كتاب المعاملات 7

الدرس في كتاب المعاملات 7، ألقاها

تحريم البيع على بيع الغير

نهى الشرع عن بيع المسلم على بيع أخيه، ويكون ذلك في فترة الخيار قبل التفرق. كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البيع على بيع الغير والسوم على سومه إذا حصل التراكم بين البائع والمشتري.

استثناءات وضوابط في البيوع

بينما يجوز بيع المزاد لعدم وجود تراكم بين البائع والمشتري. القاعدة العامة في المعاملات تحريم كل ما يورث العداوة والبغضاء بين المسلمين.

تحريم بيع العينة وتطبيقاته

بيع العينة هو نوع من البيوع المحرمة لأنه حيلة على الربا، حيث يتم بيع سلعة لشخص بثمن مؤجل ثم يشتريها البائع بثمن أقل نقدًا. يُحذر من هذا النوع من البيوع لأنه يؤدي إلى الربا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. مر معنا في الدرس الماضي الكلام على المسألة السادسة، وهي في الكلام على البيوع المنهي عنها. وكان آخر ما أخذناه أنه ينهى عن البيع لمن يستعين به على معصية الله جل وعلا، وإن كان ذلك المبيع في أصله مباحًا. والعبرة في ذلك بالعلم أو بغلبة الظن، ولو بالقرائن. هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة؛ أي أن الإنسان ينظر إلى ذلك الذي يريد شراء تلك السلعة، فإن ظهرت عليه قرائن أو علم بأنه لا يستخدمها إلا في معصية الله جل وعلا، فإن ذلك البيع لا يجوز، ولا يصح ذلك البيع؛ للقاعدة العامة في قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. الثالث: بيع المسلم على بيع أخيه؛ أي من البيوع المنهي عنها بيع المسلم على بيع أخيه. مثاله: أن يقول لمن اشترى شيئًا بعشرة: «أنا أبيعك مثله بأرخص منه، أو أبيعك أحسن منه بنفس الثمن». لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولا يبع بعضكم على بيع بعض». والحديث متفق عليه. والمسألة -كما ذكر- «لا يبع بعضكم على بيع أخيه» قد تتصور أو قد يقول قائل: قد مر معنا أن البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فكيف يبيع الشخص على بيع أخيه؟ بمعنى أنهم إذا تفرقا قد تم البيع ولزم كل واحد منهما ما التزم به. فكيف يصح بيع الأخ على بيع أخيه؟ أجاب العلماء رحمهم الله تعالى عن ذلك بأن صورة البيع على البيع أن يكون ذلك في فترة الخيار؛ أي أن يكون ذلك في فترة الخيار. لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا». يعني مثال ذلك: دخل إنسان إلى صاحب دكان، قال له: أريد السلعة الفلانية، كم ثمنها؟ قال: ثمنها مئة ريال. دفع له المئة الريال وأخذ السلعة، ما زال في المكان نفسه. يأتي إنسان آخر يقول له: ردها، أنا سأبيعك بتسعين ريالًا. أو سيقول: عندي أفضل منه بمئة ريال. هذا هو الذي نهى عنه الشرع؛ أي أن يكون في فترة ماذا؟ في فترة الخيار. أما إذا قد تفرقا فالأمر واضح؛ أي أن المشتري لا يلزم أن يرد السلعة، والبائع لا يلزمه أن يرد الثمن. وكما سيأتي معنى كذلك في الأمر الرابع، وهو قولهم: الشراء على الشراء. مثاله: أن يقول لمن باع شيئًا: افسخ البيع، وأنا أشتريه منك بأكثر. يعني الآن الصورة الأولى أن يكون خطاب مع من؟ مع المشتري. والصورة الثانية أن يكون خطاب مع من؟ مع البائع. بعد أن اتفق البائع والمشتري على الثمن. وهذه الصورة داخلة في النهي الوارد في الحديث السابق؛ أي في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا يبع بعضكم على بيع بعض». لأن البيع -كما مر معنا- من الألفاظ المشتركة؛ أي يطلق البيع على البيع، ويطلق البيع كذلك على الشراء. فيدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يبع بعضكم على بيع بعض» البيع، ويدخل فيه كذلك الشراء. وكذلك الصورة كالصورة الأولى؛ أي في مدة الخيار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا». وها هنا مسألة ثالثة، متعلقة بهذه المسألة، وهي ما جاء في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ولا يسم بعضكم على سوم أخيه». ما معنى «يسم»؟ يعني لا يساوم في السلعة بعد سوم أخيه. العلماء رحمهم الله تعالى ذكروا أن المنهي عنه أن صورة المنهي عنه -أي السوم على السوم- هذا إذا حصل التراكن بين البائع والمشتري. مثلا: المشتري يأتي البائع فيقول له: بكم هذا الكتاب؟ فيقول له: مثلا بمئة ريال. يقول له: يا أخي غالي، رخص. فيقول: بخمسة وتسعين ريال. لا، يا أخي غالي، رخص. فيقول: بتسعين ريال. فالمشتري عندما يأتي بتسعين ريال يبدأ يقلب الكتاب وينظر. في هذه الحالة يحصل مثل إيش؟ شبه ركون. قد رضي بماذا؟ بذلك الثمن. يأتي إنسان ثالث فيقول: أنا أشتريه منك بخمسة وتسعين ريال. هذا طبعًا إذا كان كتبًا كثيرًا. أما إذا كان المجال مفتوحًا، ما زالت السلعة قائمة: بكم هذه السلعة؟ قال: بعشرين ألفًا. جاء إنسان آخر أو ثالث: بكم تبيعها؟ ما استقر السعر. له أن يدخل فيها. وهناك مسألة وصورة ثالثة، وهي بيع ما يسمونه ببيع المزاد. يأتي صاحب السيارة يقول: هذه السيارة للبيع، من يزيد في ثمنها أبيعها له؟ فيقول أحدهم: أنا أدفع فيها خمسة عشر ألفًا. يقول المشتري أو البائع: من يزيد؟ فيقول آخر: وخمسمائة. يقول: من يزيد؟ فيقول الثالث: وخمسمائة. وهكذا. فمثل هذا يسمى بيع المزاد. الصحيح من أقوال أهل العلم أنه يجوز؛ أي يجوز أن يحصل السوم والتزايد. هذا يزيد، وهذا يزيد، وهذا يزيد. لماذا؟ لأنه ما حصل تراكم بين البائع والمشتري؛ بل البائع ما زال يطلب الزيادة. فالحاصل أن مثل هذه الصورة جائز، وهو ما يسميه الفقهاء ببيع المزايدة. وأما السوم على السوم، فصورته عند حصول التراكم. وأما البيع على البيع، فعند حصول البيع في فترة إيش؟ في فترة الخيار. إذن عندنا الثلاث صور: البيع على البيع والشراء على الشراء، هذا متى؟ في فترة الخيار، هذا لا يجوز. والسوم على السوم لا يجوز إذا حصل التراكم بين البائع والمشتري. الصورة الثالثة: مسألة المزايدة: من يزيد؟ من يزيد؟ فمثل هذا جائز حتى يستقر الثمن. ثم ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في هذا الباب قاعدة عامة في جميع المعاملات؛ وهي أن كل ما أورث العداوة والبغضاء بين المسلمين فإنه محرم. استدل العلماء رحمهم الله تعالى على هذه القاعدة بالتعليل الذي ذكره الله جل وعلا في تحريم الخمر والميسر؛ فإن الله جل وعلا بعد أن ذكر حرمة الخمر والميسر قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾. إذا من التعليل الذي علل الله جل وعلا به حكم تحريم الخمر والميسر هو حصول العداوة والبغضاء. والشريعة أمرت بالتحاب والتواد بين أهل الإسلام؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «لا تدخل الجنة حتى تحاب». والذي نفسه بيده: «لن يدخل أحدكم الجنة حتى تحاب». وجاء في حديث أنس في الصحيحين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». إذن كل طريق أو كل معاملة كانت سببًا لحصول البغضاء والعداوة بين أهل الإسلام فإنها ماذا؟ فإنها تحرم. الأمر الخامس: بيع العينة. وصورته: أن يبيع شخص سلعة لآخر بثمن معلوم إلى أجل، ثم يشتريها منه البائع بثمن حاضر أقل. وفي نهاية الأجل يدفع المشتري الثمن الأول. كأن يبيع أرضًا بخمسين ألفًا يدفعها بعد سنة، ثم يشتريها البائع منه بأربعين ألفًا، ويبقى في ذمة المشتري الخمسون ألفًا يدفعها على رأس السنة. وسميت عينة؛ لأن المشتري يأخذ مكان السلعة عينًا -أي نقدًا حاضرًا-. قال: وحرم هذا البيع؛ لأنه حيلة يتوصل بها إلى الربا. فعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا يرفعه حتى ترجعوا إلى دينكم». صورة بيع العينة -كما ذكر في المثال- يأتي إنسان محتاج إلى مال إلى التاجر، يقول له: أقرضني خمسين ألفًا. يقول: ما عندي. فيقول له التاجر: لكن أنا عندي فكرة سأتعاون معك بطريقة تنفعني. يقول له: كيف؟ يقول له: مثلا عندي هذه الأرضية، خذها بخمسين ألفًا لمدة سنة. سأكتبها عليك في الدفتر لمدة سنة. فيقول المشتري: قيد. يأخذ المشتري الأرضية، وسجل دين خمسين ألفًا لمدة سنة. المشتري -طبعًا الذي يأخذ الأرضية- هو من يريد المال. فيأخذ بعد أن يأخذ الأرضية يقول للبائع: ارجعها إليك. يقول له: تشتري مني الأرضية التي بعتها عليك بخمسين ألفًا بأربعين ألفًا. فيقول: نعم، باع. الآن خذ. يخرج من الصندوق أربعين ألفًا ويقول له: خذ أربعين ألفًا. هذا نوع من الربا، وهو ما سماه الفقهاء بربا العينة؛ لأن المشتري قصده العين -أي المال- ما يريد السلعة. فإذا هذا النوع من البيوع محرم؛ لماذا؟ محرم؛ لأن حقيقته أنه نوع من الربا. وكذلك في حيلة على الربا. والقاعدة عند العلماء: أن الحيلة على المحرم لا تزيد المحرم إلا حرمة. بمعنى أن رجلا لو أنه قال: أعطيك ألفين وخمسمائة إلى آخر الشهر بثلاثة آلاف. أيش حكم هذا؟ هذا ربا. واضح. وهو محرم. أشد منه أن يتحايل الإنسان على الربا؛ أن يتحايل الإنسان على الربا؛ فيأتي بهذه الصورة: أبيعك شيئًا، ثم أشتريه منك بماذا؟ بأرخص إلى أجل. فهذه صورة بيع العينة. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على