازدياد العلم يزيد من بعد العبد عن الله إذا كان للدنيا، ويزيد من قربه ومحبته إذا كان لله. العلم النافع يورث الخشية والتواضع.

التواضع وآثاره الإيجابية

التواضع وخفض الجناح يجعلان صاحبه محبوبا عند الله والناس، وهو خلق عظيم يوفق الله له من يشاء. التواضع يزيد من علم صاحبه ويجعله أكثر قربا من الله.

فضل العلم النافع والحكمة

يتناول أهمية العلم النافع وآثاره الإيجابية، حيث يرفع صاحبه ويزيد من شرفه. العلم النافع يربي المرء على طلب العلم لله لا للمدح أو الذم.

الدعاء بإخلاص النية في طلب العلم

يدعو المتحدث الله أن يوفقه لإخلاص النية في طلب العلم ويجعله خالصا لوجهه. يطلب العون من الله لنيل العلم النافع ويختم بالصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على الأشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، في باب التوبيخ لمن يطلب العلم لغير الله: قال أخبرنا بشر، عن الحكم، قال: سمعت سفيان، وهو الثوري، يقول: ما ازداد عبد علما فازداد في الدنيا رغبة إلا ازداد من الله بعدا. وهذا الأثر صحيح إلى الإمام الثوري رحمه الله. قال رحمه الله: ما ازداد عبد علما فازداد في الدنيا رغبة إلا ازداد من الله بعدا. ومعنى كلامي هذا، رحمه الله، أن صاحب العلم إذا طلب العلم لله وأخلص في ذلك، فإن العلم يورث في قلبه خوف الله جل وعلا، والرغبة في الآخرة، والزهد في الدنيا، وعدم التعلق بها. فإذا كان الأمر خلاف ذلك، بأنه ازداد رغبة في الدنيا متعلقا بها، فهذا دليل على عدم انتفاعه بهذا العلم، وعدم إخلاصه في طلبه، فإنه لا يزداد من الله جل وعلا إلا بعدا، وذلك لأنه لم ينتفع بهذا العلم. قال رحمه الله: وأخبرنا أبو المغيرة، قال: حدثنا الأوزاعي، عن حسان، وابن عطية، أبو بكر المحاربي، ووثقه، وثقه لما محمد بن معين، قال: ما ازداد عبد بالله علما إلا ازداد الناس منه قربا من رحمة الله. وهذا الأثر صحيح. قال حسان، وابن عطية رحمه الله: ما ازداد عبد بالله علما إلا ازداد الناس منه قربا من رحمة الله، من رحمة الله جل وعلا به، ومحبة الله سبحانه وتعالى له. لأن الله عز وجل إذا أحب عبدا، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، نادى جبريل: إني أحب فلانا، فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانا، فأحبه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. وهكذا إذا كان العبد عالما، عاملا بعلمه، فإنه إذا ازداد بالله علما، ازداد خشية وخوفا، ورغبة فيما عند الله، وخوفا من عقاب الله سبحانه وتعالى، وبذلك يحبه الله جل وعلا، ويوضع له القبول في الأرض، فيحبه الناس، ويلتف الناس حوله. وكذلك أيضا يكون عنده من التواضع، وخفض الجناح، ما يرغب الناس في مجالسته ومحبته. وهذا من آثار العلم النافع، أنه يورث صاحبه التواضع، وعدم الكبر، والعجب، والغرور. إذا كان العبد على هذا الوصف من التواضع، وخفض الجناح، فإن هذا من أسباب محبة الناس له، وكذلك رغبة الناس فيما عنده من العلم. وكما قال ربنا جل وعلا، واصفا النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾. وهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام في بيان أن من خير الناس عند الله جل وعلا الذي يألف ويؤلف، أي يألف الناس، ويؤلفه الناس. ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف. قال: وقال في حديث آخر: ما ازداد عبد علما إلا ازداد قصدا، ولا قلد الله عبدا قلادة خيرا من سكينة. وهذا كذلك أيضا صحيح. قال رحمه الله: ما ازداد عبد علما إلا ازداد قصدا، يعني في العبادة، والطاعة، والإقبال على ما عند الله سبحانه وتعالى. ولا قلد الله عبدا قلادة خيرا من سكينة، يعني ما آتى الله عز وجل عبدا شيئا خيرا من سكينة، ويريد بها التواضع، والحلم، وخفض الجناح. فهذه من الأخلاق العظيمة التي وفق لها العبد المسلم، وخاصة صاحب العلم، وطالب العلم. فإنه إذا أوتي السكينة، والوقار، والتواضع، فإن هذا خلق عظيم، يوفقه الله عز وجل من شاء من عباده. وهو كما سمعنا من آثار العلم. وكلما كان العالم متواضعا، كلما كان أكثر علما. كما قال بعض الحكماء: العالم المتواضع أكثر علما من غيره، كما أن الأرض المنخفضة أكثر ماء من الأرض المرتفعة. قال: أخبرنا القاسم بن كثير، قال: سمعت عبد الرحمن بن شريح، قال: يحدث عن عميرة، أنه سمعه يقول: إن رجلا قال لابنه: اذهب فاطلب العلم، فخرج فغاب عنه ما غاب، ثم جاءه فحدثه بأحاديث. قال له أبوه: يا بني، اذهب فاطلب العلم، فغاب عنه أيضا زمانا، ثم جاءه بقراطيس فيها كتب، فقرأها عليه، فقال له: هذا سواد في بياض، يعني حبر في أوراق، اطلب العلم. اذهب فاطلب العلم، فخرج فغاب عنه ما غاب، ثم جاءه، فقال لأبيه: سلني عما بدا لك. قال له أبوه: رأيت لو أنك مررت برجل يمدحك، ومررت بآخر يعيبك. قال: إذا لم ألوم الذي يعيبني، ولم أحمد الذي يمدحني. قال: أرأيت لو مررت بصفيحة، قال أبو شريح: لا أدري أمن ذهب أو ورق، يعني فضة. فقال: إذا لم أهيجها، ولم أقربها. قال: اذهب فقد علمت. وهذا الأثر صحيح إلى عميرة. ويريد بهذا أن يربي ابنه على حقيقة العلم، وثمرة العلم الذي به يتحقق لطالب العلم إذا وصل إلى هذه المرحلة، وهو أن يكون طلبه للعلم لله. فلهذا لا يغتر بمدح المادحين، ولا يضره ذم الذامين. لا يغتر بمدح المادحين له، كما أنه لا يضره عيب العائبين، وذم الذامين له. هذا معنى قوله: إذا مررت برجل يمدحك، ومررت بآخر يعيبك، قال: لم ألوم الذي يعيبني، يعني ما ألومه، ولا يأضرني ذلك، ولا أحزن من ذلك. ولم أحمد الذي يمدحني، يعني لا أشكر على ذلك، ولا كذلك أيضا أغتر بذلك. ثم سأله عن أمر آخر، وهو إذا مر بصفيحة من ذهب أو فضة، يعني من الأموال النفيسة، كيف يكون معها؟ فقال: لا أهيجها، ولا أقربها. قال بعد ذلك: إذا فقد علمت، يعني هنا تحصلت على العلم، إذا كنت زاهدا في الدنيا، غير راغب فيها، ولا متنافس فيها. فهذا من آثار العلم النافع. وإذا لم يضرك ذم الذامين لك، وعيب العائبين، ولم تغتر بمدح المادحين، فهذا أيضا من آثار العلم النافع. قال رحمه الله: أخبرنا الحكم، عن المبارك، قال: أخبرنا بقية، عن السكن بن عمير، قال: سمعت وهبا بن منبه يقول: يا بني، عليك بالحكمة، فإن الخير في الحكمة كله، وتشرف الصغير على الكبير، والعبد على الحر، وتزيد السيدة سؤددا، وتجلس الفقيرة مجالس الملوك. وهذا الأثر لا يصح، فبقية بن الوليد مدلس، وقد عنعن. قال رحمه الله: أخبرنا الحكم، عن المبارك، وإن كان معنى الأثر، يعني صحيح من حيث المعنى، في بيان فضل العلم. والمراد بالحكمة، أي العلم النافع، علم الكتاب والسنة، فإنها شرف، يعني تزيد الصغير شرفا ورفعة. وهكذا أيضا تزيد العبد المملوك أو المولى كذلك رفعة على غيره من الأحرار. وهكذا أيضا تزيد السيد سؤددا وشرفا إلى شرفه. وكما أنها تجلس الفقير مجالس الملوك، كل هذه من معاني صحيحة، وهذه كذلك من فضائل العلم. قال رحمه الله: أخبرنا الحكم، عن المبارك، قال: أخبرني بقية، عن عتبة بن أبي حكيم، عن أبي الدرداء، قال: وما نحن لولا كلمات العلماء. وهذا الأثر كذلك ضعيف، فيه تدليس بقية، عنعنات بقية من وليد، وهو مدلس. وهذا آخر أثر ذكره المؤلف رحمه الله في هذا الباب، بالتوبيخ لمن يطلب العلم لغير الله. نسأل الله جل وعلا أن يعين وإياكم على إخلاص النية في طلب العلم، ويجعل طلبنا للعلم خالصا لوجهه، ورغبة فيما عنده جل وعلا. إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله، وصحبه أجمعين.

شاركنا على