الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 295، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
سورة الضحى مكية وتعد أول سورة من قصار المفصل، وقد أقسم الله فيها بالضحى والليل، وكان النبي ﷺ يقرأها في صلاة العشاء. الرواية التي تذكر فتور الوحي وإرادة النبي ﷺ إلقاء نفسه من الجبل مرسلة وضعيفة الإسناد ولا تصح.
نزلت السورة تسلية للنبي ﷺ بعد فتور الوحي ليلتين أو ثلاث وتعيير أم جميل، مؤكدة محبة الله له ووعده بإعطائه حتى يرضى. استعرضت الآيات منن الله بآوائه يتيماً وهدايته ضالاً وإغنائه عائلا، مبينة أن الضلال المقصود هو عدم معرفة الشرع المحدد لا الشرك.
يشرح المقطع كيف طهر الله نبيه وآواه يتيماً وهداه ضالاً وأغناه عائلاً، مبيناً أن الغنى المقصود هو غنى النفس بالإيمان والمحبة لا غنى المال، بدليل فقر النبي وموت درعه مرهونة. ثم يفسر القسم بالضحى والليل إذا سجى، موضحاً أن الضحى وقت شدة ضوء النهار، والليل إذا سجى يعني إذا غطى النهار بأظلمته.
يفسر المقطع كلمة الضحى بأنها النهار كله عند بعض العلماء مثل الفراء، ويفسر الليل إذا سجى بأنه أظلم وسكن. يتناول معنى عائلًا بأنه فقير، ويذكر قراءة ابن مسعود (دوعيلًا)، مؤكداً أن الغنى المذكور هو غنى الرضا والإيمان لا المال.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: سورة الضحى، وتسمى سورة الضحى، وتسمى أيضًا في المصاحف سورة الضحى. أن الله عز وجل قد أقسم بالضحى، والضحى هو الوقت الذي يكون بعد طلوع الشمس قدر رمح فما فوقها، يكون قبل الزوال، فهذا وقت الضحى. فأقسم الله عز وجل به: ﴿ وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾. وهذه سورة الضحى تعتبر مكية باتفاق العلماء، وهي أول سورة من صغار المفصل التي اصطلح عليها العلماء. المفصل انقسم إلى ثلاثة أقسام: والمفصل من قاف إلى الناس، وقيل من الحجرات إلى الناس، وهو مقسم إلى ثلاث أقسام: طوال المفصل، وأواسط المفصل، وقصار المفصل. فطوال المفصل إلى ﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴾، وأواسطها إلى الضحى، فالضحى تعتبر من أواسط المفصل، وقصار: أول سورة في قصار. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ بها في صلاة العشاء، وجاء في رواية أيضًا في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: «اقرأ: ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾، و﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ﴾، والضحى، ونحوها من السور». فكان النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا يقرأ بها. وهذه السورة كما سيأتي في الأحاديث نزلت بعد فترة يسيرة من الوحي، وليس فترة كثيرة كما يدل عليه بعض الأحاديث، أو حديث الزهري لما ذكر صفة... أو ذكر حديث عائشة في الوحي. لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ثم فتر الوحي». أي: الزهري يقول: ثم فتر الوحي، ولم يسنده عن عروة، وعن عائشة، وإنما قاله مرسلًا، فقال: ثم فتر الوحي حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يهم أن يتردى من الجبل، يذهب إلى الجبل يهم أن يسقط من الجبل لما يجد في نفسه وفي صدره من تأخر جبريل عنه. لكن هذا الكلام غير صحيح، ولم يثبت بإسناد صحيح، وإنما هو من كلام من مراسيل الزهري، ومراسيله من أضعف المراسيل. والصحيح هذا الذي جاء في حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه الذي سيأتي إن شاء الله: وأن الوحي فتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ليلتين أو ثلاث، حتى قالت تلك المرأة القبيحة التي بشرها الله بالنار، التي قال لها: أم جميل زوجة أبي لهب: «ما أرى ربك إلا قد قلاك». فأنزل الله عز وجل هذه السورة: ﴿ وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾، مسليًا بها نبي الله صلى الله عليه وسلم. ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾، ﴿ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾: الآخرة خير لك من الأولى، أي: الدنيا. ثم قال ربنا جل وعلا مما يبين محبته لنبيه صلى الله عليه وسلم، بل شدة المحبة: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾. وهذه الآية عظيمة تدل على محبة الله عز وجل لنبيه، وأنه سيعطيه حتى يرضيه. لكن قد قدم له أن الآخرة خير لهم من الدنيا: ﴿ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾، أي: حتى ترضى. ثم منّ الله عز وجل على نبيه بمنن عظيمة، ومن باب تذكرة نبيه وتسليته، وأنه معه ولن يتركه أبدًا ولن يغضب عليه، فقال جل وعلا: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾. كيف يتركك بعد ذلك وقد كنت يتيمًا فآواك الله، وكنت ضالًا... أي: لا تعرف هذه الطريق، لا تعرف طريق هذه التي أرادها الله عز وجل، وليس المراد التوحيد، وإلا فالنبي عليه الصلاة والسلام كان قبل بعثته من أهل التوحيد، لم يمس صنمًا كما جاء في حديث زيد بن حارثة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه أن يمس الأصنام فمسها، كان ينهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته، فكيف بعبادتها؟ فلم يعبد النبي عليه الصلاة والسلام صنمًا أبدًا. ربنا جل وعلا طهره من هذا، فقال جل وعلا: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ﴾، أي: هداك إلى الطريق الصحيح، أو هذه الشريعة، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾. فالنبي عليه الصلاة والسلام ما كان يدري ما الإيمان وما الكتاب حتى أرسله الله عز وجل، وهذا هو الضلال الذي أراده في هذه الآية. ﴿ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾: أغناك، أي: بعد فقرك. الغنى هنا غنى النفس، والغنى الذي يحصل بمرضات الله جل وعلا وبما يكون من الإيمان في قلب العبد، وليس المراد هنا الغنى غنى الأموال، فإن النبي عليه الصلاة والسلام عاش فقيرًا ومات عليه الصلاة والسلام وهو فقير، أي: وهو مسكين، ليس عنده إلا كفايته، أو ما يكفي حتى مات عليه الصلاة والسلام، ودرعه مرهونة عند يهودي على خبز شعير. فلهذا فالمراد بالغنى هنا غنى النفس بعد فقرها وبعدها عن الله، فأغناها الله عز وجل بمحبته وبإيمانه به سبحانه وتعالى. أغنى نفس نبيه عليه الصلاة والسلام، بل حتى أغناه أحيانًا من الطعام والشراب: «إني أبيت يطعمني ربي ويسقين»، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. قال العلماء، كما ذكر النووي رحمه الله: أنه ليس يطعمه بالطعام والشراب، وإنما يطعمه بما يكون به من إيمان، وكذلك وحي ومحبة وأنس، فبذلك ينسى نبينا عليه الصلاة والسلام الطعام والشراب، فيبقى الليالي لا يأكل ولا يشرب. طيب، قال: ﴿ وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾. وقال مجاهد: إذا سجى: استوى. ﴿ وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾. وقال غيره: أي: أظلم وغطى النهار. أقسم بالضحى لأنه شدة النهار، وشدة ضوء النهار يكون في الضحى، ولأنه ضوء، وتكون الشمس ليست فيها شعاع يهيج، فيرى الإنسان في الصحو بعد طلوع الشمس يرى الأشياء أكثر من عند مثلا زوال الشمس. فذكر الضحى، ثم ذكر الليل إذا غطى هذا النهار: ﴿ وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾، إذا غطى، غطى النهار، فجاء الظلام. وهذه آية عظيمة، ولهذا بعض العلم فسر هنا الضحى ليس بهذه الفترة فقط، فسره بالنهار كله، كما ذكر الحافظ وغيره عن الفراء أنه قال: الضحى: النهار كله، ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾: إذا أظلم. ويقال: سجى، أي: سكن. بحر ساج: أي ساكن. فكأن الليل يسكن وتهدأ الأصوات في ذلك الليل. وقال: وقال غيره: سجى: أظلم وسكن. وقال: عائلًا: دوْعِيل. لم يجدك عائلًا هنا فسرها دوْعِيل، وهو قول بعبيدة، وإلا المشهور: عائلًا، أي: فقيرًا، كما قال الفراء وغيره. وبل جاء في مصحف عبد الله بن مسعود: ﴿ وَوَجَدَكَ دَوْعِيلًا فَأَغْنَى ﴾. أي: أغناه برضاه وبإيمانه به وبمحبته في قلب النبي عليه الصلاة والسلام، لا بكثرة المال. طيب، هذا ما يخذ إن شاء الله لحديث... نتركها لدرس لاحق.