الدرس في التعليق على كتاب القواعد المثلى 28، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش انقسام الناس في فهم معية الله لخلقه إلى ثلاثة أقسام ويُثبت علو الله بالأدلة. يُوضح المقطع آراء السلف والحلولية والقسم الثالث الذين يحاولون الجمع بين المعية والعلو.
يذكر العديد من الأدلة على علو الله عز وجل من القرآن والسنة والإجماع والعقل والفطرة. يستشهد بأقوال العلماء وكتبهم مثل ابن القيم وابن قدامة والذهبي لإثبات علو الله.
يناقش قضية استخدام عبارة 'معية ذاتية' ويوضح رأي شيخ الإسلام ابن تيمية في معية الله لخلقه. يرد على من انتقدوا هذه العبارة ويوضح أن المعية حق على حقيقتها ولا تقتضي الحلول أو الاختلاط بالخلق.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: تتمة، انقسم الناس في معية الله تعالى لخلقه إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول يقولون: إن معية الله تعالى لخلقه مقتضاها العلم والإحاطة في المعية العامة، ومع النصر والتأييد في المعية الخاصة، مع ثبوت علوه بذاته واستوائه على عرشه. وهؤلاء هم السلف، ومذهبهم هو الحق كما سبق وتكرر. فإنهم يرون أن المعية معيتان: معية عامة وهي بالعلم والإحاطة، ومعية خاصة بالنصرة والتأييد، كما دلت عليه الأدلة. القسم الثاني يقولون: إن معية الله لخلقه مقتضاها أن يكون معهم في الأرض، مع ما نفوه من علوه واستوائه على عرشه. وهؤلاء هم الحلولية من كلمة الجهمية وغيرهم، وما ذهبوا إليه باطل منكر، أجمع السلف على بطلانه وإنكاره، كما سبق. فإنهم يقولون: إن الله معنا بكل مكان، وهم ينكرون علو الله عز وجل الذي ثبت بالأدلة. ويقولون: إن الله تعالى معنا، يريدون المخالطة. ومن ذلك أخذ الحلولية والاتحادية. القسم الثالث يقولون: إن معية الله لخلقه مقتضاها أن يكون معهم في الأرض مع ثبوت علوه فوق عرشه. ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى. وقد زعم هؤلاء أنهم أخذوا بظاهر نصوص المعية والعلو، وكذبوا في ذلك، فضلوا. فإن النصوص المعية لا تكفي ما ادعوه من الحلول، لأنه باطل، ولا يمكن أن يكون ظاهر كلام الله ورسوله باطلاً. وهذا يدل على أنهم قوم من المشبهة. فهم ادعوا أن الله عز وجل في علوه، لكنه أيضًا في الأرض. قالوا: أخذنا بهذا وهذا. وأين الدليل على أنه في الأرض؟ ما يدل على قوله جل وعلا: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ﴾ لا يدل على أنه في الأرض أبدًا، وإنما يدل على أنه محيط بهم وعالم بهم. فليس هناك دليل على أنه معهم في الأرض كما يزعم هؤلاء، وإنما هذا لفهمهم السقيم للنصوص. وهذا الفهم لم يدل عليه شرع ولا لغة، بل جاءت الأمور بخلافها. كما ذكر شيخ الإسلام أن هذا القمر، وهو مخلوق، يقولون: هو معنا، وليس معهم في الأرض، إنما هو في مكانه. وهذه الشمس أيضًا. تنبيه: اعلم أن تفسير السلف لمعية الله لخلقه بأنه معهم بعلمه لا يقتضي الاقتصار على العلم، بل المعية تقتضي أيضًا إحاطته بهم سمعًا وبصرًا وقدرة وتدبيرًا ونحو ذلك من معاني ربوبيته. هذه المعية العامة. تنبيه آخر: شرط فيما سبق أن علو الله ثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع. أما الكتاب، فقد تنوعت دلالته على ذلك. فتارة بلفظ العلو والفوقية والاستواء على العرش، وكونه في السماء. فلهذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله: إنه في الكتاب والسنة أكثر من ألف دليل على علو الله عز وجل. وتنوعت دلالة العلو، وهذا يدل على حقيقة هذا الشيء، لأن الشيء إذا تنوعت دلالته يدل على أنه يخبر عن حقيقة. وذكر الإمام ابن القيم وغيره عن المزني، صاحب الشافعي، أنه قال: عندي خمسمائة حديث أو دليل على علو الله عز وجل. بل يقول الإمام ابن القيم: إنه أكثر من ألف دليل، سواء كان من الآيات أو من الأحاديث. وقد ألف الإمام ابن القيم رحمه الله «اجتماع الجيوش الإسلامية» وذكر نصوصًا كثيرة من الكتاب والسنة، وكذلك من أقوال العلماء في إثبات العلو لله عز وجل. وألف أيضًا الإمام ابن قدامة كتابًا في العلو، وألف الإمام الذهبي أيضًا كتابًا في العلو، الذي اختصره الشيخ الباني، فسماه «مختصر العلو». وكتاب الذهبي «العلو للعلي الغفار»، وذكر نصوص الكتاب والسنة. وأما السنة، فقد دلت عليه بأنواع: قولية، و فعلية، و إقرارية، في أحاديث كثيرة تبلغ حد التواتر، وعلى وجوه متنوعة. كقوله صلى الله عليه وسلم في سجوده: «سبحان ربي العلي». وقوله: «إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي». وقوله: «ولَا تَأْمَنُونِي» عندما جاء في حديث عائشة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في مرض موته يشير إلى السماء ويقول: «إلى الرفيق الأعلى». وكذلك أيضًا لما قال في حديث جابر: «ألا هل بلغت؟» فكان يرفع إصبعه إلى السماء وينكثها عليهم ويقول: «اللهم فاشهد». وكذلك أيضًا بالأقوال والأفعال، كما ذكر شيخنا، بل وبالفطرة كذلك، كما سيأتي. وثبت عنه أنه رفع يديه على المنبر يوم الجمعة، يقول: «اللهم أغثنا». وأنه رفع يديه إلى السماء وهو يخطب الناس. وما عرف حين قالوا: «نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت». فقال: «اللهم أشهد». وأنه قال للجارية: «أين الله؟» قالت: «في السماء». فأقرها، فقال: «اعتقها فإنها مؤمنة». فهذه السنة إقرارية. وأما العقل، فقد دل على وجوب صفة الكمال لله تعالى، وتنزيهه عن النقص. والعلو صفة كمال، والسفل نقص. وجب لله تعالى صفة العلو، وتنزيهه عن ضدها. وأما الفطرة، فقد دلت على علو الله تعالى دلالة ضرورية فطرية. فما من داع أو خائف فزع إلى ربه إلا وجد في قلبه ضرورة الاتجاه نحو العلو، لا يلتفت عن ذلك يمنة ولا يسرة. وهذا ما لم يستطع الأشاعرة أن يردوه. فقال بعضهم: لأن السماء قبلة الدعاء. لهذا يرفع الداعي يديه إلى السماء. فقال ابن العز: ومن الذي أوحى إليكم أنها قبلة الدعاء؟ من قال لكم؟ هل الشيطان أوحى إليكم أنها قبلة الدعاء؟ ما عندنا في الشرع إلا قبلة واحدة، قبلة الصلاة. وقبلة الدعاء، فمن أين جئتم بأن السماء قبلة الدعاء؟ فهذا تخرص، ومن وحي الشيطان. ولهذا أيضًا ما يكون عند العامة من كلمات على الفطرة. تجد بعضهم مثلًا يقول: ما يعقد شيء في الأرض إلا ويعقد في السماء. وقالت زينب رضي الله عنها: «زوج كنا هالكنا، وزوج الله من فوق سبع سماوات». وهكذا كان مسروق بالأجدع يقول: إذا ذكر عائشة قال: «حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمبرأ من فوق سبع سماوات». هذه فطرة، فطرة الناس على أن الله عز وجل في العلو. وأما الإجماع، فقد أجمع الصحابة والتابعون، ولا إمام على أن الله فوق سماواته، مستو على عرشه. وكلام مشهور في ذلك، نصًا وظاهرًا. وأول من نقل الإجماع هو الأوزاعي، كما ذكر الشيخ. قال الأوزاعي: «كنا والتابعون متوافرون، نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما جاءت به السنة من الصفات». هل الأوزاعي حشوي كما يقول هؤلاء المفوضة؟ هل الأوزاعي ما يعرف مذهب السلف حتى يأتي المفوضة يقولون: إنهم لا يؤمنون بألفاظ لا معاني لها؟ هذا كلام باطل. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في «النونية» وفي غيرها إجماعات كثيرة من إجماعات السلف في العلو، ذكره عن الطبراني والطبري، ذكره كذلك عن ابن عبدالبر، وعن أبي عمر الطلمنكي شيخه، وغيرهم من أئمة الإسلام، أيضًا ذكره عن ابن أبي عاصم، وغيرهم ممن ذكرهم الإمام ابن القيم. وكذلك أيضًا ذكر ذلك بعضه شيخ الإسلام ابن تيمية في «الحموية». قالوا: قد نقل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم، ومحال أن يقع في مثل ذلك خلاف. وقد تطابقت عليه هذه الأدلة العظيمة التي لا يخالفها إلا مكابر، تمس على قلبه، واجتالته الشياطين. قال: نسأل الله تعالى السلامة والعافية. فعُلو الله بذاته وصفاته من أبين الأشياء وأظهرها دليلًا، وأحق الأشياء وأثبتها واقعًا. تنبيه ثالث: اعلم أيها القارئ الكريم أنه صدر مني كتابة لبعض الطلبة تتضمن ما قلته في بعض المجالس: معية الله تعالى لخلقه، ذكرت فيها أن عقيدتنا أن الله تعالى معية حقيقية ذاتية تليق به، وتقتضي إحاطته بكل شيء علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا وسلطانًا وتدبيرًا. وأنه سبحانه منزه عن أن يكون مختلطًا بالخلق أو حالًا في أمكنتهم، بل هو العلي بذاته وصفاته، وعلوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها. إلى آخر كلامي. قلت: وأردت بقول ذاتية توكيد حقيقة معيته تبارك وتعالى، وما أردت أنه مع خلقه سبحانه في الأرض. لكن هذه العبارة لم تأت عن السلف أنهم يذكرون معية ذاتية. كيف وقد قلت في نفس هذه الكتابة، كما ترى: أنه سبحانه منزه عن أن يكون مختلطًا بالخلق أو حالًا في أمكنتهم، وإنه العلي بذاته وصفاته، وأن علوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها. وقلت فيها أيضًا نصًا بالحرف الواحد: «ونرى أن من زعم أن الله بذاته في كل مكان فهو كافر أو ضال إن اعتقده، وكاذب إن نسبه إلى غير من سلف الأمة وأئمتها». قلت: وإلا يمكن لعاقل عرف الله وقدره حق قدره أن يقول: إن الله مع خلقه في الأرض. وما زلت ولا أزال أنكر هذا القول في كل مجلس جرى فيه ذكره. وأسأل الله تعالى أن يثبتني وإخوان المسلمين بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وظاهر أن الذي أنكر علي الشيخ هو الشيخ محمد أمان الجامي. أرسل شرحًا لهذه «القواعد المثلى» ثم أرسله إلى الشيخ ينبهه على هذا، وجعل ذلك تأييدًا أو جعل تأييده من الشيخ ابن باز. ورد كلام الشيخ ابن باز، ويقال أيضًا كذلك التويجري. قالوا: وقد كتبت بعد ذلك مقالًا نشر في مجلة الدعوة التي تصدر في الرياض، نشر يوم الاثنين الرابع من شهر محرم سنة ألف وأربعمائة وأربعة للهجرة، برقم تسعمائة وإحدى عشر، قررت فيه ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أن معية الله تعالى لخلقه حق على حقيقتها، لكن بذاته هذا الذي فيه الإشكال. قالوا: وأن ذلك لا يقتضي الحلول ولا الاختلاط بالخلق، فالله عن ذلك منزه. ورأيته من الوجه استبعاد كلمة «ذاتية». وبينت أوجه الجمع بين علو الله وحقيقة معية الله تعالى لخلقه.