الدرس في التعليق على كتاب القواعد المثلى 26، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش تفسير قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾، حيث يوضح أن لأهل السنة قولين في تفسيرها: الأول أنه بمعنى ارتفع إلى السماء، والثاني أنه بمعنى قصد إلى السماء.
يناقش معنى معية الله لخلقه كما ورد في القرآن، ويوضح أن المعية تعني إحاطة الله بعباده علمًا وقدرة، وليس الاختلاط أو الحلول.
يؤكد أن تفسير المعية بالحلول والاختلاط باطل، ويبين أن المعية الصحيحة تعني إحاطة الله بخلقه علمًا وقدرة وسلطانًا مع علوه على عرشه.
يشرح أن المعية لا تعني بالضرورة المخالطة والممازجة، مستخدمًا مثال القمر الذي يبقى معنا بوجود ضوئه أينما ذهبنا.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: المثال الرابع قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ من الأشياء التي أوردها بعض من يريد أن نستشكل على أهل السنة، فقال: قول الله عز وجل: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ إلى تفيد الغاية، معنى قوله: «إلى السماء» معنى كيف؟ هل معنى انتهاؤه إلى السماء فقط؟ فقال الشيخ: والجواب أن لأهل السنة في تفسيرها قولين، أحدهما أنه بمعنى ارتفع إلى السماء، والسماء هنا ليس المقصود به السماء هذه المعروفة، وإنما المراد به الارتفاع. وأيضًا فسرها بعضهم بالقصد، كما سيأتي في القول الثاني، أي قصد إلى السماء. وهذا إذا فسرنا الآية على ظاهرها، فنفسر «إلى» بمعنى ارتفع إلى السماء، أو صعد، أقصد صعد إلى السماء، أو أقصد قصدها، قصد هذه السماء. وفسرها بعضهم بهذا: ارتفع إلى السماء. وهنا عدي الفعل بحرف الجر، والفعل «استوى» له ثلاث حالات مع حرف الجر، أو معنى من ناحية تعديه: أن يتعدى بنفسه، الفعل يتعدى بنفسه، مثلًا تقول: «استوى الطعام»، استوى الطعام، معنى نضج. واستوى معنى قول العزيز: ﴿ولما بلغ أشده واستوى﴾ استوى أي كمل شبابه، كمل لشبابه هنا تعدى بنفسه، أي الفعل. وقد يتعدى بحرف الجر، مثلًا: «استوى على الشجرة»، أي عليها، تعدى هنا بحرف الجر. ومنه قول العزيز: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾. أو يتعدى بحرف «إلى»، يعني هذا الاستواء مثل هذه الآية: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾. وذكر الشيخ أن لها تفسيرين: ارتفع إليه، أو قصده. وليس في أحد التفسيرين تأويل ولا تحريف، بل هو معنى الكلام. قال الشيخ: وهو الذي رجحه ابن جرير، قال في تفسيره: بعد ذكر الخلاف «وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه: ﴿ثم استوى إلى السماء فسواهن﴾ أي علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرة، وخلقهن سبع سماوات». قالوا: ذكره البغوي في تفسيره، قول ابن عباس، وأكثر مفسري السلف. وذلك تمسكًا بظاهر لفظ استواء، وتفويضًا لعلم كيفية هذا الارتفاع إلى الله عز وجل، وقفوا عند الظاهر. وهنا معنى استواء: يرتفع. وعلى هذا المعروف في لغة العرب. قالوا: القول الثاني: أن الاستواء هنا بمعنى القصد التام. قال: القول الثاني: الاستواء هنا بمعنى القصد التام. وإلى هذا القول ذهب ابن كثير في تفسير سورة البقرة، والبغوي في تفسير سورة فصلت. قال ابن كثير: «اقصد إلى السماء». والاستواء هنا ضمن معنى القصد والإقبال؛ لأنه عدي بـ«إلى»، فتدل على الحقيقة. مثل ما ذكر العلماء في «النظر»: النظر إذا تعدى بنفسه، إذا تعدى بنفسه، فيكون بمعنى «انتظر»، لا بمعنى النظر بالبصر. إذا تعدى بنفسه، مثل قول الله عز وجل في أهل النار، أو المنافقين: «يقولون للمؤمنين انظرونا»، «انظرونا نقتبس من نوركم»، «انظرونا» أي انتظرونا. لكن إذا تعدى بـ«إلى»، مثلًا تقول: «وجوه يومئذ الناظرة إلى ربها ناظرة»، هنا المراد به النظر الحقيقي بالبصر إذا تعديت بـ«إلى». وإذا تعديت مثلًا بحرف جر، مثلًا: «أو لم ينظروا في ملكوت السماوات»، فهنا جاءت «النظر» هنا المراد به التفكر في المخلوقات، وغيرها. فلهذا تجد أن المعنى يختلف إذا عدي بنفسه، وإذا عدي بحرف جر. وهنا عدي بحرف جر، ففسره بعضهم: المراد بالاستواء هنا: قال: بالقصد التام. فجعل «إلى السماء» أي قصد إليها حتى يخلقها، وكذلك يسويها. فضمن هنا معنى الاستواء ضمن معنى آخر، ضمن معنى آخر: وهو الإقبال والقصد. الإقبال والقصد. وكله إن أثبتناه، سواء كان «ارتفع» وعلا، أو «قصد»، وكله يدل على أن هذه صفة لله عز وجل تليق بجلاله وعظمته. قال: وقال البغوي: أي عمد إلى خلق السماء، معنى قصد إلى خلقها. فليس فيه معنى إذا قلنا: قلنا المعنى «قصد»، ثم استوى إلى السماء قصد، فليس فيها معنى العلو والارتفاع، أو معنى النزول والصعود، لا، وإنما المراد به القصد. ثم استوى إلى السماء قصد في خلقها. كما قال البغوي هنا: أي عمد إلى خلق السماء. قال: وهذا الكلام، أو هذا القول، ليس صرفًا للكلام عن ظاهره. وذلك لأن الفعل «استوى» اقترن بحرف يدل على الغاية والانتهاء، فانتقل إلى معنى يناسب الحرف المقترن به. وعاء تضمن معنى آخر. وهذا بحسب الحرف. هذا معنى إذا كان في المراد به يعتبر شيء آخر. إذا كان «إلى» معنى «إلى» يدل على الغاية والانتهاء، وهذا والقصد يعتبر من الغاية. فقوله: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ أي قصد إليها، قصد إليها حتى يخلقها ويسويها. ولهذا يقول العلماء، علماء اللغة: أن حروف الجر، أو لأن الفعل إذا تعدى بحرف جر، أفاد معنى آخر في الفعل. أفاد معنى آخر في الفعل. مثلًا قول الله عز وجل: ﴿عينا يشرب بها عباد الله﴾، العباد الله. الأصل أن الشرب يقال: «يشرب منها»، وليس «يشرب بها»، يشرب. لكن الله عز وجل قال: «يشرب بها». وهذا يدل على أن هناك معنى آخر، وهو الارتواء، أي يشربون ويرتوون. يشربون ويرتوون من هذا الماء. وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله: أن طريقة أكثر النحاة وأهل العربية: أنهم يجعلون للفعل معنى مع الحرف، ومعنى مع غيره. معنى مع الحرف، ومعنى مع غيره. وهذا يقول لإمام العربية سيبويه، وطريقة حذاق أصحابه: يضمنون الفعل معنى الفعل. يضمنون الفعل معنى الفعل. وهذا الذي قصد الله عز وجل في قول: ﴿عينا يشرب بها عباد الله﴾، فإنهم يضمنون فعل الشرب هنا الروي، أنه يروى، أو يروى. يشرب بروية. فلهذا فمعنى ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ إما أن يقال: ارتفع ارتفاعًا يليق بجلاله وعظمته. وإما المراد هو يفسر السماء بمعنى العلو، لكن هنا قصد السماء لخلقها. فلهذا أيضًا يفسر بمعنى استوى إلى السماء، على على. كما قلنا: المعنى الذي يفيده حرف الجر الذي يفيده حرف الجر. وهو الغاية. «إلى» إلى حرف الجر يفيد الغاية والانتهاء والقصد. أنا ذهبت إلى المسجد، أيش معنى؟ أنا ذهبت إلى المسجد؟ أي قصدت المسجد. فهنا القصد داخل في هذا المعنى. فيقول: «استوى» أي قصد إلى خلق السماء، قصد إلى خلق السماء. وهذا ليس فيه تحريف، بل هو من لغة العرب. قال: المثال الخامس والسادس قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾، وقوله في سورة المجادلة: ﴿ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا﴾. وهذا في مسألة المعية. فقال: يقول هؤلاء: لا شاعر أو غيرهم يقولوا: أنتم كيف تقولون؟ نحن نأخذ بالظاهر. فهذه المعية: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾، هل أخذتم بظاهرها؟ أن الله عز وجل مع كل أحد؟ وما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم؟ هل أخذتم بهذا؟ الجواب: أننا نعم، أهل السنة أخذوا بهذا، لكن ليس كما تتوهمون. أن معنى المعية المماسة، أو أن يكون معهم في مكان واحد، معنى مثل المخلوق، معنى مثل معية المخلوق مع المخلوق، لا، هذا شيء آخر. ولهذا قال الشيخ: والجواب أن الكلام في هاتين الآيتين حق على حقيقته وظاهره، ولكن ما حقيقة وظاهره؟ هل يقال: أن ظاهره وحقيقته أن الله مع خلقه معية تقتضي أن يكون مختلطًا بهم، أو حالًا في أمكنتهم؟ أو يقال: أن ظاهره وحقيقته أن الله مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطًا بهم علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا وتدبيرًا وسلطانًا، وغير ذلك من معاني ربوبيته، مع أنه معلوه على عرشه فوق جميع خلقه؟ وهذا لا شك أنه المعنى الحق؛ لأنه معروف في لغة العرب أن المعية لا تفيد الالتصاق والاختلاط، لا تفيد المعية الالتصاق والاختلاط. ولا يفهم ذلك إلا رجل لا يعرف لغة العرب. ولهذا يقال مثلًا: يقول السلطان لجيشه: «اذهبوا وأنا معكم»، كيف؟ هو جالس في كرسيه. «أنا معكم» معنى سأعضدكم بجنودي وأيدي وأعواني. أو يقول مثلًا هذا الحاكم لقضية من القضايا، مثلًا يقول لأصحابها: «اذهبوا وأنا معكم»، مع أنه لا يمشي معهم ولا يختلط بهم، لكن «معكم» ماذا؟ معيد لكم. فمعنى المعية في اللغة لا تدل أبدًا على الانضمام، أو على الجوار، أو على كذلك الاختلاط. لكن هذه معنى من معانيها. ويدل على المعنى سياق الكلام، والسباق والحاقه، أنا يبين ما معنى المراد بالمعية هنا. فلهذا فالمعية هنا هي معية حقيقية، لكن المراد بها معية حاطة. وهي المعية العامة. الله عز وجل قال لموسى وهارون: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾، هنا قيدها ربنا سبحانه وتعالى: أنه معهم بالسمع والبصر، معنى الرؤية بالسمع والرؤية. معهم يسمع ما يقولونه، ويرى ما يفعلونه. قال رحمه الله: ولا ريب أن القول الأول لا يقتضيه السياق، ولا يدل عليه بوجه من الوجوه. القول بأن المعية الممازجة والمخالطة للمخلوقات، هذا لا يدل عليه السياق أبدًا؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير﴾، ذكر هنا العلم في أول الآية، وذكر العلم في آخر الآية؛ حتى يبين أن المعية هنا المراد بها معية العلم. معية العلم. فعرفنا الآن أن المعية هنا ليست معية التصاق، ولا معية اختلاط، وإنما هي معية العلم والإحاطة. عرفنا ذلك بسياق الآيات. ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ أيضًا هذه الآية. ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ بدأ بها بالعلم، ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض، وانتهى أيضًا بالعلم: ﴿وهو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم﴾. فدلت هذه النصوص على أن المراد بهذه المعية معية إحاطة بعلمه سبحانه وتعالى. قال: ولأن المعية في اللغة العربية التي نزل بها القرآن لا تستلزم الاختلاط والمصاحبة في المكان، وإنما تدل على مطلق المصاحبة. مطلق المصاحبة. ثم تفسر في كل موضع بحسبه. مطلق المصاحبة. أي لا تدل على معنى الامتزاج أو الاختلاط دائمًا. فقد تأتي بمعنى الامتزاج والاختلاط، وقد تأتي لمعاني أخرى. فحسب السياق. ولهذا فسرة السلف بمعنى العلم. كما قال مالك: «استوى ربنا جل وعلا على العرش، وهو معنا بعلمه». وهو معنا بعلمه. قال: وتفسير المعية: معية الله لخلقه بما يقتضي الحلول اختلاطًا، باطل من وجوه. أنا تفسيرها بمطلق المعية باطل من وجوه. الأول: أنه مخالف لما اجمع عليه السلف. أنه لم يتعنى أحد من السلف أنه قال بالمعنى المعية بما قاله أهل الحلول للاتحاد. فما فسر أحد منهم بذلك. بل كانوا مجمعين على إنكاره لهذا. هذا جاء عن بعض السلف: يقولون أن الجهمية يرون أن الله عز وجل معنا، فيقولون: «هل الله عز وجل معنا في كل مكان؟ هل كلام باطل؟ حتى في الأماكن الخبيثة؟» كما نقل الإمام البخاري رحمه الله عن بعض السلف: أنهم ألزموا الجهمية بهذا. معنا لما يقولون: «أينما وهو معكم أينما كنتم»، معي مخالطة وممازجة. معنا أن الله عز وجل في كل مكان. حتى في الأماكن التي يتنزه عنها البشر. كيف بالمخلوق سبحانه وتعالى؟ فهؤلاء ما قدروا الله حق قدره، ولا عرفوا لغة العرب أصلا. فلهذا فقولهم بأنها تفيد الحلول لاختلاط باطل من وجوه. أولًا: مخالف لمذهب السلف والإجماعين. الثاني: أنه مناف لعلو الله الثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة. ولا تعارض بين علوه وبين معيته. فهو في علوه سبحانه وتعالى، مع أنه معنا بعلمه وإحاطته. قالوا: ما كان منافيا لما ثبت بدليل، كان باطلًا بما ثبت به ذلك المنافي. وعلى هذا يكون تفسير معية الله لخلقه بالحلول والاختلاط باطلًا بالكتاب والسنة والعقل والفطرة، وإجماع السلف؛ لأن الكتاب والسنة دل على أن الله عز وجل مستو على عرشه. والعقل أيضًا يدل على عدم المعية بمعنى المخالطة والممازجة. والفطرة والفطرة كذلك. وأيضًا يدل العقل على أن الله عز وجل في أشرف الجهات، وهي العلو. وأيضًا يدل الفطرة على أن الإنسان يجد في نفسه ضرورة أنه إذا أراد أن يلجأ إلى الله في الشدة والرقي، توجه إلى العلو. توجه إلى العلو. مثل ما جاء في قصة الجويني مع أبي المعالي الهمداني. مع الهمداني. فإن الجويني كان يخطب ويذكر العرش، ويذكر كذا. فقال له الهمداني: «يا إمام، أنت تذكر كذا وكذا العرش والكرسي، نريدك أن تفسر لنا هذه الضرورة». ما دعا داعيًا لله عز وجل إلا وتوجه قلبه إلى العلو، ومد حتى لو مد يديه يمدها، وقلبه إلى العلو. وهذا فطرة تعلها الله عز وجل في الخلق. فقال هذا الجويني: «حيرني الهمداني حيرني». ونزل. أنا ما استطاع أن يجيب على هذا الأمر؛ لأن الأشاعرة يقولون: أن الله ليس في مكان، وأن الله عز وجل قبل خلق المكان. فكيف يقول: في مكان؟ ومن هذا القبيل. نحن مثلًا أهل السنة ما نقول: أن الله عز وجل في مكان؛ لأن المكان مخلوق. لكن نقول: بما اقتضت به الأدلة. ولهذا الفطرة تدل على أن الله عز وجل في علوه سبحانه وتعالى. وكذلك يجمع السلف على علو الله سبحانه وتعالى. كما قال: لو زاد كنا نقول: والتابعون متوافرون: «أن الله مستو على عرشه، بائن من خلقه». بائن من خلقه. إيش معنى «بائن من خلقه»؟ أي ليس ملتصقًا بهم، بل منفصل عنهم. وهذا لا شك أنه الذي تقتضيه عظمة الله. قال: الثالث: أنه مستلزم للوازم باطلة لا تليق بالله سبحانه، ولا يمكن لمن عرف الله تعالى وقدره حق قدره، وعرف مدلول المعية في اللغة العربية التي نزل بها القرآن، أن يقول: أن حقيقة معية الله لخلقه تقتضي أن يكون مختلطًا بهم، أو حالًا في أمكنتهم. فضلًا أن تستلزم ذلك. ولا يقول ذلك إلا جاهل باللغة، جاهل بعظمة الرب جل وعلا. قال: فإذا تبينا بطلان هذا القول، تعين أن يكون الحق هو القول الثاني. وهو أن الله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطًا بهم علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا وتدبيرًا وسلطانًا، وغير ذلك مما تقتضيه ربوبيته، مع أنه معلوه على عرشه فوق جميع خلقه. والمثال الخامس والسادس قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾، وقوله في سورة المجادلة: ﴿ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا﴾. وهذا في مسألة المعية. فقال: يقول هؤلاء: لا شاعر أو غيرهم يقولوا: أنتم كيف تقولون؟ نحن نأخذ بالظاهر. فهذه المعية: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾، هل أخذتم بظاهرها؟ أن الله عز وجل مع كل أحد؟ وما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم؟ هل أخذتم بهذا؟ الجواب: أننا نعم، أهل السنة أخذوا بهذا، لكن ليس كما تتوهمون. أن معنى المعية المماسة، أو أن يكون معهم في مكان واحد، معنى مثل المخلوق، معنى مثل معية المخلوق مع المخلوق، لا، هذا شيء آخر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية من مجموعة الفتاوى: «ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد». فلما قال: ﴿يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها﴾ إلى قوله: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾، دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية مقتضاها: أنه مطلع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن، عالم بكم. وهذا معنى قول السلف: «إنه معهم بعلمه». وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته. وكذلك في قول: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ إلى قوله: ﴿هو معهم أينما كانوا﴾. ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه: «لا تحزن إن الله معنا»، فهل يقال: أن الله معنا أي بذاته بالغار؟ هذا كلام باطل. كان هذا أيضًا حقًا على ظاهره. ودلة الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية للاطلاع والنصر والتأييد. قال: ثم قال: في لفظ «المعية» قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع يقتضي في كل موضع أمورًا لا يقتضيها الموضع الآخر. فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع، أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها، وإن امتاز كل موضع بخاصية. فعلى التقديرين: ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب مختلطة بالخلق. حتى يقال: قد صرفت عن ظاهرها. بل كما قال شيخ الإسلام: «نسير والقمر معنا»، وهو ليس مختلطًا بهم. «نسير والقمر معنا»، قمر معنا. أي ما جئنا مكان إلا وضوء القمر موجود. أن ضوءه. فهذا يدل على أنه لا يقتضي المعية المخالطة والممازجة.