الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 42، ألقاها
يناقش المقطع الأول تغير الزمان وانتشار الفتن كما ورد في كلام إمام الدارمي وعبد الله بن مسعود، حيث يصف كيف يصبح الباطل حقا والسنة بدعة. كما يتطرق إلى علامات آخر الزمان مثل كثرة القراء وقلة الفقهاء وكثرة الأمراء وقلة الأمناء.
ذكر ابن مسعود علامات آخر الزمان ومنها كثرة القراء الذين يحسنون تلاوة القرآن ولكن دون فهم معانيه وأحكام الشريعة، وقلة الفقهاء والعلماء، مما يؤدي إلى الشر والفتنة. القراء في زمن النبي كانوا علماء يجمعون بين حفظ القرآن والفقه في الدين.
كثرة الأمراء وقلة الأمناء والتماس الدنيا بعمل الآخرة من أسباب ظهور الفتن وانتشار البدع وتغير الأحوال. هذه الأمور تؤدي إلى كثرة الشرور والخلافات والحروب وتسفك الدماء وتضيع الأمانة ويصبح الدين عرضة للخيانة.
المقطع الأخير يشير إلى انتهاء الحديث أو النص المروي، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُعتبر هذا الختام إشارة إلى نهاية النص أو الخطبة. الصلاة على النبي تعبر عن التبرك والتأدب في الحديث عن النبي.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في كتابه في مقدمة سننه: باب تغير الزمان وما يحدث فيه. قال أخبرنا يعلى، قال حدثنا الأعمش عن شقيق، قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير ويربو فيها الصغير، ويتخذها الناس سنة، فإذا غيرت قالوا: غيرت السنة. قال: ومتى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثرت قراؤكم وقلت فقهاؤكم، وكثرت أمراؤكم وقلت أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة. قال أخبرنا عمر بن عون عن خالد بن عبد الله عن يزيد بن أبي زياد -وهو الهاشمي ضعيف- عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، قال: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير ويربو فيها الصغير، إذا ترك منها شيء قيل: تركت السنة. قال: ومتى ذاك؟ قال: إذا ذهبت علماؤكم، وكثرت جهلاؤكم، وكثرت قراؤكم، وقلت فقهاؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقلت أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقها لغير الدين. الأثر بالسند الأول صحيح. هذا الباب: باب تغير الزمان وما يحدث فيه، يعني من تغيرات وانقلاب الأحوال وتقلب الأوضاع. وكذلك أيضا كيف أن الناس يجعلون المحق مبطلا والباطل حقا، يجعلون الحق باطلا والباطل حقا، والأمين خائنا والخائن أمينا، والصادق كاذبا والكاذب صادقا. هذه التغيرات التي تحدث في آخر الزمان أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن بين يدي الساعة سنوات خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، وينطق فيهم الرويبضة». قالوا: يا رسول الله، ومن الرويبضة؟ قال: «السفيه يتكلم في أمر العامة». فهذا الحديث بين فيه النبي عليه الصلاة والسلام تقلب الأحوال في آخر الزمان، حتى يحصل الأمر كما سمعتم بأن يصدق الكاذب ويكذب الصادق، ويخون الأمين ويؤتمن الخائن. وهكذا أيضا من التقلبات أن تصبح البدع سنة وتصبح السنة بدعة، وينشأ الناس على ذلك. كما في هذا الأثر عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرموا فيها الكبير ويربوا فيها الصغير، ويتخذها الناس سنة؟ يعني يتربى عليها الصغير، يتربى عليها يفعلها ويرى الناس يفعلونها ويظن أنها من الدين. ويهرم عليها الكبير، يشب الكبير -يعني يصل إلى سن الشيخوخة وإلى الهرم- وهو على هذه الفتنة التي يظن أنها من الدين، وهي ليست من دين الله جل وعلا في شيء. ويتخذها الناس سنة، يعتقدون أنها من السنن. فإذا غيرت قالوا: غيرت السنة، يعني إذا بدلت وجاء من ينكرها ومن يبين أنها أمر محدث، قالوا: غيرت السنة. إلى هذه -يعني الدرجة- تعلق الناس بها وظنوا أنها من دين الله جل وعلا. مثلا الموالد، الموالد حين انتشرت وكثرت وتربى عليها الصغير وهرم عليها الكبير، اتخذها الناس سنة. اتخذها الناس سنة حتى إذا جاء دعاة التوحيد ودعاة أهل السنة والجماعة فأنكروا وبينوا أن الموالد ليست من دين الله جل وعلا، وأنها من المحدثات، تجد الكثير من الناس يقول: غير الدين، غير الدين. هؤلاء جاءوا بدين جديد، هؤلاء أتونا بدين جديد. مع أن هذا الدين الذي يأمر به هؤلاء هو الدين الحق الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، وهم ما فيه من البدعة والضلال هو الدين الجديد المحدث الذي ما أنزل الله جل وعلا به من سلطان. لكن ننظر كيف تغيرت الأحوال وانقلبت ماذا الموازين. ثم سئل ابن مسعود رضي الله عنه: متى ذاك؟ متى يكون هذا؟ فذكر رضي الله تعالى عنه بعض الأمور التي إذا وقعت حدث فيها هذا الأمر. قال: قال إذا كثرت قراؤكم وقلت فقهاؤكم. المراد بالقراء هنا -يعني من يقرأ القرآن- من يحسن قراءة القرآن وتلاوته، قد يكون حافظا له، يحافظ القرآن ويحسن التلاوة وعنده التجويد، لكن في جانب الفقه والعلم ليس عنده شيء. قارئ للقرآن لكن لا يفقه معانيه ولا عنده علم بأحكام الشريعة. إذا كثرت قراؤكم وقلت فقهاؤكم -يعني قل من يتفقه في الدين- قل وجود العلماء، قل وجود أهل العلم، هذا من أسباب الشر. لماذا؟ لأن كون الإنسان يقرأ القرآن ويحفظ القرآن هذا لا شك أنه عمل طيب، فيه أجر وفيه ثواب، ومن الأعمال الصالحة. لكن إذا لم يكن هذا على علم وفقه فإن هذا يضر. يضر وانظر إلى الخوارج الذين ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من سماتهم وصفاتهم أنهم يقرؤون القرآن، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة: «تحقرون قراءتكم إلى قراءتهم؟» لا قراءتهم -يعني هم أشد منكم قراءة للقرآن- حتى لدرجة أن الواحد منهم هم خير هذه الأمة، يحتقر قراءته بجانب قراءتهم، وصلاتكم عند صلاتهم. قال عليه الصلاة والسلام: «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». لا يجاوز حناجرهم -يعني مجرد تلاوة وقراءة- لكن فقه وعمل ماذا؟ صفر. ولهذا يخرجون على أمة الإسلام يسفكون دماءهم ويأخذون أموالهم بسبب ماذا؟ هم يحفظون القرآن، وهم يحفظون القرآن ويقومون الليل، بسبب عدم الفقه عندهم. قراءة وتلاوة لكن ليس عندهم فقه في أحكام الشريعة، ولا فقه في معاني القرآن وآيات القرآن وتفسيره. فخرجوا على أمة محمد عليه الصلاة والسلام يسفكون دماءها ويستحلون أموالها وأعراضها، هذا لشك النبلية عظيمة. أما كون الإنسان يحفظ القرآن ويحسن تلاوته ويتفقه في معانيه هذا أمر حسن، وهذا هو المطلوب. فهذا معنى قوله: إذا كثرت قراؤكم وقلت فقهاؤكم. ليس المراد بالقراء هنا القراء في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، القراء في زمن النبي عليه الصلاة والسلام هم العلماء، هم العلماء، كانوا -يعني- يقرؤون القرآن ويتفقهون في أحكامه. كما جاء في أثر عبد الرحمن السلمي أنهم ذكر عن من أقرأهم القرآن من الصحابة كعثمان، أنهم لا يتجاوزون عشر آيات حتى يعلموا معانيها ويعملوا بها. فجمعوا بين العلم والعمل والفقه والحفظ. فكان القراء في زمن النبي عليه الصلاة والسلام هم العلماء. ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم أولئك السبعين من أهل الصفة حين طلبهم بعض القبائل، بعث النبي صلى الله عليه وسلم معهم أولئك السبعين، وكانوا يسمون القراء. لما جاءوا قالوا: نريد من يعلمنا الكتاب والسنة. هؤلاء القراء هم العلماء. وفي قصة تبوك لما قال ذاك القائل: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا وأجبن عند اللقاء. أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء، يصف من النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه العلماء، علماء الصحابة، وصفهم بهذا الوصف. فأنزل الله جل وعلا ماذا؟ الآيات في بيان كفره: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ الآيات. الشاهد قوله: ما رأينا مثل قرائنا، والمقصود بهم العلماء. لكن المقصود بهذا الأثر أنه في آخر الزمان يكثر القراء والمراد بهم من يتلو القرآن ويحفظه ويقرأه، لكنه ليس من أهل العلم، ويقل الفقهاء، يقل العلماء. قال: وقلت فقهاؤكم، وكثرت أمراؤكم. كثرة الأمراء تجدون في هذه الأزمان كل بلد لها أمير، كل بلد لها أمير. وإذا كثر الأمراء لا شك أن الشرور تكثر والخلافات تكثر، لخلاف ما إذا كانت -يعني- جميع البلاد تحت أمير واحد، كما كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين. فإن الخير يكون أكثر والشر يكون أقل. لأن إذا كثر الأمراء كل أمير يطمع في إمارة الأمير الآخر والبلد التي في يد الآخر، فتحصل المشاحنات وتحصل الخلافات والحروب وتسفك الدماء ويحصل ما يحصل من الشر بسبب ذلك من الأطماع الدنيوية. قال: وقلت أمناؤكم. هذا أيضا من أسباب ظهور البدع وانتشارها، قلت الأمناء وانتشار الخيانة. وهذه من علامات الساعة أن تقل الأمانة. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الأمانة ترفع في آخر الزمان حتى يقل أن يوجد رجلا أمينا، يقل كما قال حذيفة رضي الله عنه: حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا -يعني فيمن قبيلة ومن جماعة أناس- يشار إليهم بالبنان أنهم من الأمناء لقلة الأمانة وكثرة الخيانة. وهذا أمر واقع، قل أن يجد الإنسان في هذه الأزمان أمينا. أما الخونة فكثير، لا يعدون لكثرتهم. وأعظم الخيانة خيانة في الدين، الخيانة في الدين أن يخون الإنسان الناس في دينهم، يظهر لهم أنه من -يعني- أهل الحق وأهل الصواب وأهل السداد وأهل السنة، وهو ماكر وهو يريد أن يمكر بهم، وأن -يعني- يظهر لهم ذلك حتى يثقوا به، ثم ما دروا إلا وأظهر سمومه وأظهر بدعه وأظهر مكره وخداعه. هذا لا شك أنها من أعظم الخيانة، الخيانة في الدين. أما الخيانة في الأموال هي دون ذلك، وإن كانت محرمة وهي أيضا من صفات أهل النفاق، لكن الخيانة في الدين أعظم. قال: والتمست الدنيا بعمل الآخرة. التمست الدنيا بعمل الآخرة -يعني معنى ذلك- قلة الإخلاص والصدق، قلة الإخلاص والصدق. أن يلتمس المرء الدنيا بعمل الآخرة، فمثلا حفظ القرآن عبادة وطاعة شريفة وعظيمة، لكن يحفظه من أجل الدنيا، يحفظه من أجل الدنيا مقصده وهمه ونيته وإرادته الدنيا، هذا من التباس الدنيا بعمل الآخرة. أما إذا حفظه لله وأراد ما عند الله من الأجر والثواب، ثم حصلت له شيء من الدنيا من غير قصد له وإرادة لها، فهذا تبع لا يضر. مثل الغنيمة التي يأخذها المجاهد الذي يجاهد في سبيل الله جل وعلا وهو صادق في جهاده. وهذا أيضا طلب العلم عبادة عظيمة وجليلة، فلو طلب العلم لأجل الدنيا -يعنيته وقصده وإرادته الدنيا- من أجل أن يشار إليه بالبنان، وأن يقال فلان من فلان، وأن يصدر في المجالس، وأن إلى آخره من أمور الدنيا، هذا خاسر. قد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن أول من تسعر بهم النار ثلاثة، وذكر منهم العالم. وفي رواية: القارئ يسحب بوجهه إلى النار ويلقى في النار. لماذا؟ لأنه حفظ القرآن لأجل الدنيا، أو تعلم العلم من أجل أن يقال أنه عالم. فيقول الله عز وجل له: وقد قيل، قيل ذلك، حصل لك ما أردت من الدنيا، فيسحب على وجهه حتى يلقى في النار. يا ذنب الله، فإذا حصل هذا الأمر: التمست الدنيا بعمل الآخرة، هذه من أسباب ضياع الدين وتغير الأحوال وانقلاب الأوضاع، وتصبح السنة بدعة والبدعة سنة. فهذه من الأسباب التي ذكرها هذا الصحابي الجليل والعالم الفقيه عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، أنه إذا وجدت وحصلت انتشرت الفتن وتقلبت الأحوال وتغيرت. نسأل الله جل وعلا السلامة والعافية. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.