الدرس في كتاب الطهارة 15، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الحديث النبوي حول كيفية التعامل مع الذباب عند وقوعه في الشراب، ويبين معناه وتطبيقه الفقهي في طهارة الماء. يُفهم من الحديث أن أحد جناحي الذباب يحمل الداء والآخر الشفاء.
يناقش حكم تنجس الماء بالحشرات التي لا نفس لها سائلة مثل الذباب، ويستدل على طهارتها بحديث النبي. يُبين أن ميتة هذه الحشرات لا تنجس الماء أو الطعام.
يشرح حديث النبي حول الذباب وطريقة التعامل مع لسع العقرب أو الزنبور، ويبين أن هذا الطب يقيني وليس تجريبياً. يتناول آراء العلماء حول نجاسة الذباب وتأثير موته في الشراب.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. ما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء». أخرجه البخاري وأبو داود، وزاد: «وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء». فهذا الحديث أخرجه البخاري رحمه الله، كما ذكر المؤلف، من طريق إسماعيل بن جعفر، عن عتبة بن مسلم، عن عبيد بن حنين، عن أبي هريرة. وجاء أيضا عند ابن خزيمة، وابن حبان، وأحمد، وأبي داود، الذي فيه الزيادة: «وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء»، من طريق ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. فهو لا شك في صحته. وأيضا جاء من حديث ابن سعيد، من طريق ابن سلم، عن أبي سعيد، ومن طريق أيضا أنس، أو جاء عن أنس. قال شارح الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم»، وهو كما أسلفنا من أن الإضافة ملغاة، أي قول «أحدكم»، أي ليس المراد أنتم فقط، إنما أي أحد، كما في قوله: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم»، في لفظه: «في طعام أحدكم»، فليغمسه. ساد في رواة البخاري كله: «فليغمسه»، تأكيدا. وفي لفظ أبي داود: «فامقلوه». وفي لفظ ابن السكن: «فليمقله». هي بمعنى واحد: الغمس والمقل. وأيضا جاء في رواة البخاري في الأطعمة: «فليطرحه»، أي زيادة على هذه الألفاظ: «فليطرحه»، أو قال: أقصد «فليطرحه»، ثم لينزعه، أو قال: «ليغمسه ثم ليطرحه». يطرحه في الثانية، يطرحه معنى ينزعه. فليغمسه، وليمقله، أو فامقلوه، معنى أغمسوه. كله كما جاء في بعض الرواة: «فاغمسوه». كله في رواة البخاري في كتاب الطب قال: «فاغمسوه»، أو «فليغمسه كله»، أن الذباب كله يغمسه حتى يجعله كله في الشراب؛ لأنه يتقي بأحد جناحيه، لا يمسه. وجاء في رواية كما ذكر هنا في حديث: «في طعام أحدكم»، قال: «ثم لينزعه»، ثم إنه يمهل في نزعه بعد غمسه. فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر الشفاء. معنى لم يدل دليل على أنه يمهل، لكن يقتضيه سياقا لخوه أنه إذا غمسه حتى يكمل غمسه يخرجه؛ لأنه جاء بثم، ثم فيها شيء من التراخي. ثم لينزعه، ولم يقل معنى يقول إذا فليغمسه فينزعه، فإذا جاء بالفاء غالبا الفاء تفيد الترتيب والتعقيب، لكن ثم تفيد شيء من التراخي. ولهذا قال الشيخنا فيه: أنه يمهل في نزعه بعد غمسه حتى يتفرق الدواء فيخرج الداء. قال: «فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر الشفاء». قال: هذا تعليل للأمر بغمسه. ولفظ البخاري: «ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاء، وفي الآخر داء». وفي لفظ: «سم». قال: أخرجه البخاري وأبو داود، وزاد: «وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء». ورواية أبي داود هذه رواها من طريق أحمد بن حمد، عن بشر المفضل، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن ابن سعيد الخدري، أنا أقصد عن محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وهو إسناد حسن. محمد بن عجلان أقل ما يقال فيه: أنه حسن الحديث. قالوا: في لفظ «سم»، قالوا: عند أحمد بن ماجة أنه يقدم السم ويؤخر الشفاء. قالوا: الحديث دليل ظاهر على جواز قتله دفعا لضرره، وأنه يطرح ولا يؤكل، أي هو الذباب، يخرج من الشراب أو من الإناء. وأن الذباب إذا مات في ماء فإنه لا ينجسه، وهذا وجه الشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب، وهو أن الذباب وما كان مثله من الحشرات إذا وقعت في ماء فإنه لا تنجسه، ولو كثرت لا تنجسه، ولو كثرت. وقد ذكر إجماعا في هذا، إلا أن جاءت رواية عن الشافعي ذكر ربيع بن سليمان عنه، ولم يذكرها أصحابه كالربيع والمزني وغيرهم، وهؤلاء أيضا من أخص أصحابه، وخاصة في مسائل الفقه. الربيع بن سليمان أكثر اهتم بكتب الشافعي الحديثية، وكذلك الأم نقل الأم أيضا، لكن أكثر ما كان اهتمامه بالحديث، بخلاف البويطي والمزني وابن عبد الحكم وغيرهم، كانوا أكثر اهتمامهم المسائل. المهم أنه نقل الربيع بن سليمان أنها تنجس إذا كثرت تنجس الماء، وإذا كان الماء قليلا. وهذا القول غير صحيح، والذي عليه أكثر العلماء، بل قد نقل الإجماع على أنه لا يتنجس الماء، ولو كثرت الحشرات فيه، ولو كثرت الحشرات، وهي الحشرات التي ليست لها نفس سائلة، ليست لها دم؛ لأن حتى ولو ماتت فميتتها لا تنجس ولا تنتن؛ لأنها ليس فيها دم. فلهذا إذا ماتت ذباب في ماء فإنه لا ينجس. وكذلك الأمر إذا كان في طعام، قال: لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بغمسه، ومعلوم أنه يموت من ذلك، ولا سيما إذا كان الطعام حارا. وهنا قول في مائع، وهنا قال: الطعام. وكأنه يريد المائع هنا، سواء كان شرابا ماء أو غيره، أو طعاما مثل مثلا شربة أو لبنا أو كذا. غالبا المائع حتى ولو كان طعاما، لكن الطعام الجامد ما يتحرك فيه الذباب أو غيره. لكن أيضا حتى لو قلنا أنه طعاما فإنه أيضا لا يؤثر عليه، ولو كثر، أقصد لا ينجسه. لكن المقصود هنا في المائع، سواء كان شرابا أو طعاما؛ لأن الطعام يطلق على المائع أو الجامد. الطعام يطلق على قد يكون الطعام جامدا، وقد يكون مائعا. قال: فلو كان ينجس لكان أمرا بإفساد الطعام، وهو صلى الله عليه وسلم إنما أمر بإصلاحه. ثم عدى هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة، كالنحلة والزنبور والعنكبوت وأشباه ذلك، والجراد كذلك، وغيره. فكل هذه الحشرات ميتتها ليست بنجسة. وإذا وقعت في الماء أو في المائع فإنها لا تنجس. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فاغمسوه كله» يدل حتى ولو كان أكثر من واحدة، ولم يحدد عددا معينا. فذلك على ولو كثرت هذه الحشرات، ولو كثرت في هذا الماء أو في هذا الشراب، فإنه لا تؤثر عليه، ولا تنجس فيجوز غمسها وإخراجها. قال رحمه الله: إذ الحكم يعم بعموم علته. أي مثل ما يقول العلماء: الحكم يدور مع علته وجودا وعدما. وجودا وعدما إذا وجدت العلة وجد الحكم، إذا لم توجد العلة لا يوجد الحكم. فهنا لما وجدت العلة، وهي أنه ليس له نفس سائلة، صار حكمهم واحد. قال: وينتفي بانتفاء سببه. فلما كان سبب التنجيس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته، وإن كان هذه العلة مستنبطة ليست منصوص عليها، لكن اتفق العلماء على هذا؛ لأن الميتة تنجس لما فيها من الدم، فإذا عدم الدم أو لم يوجد الدم فإنه فإن الميتة لا تنتن. فلهذا فهي طاهرة. مع هذه الأدلة التي جاءت، قال: وكان ذلك مفقودا فيما لا دم له سائل، انتفى الحكم بالتنجيس. من الداء، والأمر بغمس ليخرج الشفاء منه كما خرج الداء منه. وقال بعض المعاصرين: أن الذبابة تحمل دواءها في بطنها، أو في الجانب الذي يكون فيه الجناح، لكن هذا مخالف لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء». دل على أن الشفاء موجود في الجناح الذي لا تتقي به. وقال: أن المراد بهذا الحاجة والدودة التي تكون موجودة في بطنها، هذه مما ينتفع بها فقط في طرد السموم. وقد يقال مثلا أن هذا الدواء الذي يكون في بطنها هو الذي يمد الجناح بهذا الدواء، يمد الجناح بهذا الدواء. فصار الدواء في الجناح. ولهذا كما سيأتي أنها استعملت لطرد سموم كثيرة، استعملت الذباب لطرد سموم كثيرة من الجسم أو من غيره. قال: وقد علم أن في الذباب قوة سمية، كما يدل عليها الورم والحكة الحاصلة من لسعه، وهي بمنزلة السلاح. فإذا وقع فيما يؤذيه التقاه بسلاحه، كما قال صلى الله عليه وسلم: «فإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء». مثل معناه كثير من الحيوانات تجد تدافع عن نفسها بشيء من السلاح الذي يجعله الله عز وجل فيها. مثلا قنفذ حيوان إذا حس بالخطر، معناه أظهر شوكه. عند مثلا هذه بعض الحيوانات البحرية مثل الأخطبوط، هذا الحبار إذا حس بشيء أخرجت مادته. وهكذا يكون معناه معناه إذا حس بالخطر أخرج هذا الداء. فلهذا يتقي بدائه يريد الدفاع عن نفسه. قال: وأمر صلى الله عليه وسلم أن تقابل تلك السمية بما أداعه الله تعالى فيه من الشفاء في جناحه الآخر بغمسه كله، فتقابل المادة السمية المادة النافعة فيزول ضررها. وهذا لا شك في أنه حق، والنبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى. وإلا النبي صلى الله عليه وسلم ما علمه بهذه الأمور، وهو لم يتعلم هذه الأمور، لكن علمه الله. فهذا من الله عز وجل الذي هو خالق هذه المخلوقات. فقول بعض العلمانيين أو قول بعض المتعلمين الذين يتبعون هؤلاء أهل العقلانية كترابي وغيره يقول: ترابي لو أخبرني طبيب أثق به على أن الذباب يضر بالشراب أو كذا، لا أخذته بقول الطبيب وتركته الحديث؛ لأن الطبيب أعرف بهذا. انظر إلى هذه الخبث وقلة الدين، أن الطبيب أعرف من النبي عليه الصلاة والسلام. فطب النبي صلى الله عليه وسلم كما قال إمام القيم: طبه يقيني، ليس كطب الأطباء. طب الأطباء تجريبي وظني، بخلاف طب النبي عليه الصلاة والسلام فهو يقين؛ لأن الله عز وجل هو أعلم بهذه الأجساد وأعلم بما يصلحها. قال: أمر صلى الله عليه وسلم أن تقابل تلك السمية بما أداعه الله سبحانه وتعالى فيه من الشفاء في جناحه الآخر بغمسه كله، فتقابل المادة السمية المادة النافعة فيزول ضررها. وقد ذكر غير واحد من الأطباء أن لسعة العقرب والزنبور، الزنبور هذا الذي يسمى الدبور أو الدبر، أنه إذا دلك موضعها بالذباب نفع منه نفعا بينا، ويسكنها. وما ذلك إلا إلى المادة التي فيه من الشفاء. إذا وجد لسعة عقرب أو زنبور يأتي بالذباب ويضعه على هذا المكان الذي لسع. فالآن معناه يقال: يستفاد من هذا الحديث عدة فوائد. فمن ذلك ما ذكره المؤلف: أن ذوات أو مال نفس له سائلة يعتبر ليس بنجس ميتته، ليست نجس. فإذا وقع في الشراب أو في الماء أو في غيره فإنه لا يضره، فإنه لا يضره ولا يتنجس به، لا يتنجس به. وسواء كان الذباب هذا مات بنفسه أو قتل قتله مثلا إنسان أيضا كذلك، لا فرق لا فرق بين ميتة أو أن يموت بنفسه أو يقتله. وقد ذكر ابن العربي أن الفرق أو فرق ابن العربي بين ذباب الذباب الذي يكون عند العرب، وذباب الأندلس. قال: ذباب الأندلس فيه سمية. قال: ذباب الأندلس فيه سمية، فلا يصلح مثل هذا. وهذا ليس صحيحا، هذا ليس صحيحا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستثني ذبابا. وأما قولهم مثلا أنه فيه سمية، فهذا يحتاج إلى تأكيد يحتاج إلى تأكيد من مصدر مثلا موثوق علمي. فإذا اكتشف مثلا أن الذباب الذي يكون في الأندلس أو ما حولها فيه سمية ممكن. وإلا الأصل أنه أن هذا الحديث عام في كل ذباب، في كل ذباب، حتى ولو مثلا اكتشفوا أن فيه سمية، فهذه السمية قد يكون نفسها هذه التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنها، وشفاؤها يكون بنفس الذباب هذا الذي فيها السم. وأيضا كذلك معنا إذا ذكر بعض أيضا العلماء المعاصرين أن هناك فرق بين الذباب الذي يموت بنفسه أو يقتله الإنسان، وبين الذي يموت بالمبيدات الحشرية. معنا بعضهم يموت بالمبيدات الحشرية، سواء كان في البيت أو في المزارع أو في غيره. فهل يؤثر؟ قالوا: نعم يؤثر. قالوا: نعم يؤثر فيه. لكن الصحيح أنه لم يأت ما يدل على التفرقة. قد يكون هذا المبيد يقتله، لكن أيضا فقتله لا يدل على نجاسته، ولا أيضا حتى إذا وقع في الشراب بعد موته أيضا يدل على أن الشراب لا يشرب. فكل هذا العربي فرق في الجراد، جراد. لكن هنا الظهر بن عبد البر ذكر أيضا في الذباب.