التعليق على حاشية الدمياطي 31

الدرس في التعليق على حاشية الدمياطي 31، ألقاها

التعارض في الأحاديث النبوية وكيفية حله

يتطرق هذا الفصل إلى كيفية التعامل مع الأحاديث المتعارضة، حيث يشرح كيفية الجمع بينها أو الترجيح بينها عند عدم إمكانية الجمع، ويقدم أمثلة على ذلك. يوضح أيضًا كيفية تخصيص العموم بالخصوص في الأحاديث.

تعريف الإجماع وبيان حجيته وأدلته

يناقش هذا الفصل تعريف الإجماع وسبب الخلاف حول تعريفه، ويبين أن الإجماع حجة قائمة عند الأصوليين لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم. يشرح أيضًا أنواع الإجماع واعتباره حجة في حق الأمة.

تفاصيل حول الإجماع وحجيته في الأحكام الشرعية

يتناول هذا الفصل تفاصيل تعريف الإجماع وأنواعه، ويصنفه إلى إجماع قطعي وإجماع ضني أو استقرائي. يبين أيضًا كيفية اعتبار إجماع العلماء في عصر معين حجة باعتبار أدلة أخرى من الكتاب أو السنة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم حواه مسلم، ومن جملته الوقف ما فوق الإزار، فتعارض فيه، فرجح بعضهم التحريم احتياطًا، وبعضهم الحل؛ لأنه الأصل. في المنكوحة، فقال صاحب الحاشية: قوله «فتعارض فيه» أي ولم يمكن الجمع، ومعنى هذا أنه إن أمكن الجمع فالمصير إليه. قوله «ولم يعلم التاريخ» كذلك إذا علم المتقدم من المتأخر صرنا إلى النسخ، لكن إذا لم يستطع الجمع ولم يعلم كذلك المتقدم من المتأخر، فماذا نصنع؟ يقول: «فنتوقف عن العمل بواحد منهما إلى ظهور المرجح»، وقوله «إلى ظهور المرجح» مفهومه أننا أولًا ما نعمل بين الأحاديث أو الأدلة التي ظاهرها التعارض، أننا أول ما نصنع أن نجمع بينهما إن كان الجمع ممكنًا؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. فإن لم يستطع الجمع لكون التقابل أو التعارض بينهما تعارض الضدين، فينظر حينها إلى المتقدم من المتأخر فيحكم به، أي بالنسخ. فإن لم نَرَ كذلك التعارض قائمًا نرجع وننظر في القرائن والمرجحات، ننظر في القرائن والمرجحات، فنرجح ما كان راجحًا بالمرجحات، وندع ما لم يكن كذلك. يعني مثلًا حديث في الصحيحين، وعليه عمل جمهور العلماء، آخر دونه في الصحة، ودونه كذلك في العمل، فتكون من المرجحات ماذا؟ العمل بما كان عليه، مرجحًا بهذه المرجحات. فإن لم يكن توقفنا، ثم إن احتاج أو احتاج المجتهد إلى العمل بأحد الأمرين، احتاج إلى العمل بأحد الأمرين، ماذا يصنع؟ يعني احتاج إلى العمل بأحد الأمرين، مثلًا قيل أو تعارف عند مجتهد الصلاة صلاة تحية المسجد، مثلًا عند غروب الشمس قبل المغرب، تعرف من أهل العلم من يقول: لا يصلي، ومن أهل العلم من يقول: يصلي، فماذا يصنع هنا؟ لا بد أن يعمل بأحد الأمرين، لا يستطيع أن يبقى قائمًا، ولا أن يبقى ماذا؟ لا بد أن يعمل بأحد الأمرين، فماذا يصنع؟ في هذه الحالة كما سمعتم يعمل الأحوط إذا اشتبهت عنده الأمور، يعمل ماذا؟ الأحوط والأبرأ للذمة، فما كان فيه براءة للذمة عمل به، وما لم يكن كذلك لا يعمل به عند ماذا؟ عند عدم وجود شيء من المرجحات، يعمل بالأحوط؛ لأن الأحوط فيه إبراء للذمة. قال رحمه الله: قوله «فتعارض فيه» أي ولم يمكن الجمع، ولم يعلم التاريخ، فنتوقف عن العمل بواحد منهما إلى ظهور مرجح، بمعنى أنه إذا ظهر المرجح عمل به. قال: «وهو الاحتياط عند البعض»، ما هو الاحتياط؟ أي التوقف، وهو الاحتياط عند بعض، أي التوقف. قال: «وأصالة الحل عند البعض»، أي وأن البعض يقول: التوقف معناه نرجع إلى أصالة الحل؛ إذ الأصل في الزوجة حل الاستمتاع بها، فنرجع إلى هذا الأصل عند الإشكال، عند الاشتباه نرجع إلى الأصل. وعند آخرين قول: الأصل ماذا؟ المنع، تغليبًا لجانب الحظر على جانب ماذا؟ الإباحة، وهذا هو الأظهر؛ لأنه أحوط. عند الاشتباه نغلب جانب ماذا؟ الحظر؛ لماذا نغلب؟ لأن في تغليبه والعمل بمقتضاه إبراء للذمة؛ لأنك تكون بين إما أن تفعل المحظور، وإما أن تفعل المباح، فماذا تصنع؟ ما هو الأحوط؟ الأحوط أن تبرئ ذمتك بترك، وهذا من هذا الباب. قال قوله «لأنه الأصل» إلى آخره. قال: «فيستصحب عند الشك في التحريم»، وإما عند الشك في التحريم يستصحب ماذا؟ الأصل. لكن كما ذكرها هنا تعارض الآن الأصل مع ماذا؟ مع قاعدة أخرى، ما هي القاعدة الأخرى؟ قاعدة الأحوط، قاعدة إبراء الذمة، فأيهما يقدم؟ كما سمعتم يقدم في هذه الحالة الأحوط، وبراءة الذمة؛ لأن في العمل به إبراء للذمة واضحة. قال: «وما ذكره الشارح من الخلاف سهوٌ منه»، فإنما فوق الإزار يجوز الاستمتاع به في اتفاق العلماء. قال النووي في شرح مسلم: بل حكى جماعة كثيرة الإجماع عليه. قال: «نعم، التعارض في الحديثين المذكورين في الاستمتاع بغير الوطء فيما تحت الإزار». قال: «فإن الأول يحرمه والثاني يجوزه»، قال: «فرجح بعضهم كالشافعي تحريمه احتياطًا، وبعضهم كأبي حنيفة حله؛ لأنه الأصل في المنكوحة». كما تقدم، يعني الإشكال في ماذا؟ فيما تحت الإزار، وهذا بناء على ماذا؟ على صحة حديث معاذ. وأما على ضعف حديث معاذ فما عندنا إلا حديث أنس. بقي هل حديث أنس مفاده؟ ونستفيد منه أن للرجل أن يتمتع بمرأته الحائض بكل شيء إلا الجماع، بمعنى أنه هل له أن يدنو من مكان الحظر؟ قال علماء رحمهم الله تعالى: ذلك يرجع إلى ماذا؟ إلى حال الإنسان وقوة شهوته. فإن كان يملك ذلك ويبعد عن موضع الخبث فلا بأس لعموم الحديث، وإلا فإن الأحوط بل قد يكون الواجب ألا يقترب. وعلى هذا تدل الأحاديث الأخرى؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه كما وصفته عائشة رضي الله تعالى عنها بقولها: «وأيكم أملك لإرابه»، أي مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع هذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حاضت المرأة من نسائه أمرها بأن تأتزر، ثم يجامعها بما فوق الإزار، كما جاء في حديث عائشة وغيرها من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وإن كان أحدهما عامًا والآخر خاصًا فيخص العام بالخاص». مثل حديث الصحيحين فيما سقت السماء العشر، لحديثهما: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»، كما تقدم. طيب الأول عام فيما سقت السماء العشر، عام أي في الذي سقت السماء، وهو من ألفاظ العموم، فمفهومه أن كل ما سقت السماء ففيه ماذا؟ العشر. ثم الحديث الآخر الذي هو حديث ابن عمر -يعني حديث الآخر حديث أبي سعيد، حديث أول حديث ابن عمر متفق عليه، حديث الآخر حديث أبي سعيد أيضًا متفق عليه- «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»، دل الحديث على أن فيما دون هذا المقدار ليس فيه ماذا؟ صدقة، فيكون مخصصًا لماذا؟ للحديث الأول، يكون مخصصًا للحديث الأول. الحديث الأول قل أو كثر، فيخرج منه ماذا؟ ما قل على الخمسة الأوسق، ما زاد على الخمسة الأوسق، خمسة أوسق فما فوق، ففيه ماذا؟ فيه الزكاة، كما تقدم. قال صاحب الحاشية: قوله «فيما سقت السماء» هو شامل لخمسة أوسق ولما دونها. قال: «والمراد من السماء المطر أو السحاب أو الفلك». قال: «وقوله العشر أن يجب إخراج عشر ما يحصل منه للفقراء»، فيقصر. نعم للفقراء وغيرهم من أصناف الزكاة. قال: «فيقصر هذا الحديث على خمسة أوسق»، نعم، ويخرج ما دونها عن حكمه، أي بحديث أبي سعيد؛ لأن حديث أبي سعيد خصص عموم حديث عموم حديث ابن عمر رضي الله عنهم جميعًا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وإن كان كل واحد منهما عامًا من وجه وخاصًا من وجه فيخص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر»، قال: «إن يمكن ذلك». قال: «مثاله حديث أبي داود وغيره: إذا بلغ الماء قلتين فإنه لا ينجس»، ما حديث ابن ماجة وغيره: «الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه». قال: «فالأول خاص بالقلتين، عام في المتغير وغيره، والثاني خاص في المتغير، عام في القلتين وما دونها وما دونهما». قال: «فخص عموم الأول بخصوص الثاني حتى يحكم بأن ماء القلتين لا ينجس بالتغير»، وخص عموم الثاني بخصوص الأول حتى يحكم بأن ما دون القلتين ينجس وإن لم يتغير. فإن لم يمكن تخصيص عموم كل منهما بخصوص الآخر، احتيج إلى الترجيح بينهما فيما تعارض فيه. قال: «مثاله حديث البخاري: من بدل دينه فاقتلوه». قال: «وحديث الصحيحين: أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء». فالأول عام في الرجال والنساء، خاص بأهل الردة. والثاني خاص في النساء، عام في الحربيات والمرتدات، فتعارض في المرتدة هل تقتل أم لا؟ والراجح أنها تقتل. قوله رحمه الله تعالى: «وإن كان كل واحد منهما» أي من الدليلين عامًا من وجه وخاصًا من وجه، «فيخص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر»، أي خصوص هذا مع عموم الآخر يخص العموم بذلك الخصوص، والعكس. مثل له بحديث ماذا؟ «إذا بلغ الماء قلتين فإنه لا ينجس». هذا الحديث له منطوق ومفهوم، منطوقه أن الماء إذا كان بلغ القلتين فإنه لا ينجس ولو تغير، واضح. ومفهومه أنه ما دون القلتين فإنه ماذا؟ ينجس وإن لم يتغير، واضح. مع حديث ابن ماجه وغيره على صحته -وإلا حديث فيه ضعف، لكن الإجماع قام على مقتضاه-: «الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه». فقوله «الماء لا ينجسه شيء» الماء عام، وقوله «لا ينجسه شيء» عام، قل ذلك الماء أو كثر. ثم قال: «إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه»، فمفهومه أنه متى ما تغير الماء، وجاء في بعض الروايات بنجاسة تحدث فيه -«إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» بنجاسة تحدث فيه- فلو تغير الماء ولو كان كثيرًا بحدوث نجاسة فيه، ولو زاد على القلتين فتغير طعمه أو لونه أو ريحه، فإن الماء يكون ماذا؟ نجسًا، واضح. فظاهرهما أن عموم هذا مع عموم الأول ظاهرهما التعارض؛ إذ هذا يقول: إذا تغير قل أو كثر ينجس، والحديث الأول يقول: إذا كان فوق القلتين لا ينجس. ينجس لا ينجس، بينهما ظاهرهما ماذا؟ التعارض. فما الجامع؟ قالوا: يحمل عموم هذا على خصوص هذا، ما هو العموم في قوله: «إذا بلغ الماء قلتين فإنه لا ينجس»؟ عام إذا بلغ القلتين لا ينجس، فيحمل على خصوص هذا: إلا أن تغير طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسة تحدث فيه، ينتهي الإشكال. بقي ماذا؟ بقي «الماء لا ينجس شيء» قل أو كثر، يحمل على ماذا؟ على خصوص الأول، أي لا ينجس شيء إذا بلغ القلتين فما فوق، فما فوق. أما دون ذلك فإنه يتنجس ويكون عرضة لماذا؟ للنجاسة. هذا جمع من الجموع، وغيرهم يعني وغيرها، والعلماء جموعات أخرى قد ذكرت في بعض دروسنا في الفقه. قال صاحب الحاشية: قوله «عامًا من وجهه» باعتبار التعارض به. قوله رحمه الله تعالى: «فإن لم يمكن تخصيص عموم كل منهما بخصوص الآخر» أي ليس بينهما تداخل عموم خصوص. قال: «احتيج إلى الترجيح بينهما فيما تعارضا فيه»، مثالهم حديث البخاري: «من بدل دينه فاقتلوه»، رواه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وحديث الصحيحين -أي حديث ابن عمر رضي الله عنهما- أنه صلى الله عليه وسلم «نهى عن قتل النساء». يعني حديث الأول «من بدل دينه فاقتلوه» عام، هكذا أم لا؟ عام، سواء كان تبديل دينه سواء كان ذلك المبدل لدينه ذكرًا أو أنثى، رجلا أو امرأة، شيخًا أو ماذا؟ شابًا، «من بدل دينه فاقتلوه». مع الحديث الآخر أنه صلى الله عليه وسلم «نهى عن قتل النساء»، فظاهر الحديث الآخر أن النساء لا يقتلن، فهل معناه أن المرأة إن ارتدت لا تقتل؟ قال: «فالأول عام في الرجال والنساء، خاص بأهل الردة، والثاني خاص في النساء، عام في الحربيات والمرتدات»، فما الجمع؟ قال: «فتعارض في المرتدة هل تقتل أم لا؟» قال: «والراجح أنها تقتل»، هو الصواب كما سيأتي بيانًا في كلام الشارع. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الإجماع. قال: «وأما الإجماع فهو اتفاق علماء أهل العصر على حكم الحادثة»، فلا يعتبر وفاق العوام، ونعني بالعلماء الفقهاء، فلا يعتبر موافقة الأصوليين لهم. ونعني بالحادثة الحادثة الشرعية؛ لأنها محل نظر الفقهاء، بخلاف اللغوية، مثلًا، فإنما يجمع فيها علماء اللغة. قال: «وأجمعت هذه الأمة حجة دون غيرها» لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تجتمع أمتي على ضلالة». قال: «رواه الترمذي وغيره». قال: «والشرع ورد بعصمة هذه الأمة لهذا الحديث ونحوه». قوله رحمه الله تعالى: الإجماع، الإجماع كما سيأتي معنى في اللغة يطلق بمعنى العزم، ويطلق بمعنى الاتفاق. وقوله رحمه الله تعالى: «وأما الإجماع» أي الإجماع المراد تعريفه اصطلاحًا عند الأصوليين. قال: «فهو اتفاق علماء أهل العصر على الحادثة»، وهذا التعريف منه رحمه الله تعالى بناء على أحد الأقوال في المسألة، في ضابط العلماء، في ضابط الإجماع عند العلماء. فمن أهل العلم من جعل الإجماع هو اتفاق علماء أهل عصر الماء، سواء كان بالعصور الأولى أو العصور المتوسطة أو العصور المتأخرة، متى ما أجمع علماءه الأمة على قول ما، فإنه يكون ماذا؟ حجة. ومن أهل العلم من ضيق ذلك، أي ضيق الإجماع المعتبر الذي هو حجة، فجعل الإجماع ما كان عليه أصحاب القرون الثلاثة الأول، ومنهم من خص الإجماع بإجماع صحابة فحسب. والسبب في ذلك تعارض أنظار المجتهدين في ذلك. فمن نظر إلى دلالات الكتاب والسنة من حيث أن علماء الأمة إذا اجتمعوا على شيء، فإن اجتماعهم معصوم عن الزلل والخطأ، واستدل على ذلك بما جاء في هذا الحديث الذي من حيث المعنى صحيح، وإن كان هذا اللفظ فيه شيء من الضعف، فقالوا: إذن «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، ومعنى هذا أنه لو حصلت مثلًا حادثة في عصرنا فأجمع عليها علماء العصر، ليس بينهم خلاف، يقول: إجماع أهل العصر على الحادثة يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم «لا تجتمع أمتي على ضلالة». قالوا: إذن في كل عصر ممكن أن يكون إجماع، ممكن أن يكون إجماع، نظرًا إلى هذا الاعتبار. والقائلون بأنه في القرون الثلاثة، وأخص من ذلك في عصر الصحابة، قالوا بذلك؛ قالوا: لأن ما سوى هؤلاء معرفة أقوالهم والوقوف عليها، معرفة أقوالهم والوقوف عليها أمر يكاد يكون مستحيلًا. وكوننا نجعل حجة في شيء لا نعلمه، حجة على أهل الإسلام على المسلمين، هذا لا يجوز؛ إذ ما يدري الإنسان أن العلماء أو أن بعض العلماء قد خالف في ذلك القول، ولا سيما أن العلماء قد انتشروا في أصقاع الأرض، ومن الصعب والصعوبة بمكان أن يقف كل إنسان أو الإنسان على جميع أقوال العلماء في مسألة ما. قالوا: بخلاف عصر العصور الثلاثة، ممكن أن تجمع. وبعضهم أصحاب القول الأول قالوا: حتى القرون الثلاثة لا يمكن أن نجمعها؛ لذا قالوا: لا يمكن أن تجمع وتحصر الأقوال إلا في عهد الصحابة. الصحابة ممكن أن نجمع أقوالهم؛ لماذا؟ لأنهم معروفون، محدودون، محصورون. ولأن الصحابة قولهم يعرف وينشر، بخلاف غيرهم من العلماء؛ فإنه ربما يكون له رأي أو قول يكون معروفًا في بلده أو بين تلاميذه، وليس معروفًا عند غيرهم. فلأجل هذا المعنى ذهب من ذهب من أهل العلم إلى أن الإجماع المعتبر الذي تدل عليه الأدلة هو ماذا؟ هو إجماع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. فسبب الخلاف هو هذا المعنى. فمن رأى هذا الإجماع هو المعتبر وهو الصحيح، وما عداه ليس كذلك، عرف الإجماع بأنه إجماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته على حادثة ما أو على أمر ما. ومن جعله في القرون الثلاثة قال: أصحاب القرون الثلاثة. ومن قال بأنه في كل عصر قال: في كل عصر. قال: «وهذا يا إخوة أم لا؟ هذا أمر آخر»، أمر آخر نبه عليه من نبه من العلماء، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. قال: «أن الإجماع أن الإجماع إجماعان»، أن الإجماع إجماعان: إجماع قطعي وإجماع ضني. فالإجماع القطعي هو الإجماع الذي ليس فيه نزاع ولا خلاف، بحيث إذا قال القائل: «أجمع»، لا يكون ولا يعرف فيه مخالف، كإجماعهم على الصلوات الخمس، على وجوب الحج، على الزكاة، على غير ذلك من الأمور معلومة من دين الله جل وعلا بالضرورة، ونحوها، هذا إجماع قطعي. وإجماع ضني، وهو ما يسميه العلماء رحمهم الله تعالى بالإجماع الاستقرائي، أي أن عالما ما يستقرئ أقوال العلماء فلا يرى فيها خلافًا، فيذكر إجماعًا استقرائيًا بناء على ذلك. وممن عرف عنه هذا -أي أنه ينقل الإجماعات الاستقرائية- الإمام ابن عبد البر رحمه الله، قد نص غير واحد أن ما ينقله ابن عبد البر رحمه الله تعالى من الإجماعات فإنها إجماعات استقرائية، أي استقرأ فلم يرَ خلافًا، فيقول: «أجمع». وابن عبد البر ليس منفردًا بذلك، بل قوله معتمد. ومعتمد على ما ذكره العلماء رحمهم الله تعالى في باب الإجماع. فقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كذلك أنه إذا قلنا: «أجمع»، فإنا لا نعرف فيه نزاعًا. إذا قلنا: «أجمع»، فإنا لا نعرف فيه ماذا؟ نزاعًا. ونقل هذه المقالة عن الإمام الشافعي، وعن أبي ثور رحمهم الله تعالى جميعًا، أي هذه المقالات: أنهم لا يقولون: «أجمع» بمعنى أنهم قد مروا على واحد واحد، ولكن المخصوص ماذا؟ المخصوص أنهم لا يعلمون في ذلك خلافًا. قد يقول قائل: قد وجد في كلام الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: «من ادعى الإجماع فقد كذب»، فعلى ماذا يحمل كلام الإمام أحمد رحمه الله؟ أحمد رحمه الله تعالى ثبت عنه أنه قال: «من ادعى الإجماع فقد كذب»، وما يدريه لعل الناس قد اختلفوا، واضح. فالعلماء رحمهم الله تعالى يقولون: ما ذكره الإمام أحمد رحمه الله تعالى ليس فيه نفي للإجماع؛ لماذا؟ لأن الإجماع حجة قائمة. بل وقد نقل الإمام أحمد رحمه الله تعالى نفسه إجماعات، واضح. الإمام أحمد رحمه الله تعالى نفسه نقل إجماعات، ومنها كما مر معنا قريبًا في كتاب «عمدة الفقه» في قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ نقل الإمام أحمد رحمه الله تعالى الإجماع على أن ذلك خاص في الصلاة، واضح. إجماعًا نقلهم. فإذا على ماذا يحمل ما ذكره الإمام أحمد رحمه الله تعالى؟ يحمل على أحد أمرين، والأول منهما أظهر: الأول هو المقصود به الإجماع الذي ينقله المبتدعة، الإجماع الذي ينقله المبتدعة، فهو يقول: «كذب» أي هذا المبتدع بنقله الإجماع، وما يدريه لعل الناس قد اختلفوا. والأمر الثاني: أنهم ذكروا على سبيل التحري في نقل الإجماع، وأن من نقل الإجماع ينبغي له أن يتحرى، وأن يكون مرادهم من الإجماع أي أنهم لا يعلمون أنهم قد اختلفوا، لا أنهم لم يختلفوا في حقيقة الأمر، الله أعلم. قال: «وبقي كذلك مما ينبه عليه على القول بأن الإجماع المنضبط على أن القول بأن الإجماع المنضبط هو إجماع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاه»، وهو الذي ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وغيره من المحققين رحمه الله تعالى؛ لأنه هو المنضبط. بقي كما ذكر وأشير: إذا أجمع علماء عصر على قضية ما على مسألة ما، هل يكون إجماعهم هذا معتبرًا أو لا يكون إجماعهم معتبرًا؟ الجواب: أن إجماعهم معتبر، ويكون حجة، لكن لا بحجة الإجماع، لكن حجة باعتبار آخر، وهو حجة أي باعتبار قول الله جل وعلا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وباعتبار قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك». ما دام أجمعوا على الحق؛ لماذا؟ لأن طائفة الحق تكون ماذا؟ مع المجمعين. فإذن القول الذي أجمع عليه يكون ماذا؟ حقًا؛ لماذا؟ لأن طائفة الحق الذي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «على الحق ظاهرين» تكون مع هؤلاء المجمعين، فدل ذلك على أن الحق معهم. وإذا كان الحق معهم فلا يجوز أن يخالف، فلا يجوز أن يخالف. قال صاحب الحاشية: قوله «وأما الإجماع» يطلق في اللغة على معنيين: أحدهما العزم، والثاني الاتفاق. فعلى الأول يصح إطلاقه على الواحد، بخلاف الثاني؛ لأن الاتفاق لا يستند إلا لمتعدد. يعني في اللغة يطلق على العزم، العزم قد يطلق على واحد، يقول: «أجمعت أمري»، «أجمعت على كذا وكذا»، أي عزمت على فعلي كذا وكذا، يعزم. يقول: «أجمعت على كذا»، أي على أن أفعل كذا وكذا، هذا قد يقول أو يصدر منه واحد. أما الإجماع بمعنى الاتفاق، فلا بد أن يكون صادرًا عن جماعة؛ لذا قال: «فعلى الأول يصح إطلاقه على الواحد بخلاف الثاني؛ لأن الاتفاق لا يسند إلا إلى متعدد أو إلا لمتعدد». قال: «فهو اتفاق» إلى آخرها استدلالًا. قال: «والمراد من اتفاقهم اشتراكهم في اعتقاد الحكم الذي عليه قولهم». والمراد من اتفاقهم اشتراكهم في اعتقاد. قال: «الحكم الذي عليه قولهم أو فعلهم أو تقريرهم»، من هذه الأمور أو بعضها. طيب يعني معنى هذا الاتفاق: أن يتفقوا إما قولًا، إما فعلًا، إما إقرارًا، أي بعضهم يفتي بذلك، والبعض الآخر حاضر يقر، ظاهر الإقرار والسكوت، عدم الإنكار، هذا إجماع، واضح. هذا يعد إجماعًا. قال: «قوله الحادثة» هذه الخصلة التي من شأنها أن تحدث وتوجد من قول أو فعل أو غيرها. قال: «قوله العوام» الحادثة عام لكل ما يصدر أو يحصل في المجتمع من قول، من فعل، من حال، فيسأل العلماء، فيتكلمون فيه، إذا أجمعوا هذا إجماع. قال: «قوله العوام» هم غير العلماء. وعلل بعضهم بأنهم ليسوا من أهل الاجتهاد، فلا عبرة بقولهم، كالصبي والمجنون؛ لماذا؟ لأنهم ليسوا من أهل الاجتهاد. لذا بعض أهل العلم يعني عرفه بقول: «علماء»، ومنهم من عرفه: «مجتهدين»، قال: «اتفاق مجتهدين هذه الأمة»، فخرج العوام، وخرج المقلدون؛ لأن المقلد ليس بعالم بإجماع، واضح. ومن باب أولى العام، ومن باب أولى العام. قال: «قوله الفقهاء» وهم المجتهدون. قال: «الشرعية المنسوبة إلى الشرح؛ لأخذ حكمها منه ولو بطريق القياس»، نعم. يعني أخذ الحكم يكون من كتاب الله جل وعلا، إما نصًا، وإما ظاهرا، وإما استنباطًا، وإما بواسطة ماذا؟ القياسات. قال: «فيها» أي في شأنها، وإن بسببها أو عليها، أي على حكمها. وقد يبحث في كلامه بأنه يقصد أنه إذا لم يوجد إلا ثلاثة، فإجماعهم معتبر، لخلاف ما إذا لو كانوا ألفًا وأجمعوا إلا واحد، فإنه لا يعتبر؛ لماذا؟ لأن مخالفة الواحد معتبر على الصحيح. وإلا فإن بعض الأئمة رحمهم الله تعالى لا يعتبرون خلاف الواحد، ولا خلاف الاثنين، بل يقول: هو شاذ، يقول: «شاذ»، ولا عبرة بالشاذ. ومن هؤلاء ابن جزي الغرناطي رحمه الله، ربما نقل إجماعًا ثم يقول: «وشذ فلان وفلان» فقال: كذا وكذا، بعد أن ينقل الإجماع يقول: «وشذ فلان»، أو يقول: «وشذ فلان وفلان»، فهذا الشاذ من مخالف الإجماع إذا كان واحدًا أو ثلاثة غير معتبر، قوله: «شاذ»، فلا يلتفت إليه. لكن الصواب أنه ما دام أنه من مجتهدي الأمة، وقال قولًا له وجه من النظر، وحظه من النظر، فإن قوله معتبر؛ من حيث القول لا من حيث الحجة، من حيث القول لا يقال بأنه شاذ، لكن ينظر: إن وافق الدليل أخذ به، وإن خالف الدليل ماذا؟ فالعبرة بالدليل، لكن ينقض الإجماع، ينقض الإجماع، لا نقول: «إجماع»؛ لماذا؟ نقول: لأنه خالف فلان وفلان. قال: «قوله حجة» قال: «فيجب الأخذ به»؛ لماذا؟ معنى حجة؟ حجة يجب الأخذ به، كما يجب الأخذ بكتاب الله جل وعلا، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وإن كانت حجية الإجماع دون حجية الكتاب والسنة؛ لأن الإجماع قائم على ماذا؟ على الدليل. لا إجماع صحيح إلا وهو قائم على كتاب الله جل وعلا، أو على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن من الناس من يقف على الدليل الذي استند عليه الإجماع، ومنهم من لا يقف على ذلك، فيكتفي بنقل الإجماع. كما أن إنسان ربما نقل الحجة في مسألة ما بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتكون له حجة أخرى في كتاب الله جل وعلا، فهو من باب تنوع وتكثير ماذا؟ الأدلة، والكل حجة. قال: «قوله دون غيرها» فلا يكون حجة في حق أحد من هذه الأمة. وحيل: إنهم حجة، بناء على أن شرعهم شرع لنا إن لم يخالف شرعنا. طيب شرعهم شرع لنا إن لم يخالف شرعنا، على الصحيح. أما إذا خالف شرعنا فليس بشرع لنا. وقوله رحمه الله تعالى: «وأجمعت هذه الأمة حجة دون غيرها» لما حصل من الأمم السابقة أنها ربما أجمعت على الباطل، كما أجمعوا على أن عيسى صلب، كما فعل النصارى في إجماعهم على أن عيسى صلب. وكما أجمعت اليهود على أشياء كثيرة لا أصل لها. كذلك الأدلة تدل على هذا المعنى: أن الأمة هذه معصومة عن إيش؟ عن الزلل، «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، بهذا اللفظ لم يصح، لكن جاء بنحوه، ومعنى من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند الحاكم بنحوه هذا اللفظ، وإسناده صحيح، وهو في الصحيح المسند لشيخنا رحمه الله. قال: «قوله على ضلالة» هي باطل، والمعنى أنه لا يقع اجتماعهم على الباطل، لا عمدًا ولا خطأ؛ فنفي الضلال عن اجتماع مستلزم؛ لأنه حق يكون حجة. وإضافة الأمة إليه تشعر بأفْراج غيرهم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت.

شاركنا على