كتاب المعاملات 22

الدرس في كتاب المعاملات 22، ألقاها

مفهوم الحوالة وعلاقتها بالحوالات المصرفية

تناول الشرح مفهوم الحوالة وانتقال الحق من ذمة المحيل إلى المحال عليه، كما تطرق إلى الحوالات المصرفية المعاصرة كصورة من صور الحوالة. هذه الحوالات تستخدم لسداد مبالغ نقدية في جهات أخرى مقابل عمولة.

شروط الحوالة المالية بين عملات مختلفة وآراء العلماء

يتناول هذا الفصل شروط الحوالة المالية بين عملات مختلفة، ويشرح آراء العلماء في مسائل الصرف والحوالات بين عملات مختلفة. كما يبين الحالات المختلفة للحوالات ومدى جوازها شرعاً.

حكم الصرف والسفتجة والمعاملات المالية بين البلدان

يشرح هذا الفصل حكم الصرف دون تقابض والسفتجة، ويبين جواز المعاملات المالية بين البلدان إذا كانت تنفع الطرفين دون ضرر. كما يضرب أمثلة بالشيكات في البنوك والشركات المالية.

  • 17 جمادى الأولى 1434هـ - 28/03/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، ما زلنا في الباب السادس في مسائل الحوالة، وتوقفنا عند قولهم: واهترتب على انعقاد الحوالة الصحيحة حسب ما ذكر انتقال الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال، أي تبرأ ذمة المحيل. وهذا على قول جمهور أهل العلم، يعني كما مثلنا في الدرس الماضي: أنا استدنت من عمر مائة ألف لمدة شهر، فجاء أو قادنا الوقت والأجل، فجاء عمر فقال: الأجل قريب، الأجل قريب، يعني كأنه يقول: تهيّأ وهيّئ نفسك لسداد ما عليك من الدين. وأنا قد أقرضت مثلا أحمد مائة ألف، وكذلك لمدة شهر، فلما جاءني عمر قلت له: اذهب إلى أحمد وخذ مالك منه. وأحمد علم بذلك الأمر وقال: مالك عندي، تأتي عند الأجل وتأخذ مالك مني. ففي هذه الحالة إذا حصلت الحوالة إلى مليء، تكون المطالبة من المحال عليه، يعني أنا ما علي شيء، يبقى عمر يطلب الحق من أحمد، لماذا؟ لأنه أحيل إليه بدين عليه وهو مليء، وكذلك كان قد قبل تلك الحوالة. وهذا كما سمعتم على قول جماهير العلماء، هناك خلاف يسير، لأن بعض العلماء قالوا: إذا كان أحمد حصل له أمر أو ما أعطى أو ما وفى، بأن عمر يرجع إلى صاحب الدين الأول. لكن الصحيح ما سمعتموه، ويدل عليه الحديث: «من أحيل على مليء فليتبع»، أي يتبع حقه من ذلك الذي أحيل إليه. وهذا بخلاف الضمان، فإن الضمان سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا، تكون المطالبة بالحق من الضمين وممن ضمنه، قسيت الكلام عليها بعد باب بإذن الله عز وجل. فالحاصل أن ذمة المحال تبرأ، ويبقى الحق على أو في ذمة المحال عليه، وهذا كما سمعتم إن كان مليئا. أما إذا كان غير مليء، كان مفلسا، فإن الحق باق على المحال أو على المحيل. قالوا: ومن الصور المعاصرة للحوالة الحوالة المصرفية، قالوا: وهي وسيلة لسداد مبالغ نقدية مقابل تسديد مقابلها في جهة أخرى. وصورتها أن يقوم الشخص بدفع مبلغ نقدي إلى بنك من البنوك، طالبا منه سداد قيمة هذا المبلغ لشخص آخر في بلد آخر، نظير عمولة يتقاضاها البنك. أي هذا يقول: النظير ما يكون من الحوالات في هذه الأيام، سواء كانت الحوالات البنكية أو الشركات التي تعمل في هذه الأعمال، أي في أعمال الحوالة، وهي معلومة وهي ظاهرة وهي شهيرة. يأتي الإنسان عنده مال يريد أن يوصل ذلك المال إلى بلد آخر، لا يستطيع أن يرسله مع أحد لأمر أو لآخر، فجاءت هذه الحوالات فيسرت على الناس هذا الأمر، وفيها مصلحة للطرفين: فيها مصلحة لمن يحول المال في أن ماله يبقى محفوظا مضمونا إلى أن يصل إلى المكان الذي أراد أن يحول إليه المال، وفي مصلحة كذلك للبنك أو لصاحب الحوالة شركة الحوالة، باعتبار ما يجدونه من المقابل مقابل تلك الحوالات، فيحصل نفع للطرفين. والأصل في هذه المعاملات والأصل في باب المعاملات الأصل فيها الحل، إلا أن يترتب عليها محظور أو تقع في محظور، فإنها تحرم لهذا المعنى. فلهذا العلماء المعاصرون والذين حصلت هذه القضية وهم أحياء، وقد مات منهم من مات، رحمهم الله تعالى، مطبقون على جواز هذا النوع من المعاملة، أي المعاملة بنظام الحوالة عبر البنك أو عبر شركات الحوالة بالطرق المعروفة المشهورة. يأتي إنسان إلى صاحب حوالة حوالة، فيعطيه مبلغا من المال مثلا باليمني، ويحولها مثلا من حضرموت إلى صنعاء، يستلمها الآخر في صنعاء نفس المبلغ، يحول له عشرة آلاف، يستلمها الآخر عشرة آلاف، وذاك يعطيه عمولة الحوالة، فهذا جائز، وفيه المعنى المذكور أنها داخل في معنى الحوالة التي نحن اليوم في صددها. لكن ها هنا بعض المسائل نبه عليها العلماء، منها أن العلماء رحمهم الله تعالى أو طائفة من العلماء رحمهم الله تعالى اشترطوا في هذا النوع من المعاملة أن يكون أن تكون تلك الحوالة بنفس النقد الذي سلم، أي تكون الحوالة بنفس نوع العملة التي أعطي لها البنك. فإذا مثلا أعطاهم بالريال السعودي، يحولها ويستلمها الطرف الآخر الذي حول إليه هذه الحوالة بالريال السعودي، إذا كان بعملة أخرى كذلك بنفس تلك العملة الأخرى. إلا أن بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى قالوا: إذا كان في البلد الأخرى قد لا ينتفع بتلك العملة، أو لا يسلم له العملة الأخرى، وهذا موجود. بعض المصارف يقول له: هذا مثلا دينار كويتي أرسله إلى اليمن، يقول: ما عندنا دينار، سأرسله لك بماذا؟ باليمني، عندنا المصارف هناك باليمني. طيب حول إلي بالسعودي، يقول: لا، إذا تريد سعودي اذهب إلى مكان كذا وكذا، المهم في مشقة. فمثل هذا هل له أن يحوله من عملة إلى العملة الأخرى؟ العلماء رحمهم الله تعالى ذكروا لهذه المسألة ثلاث حالات. الحالة الأولى: أن يحصل الصرف في المجلس، يأتي فيعطيه مثلا الدينار، يقول له: هذه مثلا مئة دينار كويتي، فيقول له: قيمتها باليمني مثلا عشرة آلاف يمني، يصرفها مباشرة، ثم يحولها باليمني، فتحول عشرة آلاف يمنية، هذه صورة جائزة واضحة لا غبار عليها. الصورة الثانية: أن يكون الذي حول إليه يأتيه تأتي العملة بالدينار الكويتي مثلا في اليمن بالدينار الكويتي، لكن يقول: حولها إلي وأصرفها لي باليمني، هذه كذلك جائزة، لماذا؟ لأنه لما قد وصل واستلم، له أن يحول ويحصل منه الصرف في المجلس الواحد. بقيت صورة ثالثة وهي التي فيها إشكال، وهي أن يحول له من مثلا الكويت بالدينار الكويتي إلى اليمن بالريال اليمني، يعني يسلمها بعملة بنوع وتصل بعملة أخرى بنوع آخر. هذه المسألة قال علماء رحمهم الله تعالى: إن كتب له في الشيك الذي يستلمه، في السند الذي يستلمه، في الورقة التي يستلمها، كتب له: استلمت منك مثلا عشرة أو مئة دينار كويتي، ويسجل في الورقة يعني يصرفها له، لكن لا يصرفها بمقابل مبلغ بمبلغ، ولكن بشيك، يعني يقول: كم تسوى مئة دينار؟ يقول: تسوى عشرة آلاف يمني، يعني عشرة آلاف ريال يمنية مثلا، فيقول له: سأسجل لك ورقة سند على أني استلمت منك عشرة آلاف يمنية، وصاحبك في اليمن سيستلمها عشرة آلاف يمنية. واضح هذا، جماعة عملة يسلمه مئة دينار ويحصل الصرف، لكن ليس صرف عملة بعملة، صرف عملة بسند. واضح يا أخوة، عملة هذه الصورة كذلك قالوا: جائزة، لأن السند قالوا: ينزل منزلة العملة، قالوا: بل هو أظهر في مسألة الحوالة، هو أظهر في مسألة الحوالة. وهذه الصورة أجازتها اللجنة الدائمة برئاسة العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله تعالى. وها هنا صورة رابعة وحالة رابعة، إذا كان المصرف سواء كان بنكا أو كانت شركة أو ما شابه ذلك، يقول: ما سنسجل لك في السند مبلغ يمني، لكن ستستلمه هناك باليمني. واضح جماعة أم لا؟ ها هنا إشكال أم لا إشكال؟ يعني في الصورة الأولى نزلنا السند منزلة ماذا؟ منزلة المال، كأنه شيك، الشيك نزلناه منزلة ماذا؟ العملة. لكن الآن الشركة تقول ماذا؟ أو البنك يقول ماذا؟ يقول: أنا ما سأعطيك أني استلمت منك باليمني، لأني ما استلمت منك باليمني، سأعطيك أني استلمت منك عشرة أو مئة دينار كويتي، لكن أنت ستستلمه في اليمن أو صاحبك أو وكيلك سيستلمه في اليمن بعشرة آلاف يمني. واضح جماعة عملاء، يعني مسجل عنده كم؟ عشر الدنانير، استلمنا عشر الدنانير وسنحولها إلى اليمن، يحولها إلى اليمن، يستلمها بماذا؟ باليمني. واضح جماعة عملاء، الآن حصل صرف دون أن يحصل تقابض، والأصل في هذه الصورة أنها محرمة، لأنه يشترط في الصرف التقابض، لعموم قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ﴿فإذا اختلفت هذه الأنواع فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد﴾، إذا كان يدا بيد يجوز الإنسان أن يصرف اليمني بالسعودي، لكن لابد أن يكون ماذا؟ يدا بيد. أما إذا لم يكن يدا بيد فإنه ماذا؟ فإنه لا يجوز. لكن بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى وغفر الله لهم قالوا: إذا كان في بلد لا يتعاملون إلا بهذه المعاملة، ولا يستطيعوا أن يستقبل مالا أو أن يحول مالا إلا بهذه الطريقة، ووصل إلى حال الضرورة، قالوا: إذا وصل إلى هذه الحال له أن يتعامل إذا كان إذا وصل في حال ماذا؟ الضرورة. وقول علماء: وصل إلى حال ضرورة، يبين أن الأصل الحرمة، الأصل أنها ماذا؟ الحرمة. لكن إن اضطر، ما وجد مصرفا، ما وجد مكانا، واحتاج إلى المال، ليس عنده مال، وإذا أرسل له أهل بلده ما سيستلمها إلا بعملة أخرى، فها هنا قالوا: يكون حكم حكم المضطر، وللضرورة أحكام. وبهذا أفتى العلامة العثيمين رحمه الله تعالى، وبهذه الصورة الأخيرة أفتى، هناك فتوى للعلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى عند الإضطرار. قالوا: السفتجة، والسفتجة تقال بضم السين، سفتجة، وسفتجة بفتحها. قالوا: وهي مما يلحق بالحوالة أيضا، أي ما هو صورتها؟ صورتها قالوا: وهي عبارة عن كتاب أو رقعة، هو عبارة عن كتاب أو رقعة يكتبها المستقرض للمقرض أو نائبه إلى نائبه في بلد آخر، ليوفيه المقرض أو أن يقرض إنسان آخر قرضا في بلد ليوفيه المقترض أو نائبه إلى المقرض أو نائبه في بلد آخر. فالورقة التي يكتبها المقترض بذلك تسمى سفتجة، وهي كلمة فارسية معربة. وقد منعها قوم، الصحيح جوازها، إذ فيها مصلحة لطرفين من غير ضرر على واحد منهما، ولا محظور شرعي. والشريعة تجيز مثل هذه المعاملات، أي التي فيها مصلحة للطرفين، وليس فيها إضرار بأحد الطرفين. والأصرف هي المعاملات الحل، يعني صورة هذه المسألة هي كمسألة الحوالات، لكن هذا كان في الزمن السابق، كان في الزمن السابق قبل أن يحصل التطور وأن يحصل الاتصالات وما شابه ذلك. كان الناس يتعاملون بالحوالات لكن بهذه الطريقة، بطريقة السفتجة. والسفتجة هي الورقة، ورقة التي يكتب فيها من استلم المال أنه استلم مال من فلان إلى فلان، وأنه حول نظير هذا المال لفلان إلى فلان ابن فلان في البلدة الأخرى. يعني مثال ذلك: يأتي إنسان تاجر اتجر في حضرموت، ها هنا عنده مال يريد أن يرجع مثلا إلى صنعاء أو إلى عدن، يقول: الطريق مثلا في قطاع، والطريق غير آمنة، إذا رجعت بمالي ربما يأخذ السراق المال الذي معي، فماذا كانوا يصنعون؟ كانوا يصنعون ينظرون إلى التجار الذين في حضرموت ممن عندهم تجارات أيضا في صنعاء مثلا، فيقول له أو يقول أحدهما للآخر: سأعطيك هذا المال، يعني مئة ألف مثلا، على أن أستلمه من وكيلك في صنعاء مئة ألف. يقول: طيب، لا، بس يقول له: سجل لي ورقة، سجل لي ورقة، هل الورقة هي تسمى ماذا؟ السفتجة، يسجل له ورقة: استلمت من فلان ابن فلان مبلغ من المال وقدره كذا وكذا وكذا، على أن يستلمهم من وكيل في البلد الفلانية. بمجرد أن يصل بمجرد أن يصل يكون معه المال بورقة. واضح جماعة، يكون معه بماذا؟ بورقة، أشبه ما يقال هذا الأيام بماذا؟ بالشيك. معه ورقة في الشيك، يذهب صنعاء يدخل البنك يستلم، يذهب إلى حضرموت يدخل البنك يستلم، يذهب إلى عدن يدخل البنك يستلم بوسطة بماذا؟ هذه الورقة. واضح جماعة عملا. وهذه الصورة كما سمعتم كان يتعامل فيها المتقدمون، وكما ترون فيها مصلحة للطرفين، يعني مصلحة للطرف هذا بحفظ ماله، قد يقال: الآخر ما مصلحته؟ الجواب: قد تكون عنده مصلحة باعتبار ماذا؟ قد يحتاج إلى مال في البلد هذا، وإذا ذهب إلى بلده وأرسل المال يحتاج إلى نفقة المال إلى نفقة الحوالة إلى المركوب إلى غير ذلك، فحصل نفع ومصلحة للطرفين، ولم يحصل ضرر لأحد الطرفين. والمعاملة إذا كانت كذلك فإنها ماذا؟ فإنها جائزة. وكما سمعتم هي اليوم مثل ماذا؟ مثل الشيكات التي يتعامل بها الناس في البنوك وفي الشركات المالية وما شابه ذلك. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على