كتاب المعاملات 39

الدرس في كتاب المعاملات 39، ألقاها

تحريم الاعتداء على الأموال ووجوب الضمان

يحرم الاعتداء على أموال الناس وأخذها بغير حق، ويجب الضمان في حالة الإتلاف سواء كان مباشرًا أو متسببًا. يُعد هذا الحكم أساسًا في حفظ حقوق الناس.

مسؤولية أصحاب المواشي عن حفظها وتجنب الإتلاف

يجب على أصحاب المواشي حفظها ليلاً لتجنب إتلاف أموال الناس وأرواحهم، ويتحملون التعويض في حالة الإهمال. يُستثنى النهار حيث تكون المسؤولية على أصحاب الأموال.

أحكام إتلاف الممتلكات والدفاع عن النفس

يتطرق إلى أحكام إتلاف الممتلكات وحق الدفاع عن النفس، مشيرًا إلى عدم الضمان عند قتل معتدي يدافع عن نفسه، وتناول أحكام إتلاف الممتلكات المحرمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. المسألة الرابعة من مسائل الباب الرابع عشر في الوديعة والإتلافات، المسألة الرابعة في الإتلافات. يحرم الاعتداء على أموال الناس وأخذها بغير حق، ومن اعتدى على مال غيره فأتلفه وكان هذا المال محترمًا فإنه يجب عليه الضمان. وكذلك من تسبب في إتلاف مال غيره بحل قيد أو بفتح باب أو نحو ذلك. هذه المسألة الرابعة التي في الإتلافات تحتها مباحث ومسائل، فأولًا قولهم: يحرم الاعتداء على أموال الناس. الناس ها هنا الألف واللام جنسية يدخل فيها جميع الناس، المسلم والكافر، إلا أن الألف واللام ها هنا من باب الشيء أو العهدية، والمقصود بالناس الناس المحترم مالهم، سواء كانوا كفارًا أو مسلمين. فإذن هي من باب أي الألف واللام من باب الألف واللام الجنسية المراد بها العهد، أي لأناس معهودين مالهم محترم، فلا يجوز الاعتداء على أموال هؤلاء ولا يجوز أخذها بغير حق. قولهم: أخذها بغير حق، فيه دلالة على أن الأخذ بحق جائز، ومنها أن يكون ذلك الأخذ بطريق شرعي ببيع وشراء أو بهبة أو بغير ذلك من أبواب الأخذ المأذون بها شرعًا. ومن اعتدى على مال غيره فأتلفه وكان هذا المال محترمًا، هذا كذلك قيد في المال الذي يحرمه الاعتداء عليه ويحرمه إتلافه، أن هذا المال يجب أن يكون محترمًا، بمعنى أنه إذا لم يكن محترمًا فلا بأس بأخذه وإتلافه وما شابه ذلك. إن احتيج إلى ذلك كمال الحرب في أرض المعركة، كمال الحرب في أرض المعركة فإنه ليس بمحترم فيجوز الاعتداء عليه ويجوز أخذه وإتلافه وما شابه ذلك. لكن القيد ها هنا في المال محترم، وهو مال المسلم أو مال الكافر المحترم ماله، وهم الذمي والمعاهد والمؤتمن أو المستأمن كما مر معنا في كتاب الجهاد. قالوا: فإنه يجب عليه الضمان، أي من أتلف مالًا محترمًا وجب عليه الضمان، وذلك من تسبب في إتلاف مال غيره، عي سواء كان مباشرًا لذلك الإتلاف كأن يحرق مال غيره أو أن يكون متسببًا في إتلاف مال غيره. لأن القاعدة عند العلماء أن المتسبب في الإتلاف كالمباشر. فلو أن رجلًا مثلًا حفر بئرًا في الليل في طريق يمر به الناس عادة ولم يجعل له ما يكون منبهًا للغير وحماية لذلك البئر، فوقع فيه إنسان فإنه يضمن. لماذا؟ لأنه متسبب في تلف ذلك الإنسان. أو وقع فيه دابة فإنه يضمن. لماذا؟ لأنه متسبب في ذلك التلف. وهكذا قل في نظائر هذه المسائل. ومنها هذا المذكور ها هنا فذكر: وكذلك من تسبب في إتلاف مال غيره بحل قيد، يعني كان يكون عند إنسان مثلًا بعير مقيد فيفك قيده فشرد ذلك البعير، هو ما دفع ولا نفر ذلك البعير، ولكنه كان متسببًا في نفوره بفك قيده، فهو ضامن، أي إن تلف ذلك البعير فقد ذلك البعير يكون ضامنًا. أو بفتح باب أو نحو ذلك، كذلك إن فتح بابًا كذلك مثل رجل عنده مواشي ففتح إنسان بابها فتلفت تلك المواشي، خرجت فضاعت تلفت، عدا عليها ذئب أو ما شابه ذلك فتلفت، هو يضمن. لماذا؟ أنه متسبب في إتلافها، والمتسبب في الإتلاف كالمباشر. قال: وإذا كان له مواشي وجب عليه حفظها في الليل من إفساد زروع الناس أو إفساد أنفسهم، فإن أهملها وحصل الفساد ضمن. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى على أهل الأموال حفظها بالنهار وأهل المواشي حفظها بالليل، وما أفسدت بالليل فإنه من مضمون، فإنه مضمون عليهم. لأن أموال المسلمين وأرواحهم محترمة فيحرم التعدي عليها أو التسبب في إفسادها أو هلاكها. هذا انتقال إلى حكم آخر من أحكام هذه المسألة، أي من مسائل التلافات، وهو أو وهي إذا كان عند إنسان مواش فيجب عليه أن يحفظ هذه المواش في الليل. أما في النهار فجرت العادة جرت عادة الناس أن المواش تسرح وتذهب وترعى في النهار، لكن مع رعيها ولو لم يكن معها راع كان صاحب المال موجودًا دفعها عن ماله وهكذا. فلذا كما سمعتم وكما جاء كذلك في الحديث الذي يحسن وجماعة من أهل العلم فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى على أهل الأموال حفظها بالنهار وأهل المواشي حفظها بالليل. فقال من قال من أهل العلم: أن هذه المواشي إن أطلقت في الليل فأفسدت أموال بعض الناس فإنهم يكونون ضامنين. وذكر كما يقال من المسائل التي تذكر وهي متعلقة بالمسائل العصرية ذكرها بعض أهل العلم، وهي لو أن إنسانًا له مواشي أو له إبلًا فجعلها مطلقة في الليل والنهار فتسببت في حصول حوادث من حوادث السيارات في الليل، بقرة أو غنمة أو بعير أو ما شابه ذلك إذا حصل بها أو منها حادث. فإنهم أولًا لا ضمان على من أتلفها، لا ضمان على من أتلف عين، لو أن إنسانًا كان عنده سيارة قوية فارتطمت سيارتهم بشاة صغيرة فماتت لا ضمان عليه. لماذا؟ لأن صاحب المال صاحب الأغنام يجب عليه حفظها في الليل. ولو أن إنسانًا كان عنده مثلًا إبل فاستضمت به سيارة فكان سببًا لإتلاف السيارة أو لإتلاف من في السيارة فإن صاحب الإبل يكون ضامنًا. صاحب الإبل يكون ضامنًا لأنه ما حفظها ليلًا فكانت سببًا في إتلاف أموال الناس بل في إتلاف كذلك أنفسهم فيكون ضامنًا. والقيد بالليل، لأن العادة جرت كما ذكر أن الناس في النهار يحفظون أموالهم ويحفظون مواشيهم. أي أن أصحاب المواشي يرعون أغنامهم وأصحاب الأموال في مزارعهم يحفظون مزارعهم، لكن إذا كان في الليل وقت الغفلة يحصل الفساد والإتلاف. لذا أمر هؤلاء أي أصحاب المواشي بحفظها حفاظًا على أموال الناس. وليس معنى هذا أنه إذا كان في النهار أطلقها تعثو وتعبث في أموال الناس وهو غافل عنها. ليس معناه هذا، وليس معناه كذلك إن كان عنده بعض المواشي أو بعض الدواب كإبل مثلًا عرف عنها بأنها من النوع المؤذي يعض أو عنده تيس معروف عنده بأنه ينطح فيطلقه في النهار فيؤذي إلى إفساد ينطح هذا وذاك عض هذا وما شابه ذلك. وآيات صاحب المواشي فيقول: لا ضمان عليه. لأن ما حصل كان في النهار. ليس كذلك، بل نص من نص من العلماء على أن إنسانًا على أن الإنسان لو كان يعلم أن في مواشيه أو في دوابه من كان مؤذيًا وضارًا على المسلمين بأنه يجب عليه أن يحفظه ليلًا ونهارًا. لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فالعل من حفظه المواشي ليلًا هو أن لا تفسد أموال الناس، ومن باب أولى أرواحهم. فكذلك إذا وجدت هذه العلة في النهار فإن الحكم يتبعها، أي إذا وجد في النهار أن إنسانًا له مواشي قد عرفوا بالإضرار بأموال الناس أو بالإضرار بأنفس الناس. عندهم كما سمعتم إبل من النوع الذي يعض أو عنده ثور ينطح فيقتل أو عنده تيس ينطح فيقتل أو ما شابه ذلك، فإنه يجب عليه أن يحفظه. فإن أطلقه وهو يعلم ذلك وأفسد فإنه يضمن. لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فمتى وجدت العلة وجد معها الحكم. والله أعلى وأعلم. الحكم الثالث من أحكام المذكورة في هذه المسألة قالوا: وصائل من الإنسان أو الحيوان، وصائل من الإنسان هو الذي يسطو على غيره عاديًا يريد نفسه أو عرضه أو ماله. وكذلك الصائل من الحيوان أي المعتدي على غيره معتدي على إنسان أو نحوه يسمى صائلًا. قالوا: وصائل من الإنسان أو الحيوان إذا لم يندفع إلا بالقتل فقتله فلا ضمان عليه. لأنه قتله دفعًا لأنه قتله دفاعًا عن نفسه. لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد»، إذا كان عن ماله فعن نفسه من باب أولى. لأن الحفاظ على النفس أوجب من الحفاظ على المال، فهذا الحديث فيه دلالة على هذا المعنى. والصحيح من أقوال أهل العلم أن دفع الصائل يكون بالأخف فالأعلى فالأعلى، أي أن إنسانًا لو صال عليه صائل فيبدأ بالأخف إن استطاع أن يدفعه بالشيء الخفيف اليسير فعل، فإن لم يندفع إلا بالأشد فعل، فإن لم يستطع إلا بالقتل فعل أن يجعل القتل آخر شيء. ثم إن قتله هل يضمن أو لا؟ كذلك هذه من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين العلماء، منهم من قال: يضمن، ومن أهل العلم من قال: لا يضمن، ومن أهل العلم من فصل فقال: يضمن في الظاهر وإن كانت ذمته بريئة في الباطن، أي فيما بينه وبين الله جل وعلا. وهذا القول قريب، وأقرب منه أن ينظر إلى القرائن فإن كانت القرائن تدل على أن ذلك الإنسان دفع ذلك الصائل الذي لم يستطع دفعه إلا بالقتل، كأن يكون هناك شهود شهدوا على ذلك وعلم أو علما من حاله ذلك أن يكون إنسان قد عرف بالتقى والأمانة والصدق وما شابه ذلك من قرائن عمل بها. لأن فتح هذا الباب على مصرعيه يؤدي إلى فتح باب شر، لأن أي إنسان سيقتل إنسان ويقول: أنا دفعت عن نفسي وهو صائل. ولو أغلق إلى الآخر كان فيه شيء من معنى المخالفة لقوله صلى الله عليه وسلم: «من قاتل دون نفسه» في رواية «دون ماله» هو شهيد. فأعدل الأقوال هو ما تقدم ذكره، فيما بينه وبين الله الأمر واضح، وفي الأمر الظاهر إن دلت قرينة على أنه كذلك أو كان هناك بينة فلا شيء عليه. والله تعالى أعلى وأعلم. ومن أتلف ما حرم الله كآلات اللهو والصليب وأواني الخمر وكتب الضلال والبدعة وأشرطة ومجلات المجون والخلاعة فإنه لا ضمان عليه. لماذا؟ لأنه لا حرمة لها، لأنها أموال غير محترمة شرعًا فإنه لا ضمان عليه. لكن لا يكون الإتلاف على إطلاقه، بل لا بد من تقييده بأمر الحاكم وتحت رقابته ضمانًا للمصلحة ودفعًا للمفسدة ودرءًا للفتن. وهذا القول هو الصواب في هذه المسألة، درءًا لأبواب الفساد والفتن، ولئلا يستشري الشر فيكون من باب درء، يعني إذا كان الأمر مفتوحًا لكل أحد قد يؤدي إلى الفساد العريض. لكن يقيد بماذا؟ يقيد بما ذكر هاهنا. وقاعدة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدور على قاعدة على القاعدة الكلية الكبرى: درء المفاسد أولى من جلب المصالح، وما تفرع عنها. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على