الدرس في التعليق على كتاب القواعد المثلى 29، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش تفسير الآيات القرآنية التي تتحدث عن قرب الله تعالى، مثل قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، حيث يرى بعض المفسرين أن القرب هنا يعني قرب الملائكة وليس قرب الله تعالى بذاته. يوضح أن هذا التفسير ينسجم مع تفسيرات أخرى لآيات مشابهة.
يفسر المقطع الآيات القرآنية التي تشير إلى قرب الملائكة من الإنسان عند الموت، ويوضح أن هذا القرب يُنسب إلى الله تعالى لأنه الآمر بذلك. كما يستشهد بتفسيرات أخرى لآيات قرآنية مشابهة تُنسب أفعالها إلى الله تعالى مع أنها تُنفذ من قبل الملائكة.
يناقش المقطع تفسير الآيات القرآنية التي تشير إلى رعاية الله تعالى، مثل قوله تعالى عن سفينة نوح: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، ويبين أن المعنى الحقيقي لهذه الآيات هو الرعاية والحفظ وليس المعنى الحرفي الظاهر. يُظهر المقطع أن تفسير هذه الآيات يجب أن يكون متوافقًا مع اللغة العربية ومع قدر الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم قال وعلم أن كل كلمة تستلزم كون الله تعالى في الأرض أو اختلاطه بمخلوقاته أو نفي علوه أو نفي استوائه على عرش أو غير ذلك مما لا يليق به تعالى فإنها كلمة باطلة يجب إنكارها على قائلها كائنًا من كان وبأي لفظ كانت. وكل كلام يوهم ولو عند بعض الناس ما لا يليق بالله فإن الواجب تجنبه؛ لأن لا يظن بالله تعالى ظن السوء. لكن ما أثبته الله لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فالواجب إثباته وبيان بطلان وهم من توهم فيه ما لا يليق بالله عز وجل. وهذا يدل على تواضع الشيخ رحمه الله ونزوله عند الحق، وهو لم يكابر ولم يحتمل للاحتمالات، بل تراجع وحذف هذه الكلمة. فأراد بكلمة معنى هذه الكلمة أنها حقيقة ذاتية. وشيخ بن عثيمين رحمه الله يقال إنه تبع شيخ الإسلام في مسألة النزول؛ لأن النزول شيخ الإسلام يقول إن الله ينزل إلى السماء الدنيا بذاته. وشيخ الإسلام رد على من يقول إنه ينزل برحمته أو ينزل ملك من الملائكة أو ينزل أمره، فبين أن كلام أهل العلم أنه ينزل بذاته. ثم ذكر السلف مسألة أخرى، هل يخلو منه العرش أو لا يخلو؟ فمنهم من قال يخلو، ومنهم من قال لا يخلو. وهذا وإن كان ليس قول الجمهور، لكنه أولى. وهناك من توقف من العلماء كابن قدامة وغيره، قالوا: لا نقول يخلو ولا يخلو. يقول إنه ينزل نزولًا يليق بجلال وعظمته، والله عز وجل قادر على كل شيء. قال المثال السابع والثامن قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾، حيث فسر القرب فيهما بقرب الملائكة. والجواب أن تفسير القرب فيهما بقرب الملائكة ليس صرفًا للكلام عن ظاهره. لمن تدبره: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾. معنا هنا فسرها جماعة من السلف بقرب الملائكة، وهذا ليس صرف اللفظ عن ظاهره. قال: «الملائكة الأولى»؛ فإن القرب مقيد فيها بما يدل على ذلك، حيث قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. قال: ففي قوله ﴿إِذْ يَتَلَقَّى﴾ أي الملكان، فالآية واضحة دليل على أن المراد به قرب الملكين المتلقيين. فلهذا الذي فهم أن الله عز وجل هو المراد، فهو فهم شيئًا ليس في الآية؛ لأن الله عز وجل فسر هذا القرب هو قرب الملائكة والتقاء الملائكة. فهم معنا يطيرون، أولئك الشعراء وغيرهم معنا يطيرون مثل هذا. قالوا: أنتم تقولون إنكم تأخذون بالظاهر، فلماذا أولتم هنا؟ هل السلف يقولون ما أولنا أبدًا؟ والسياق ليس فيه أن الله نحن أقرب إليه منكم، ولكن لا تبصرون. فليس معنا أن الله عز وجل هو أقرب، لكن ربنا سبحانه وتعالى يبين أن هؤلاء ملائكته وهو الذي أمرهم. والآمر هو صاحب الفعل أصلا، والعامر بالشيء هو صاحب الفعل أصلا. ولهذا الله عز وجل يقول مثلًا: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. من الذي ينسخ أعمال العباد؟ هم الملائكة الذين وكلهم الله لكتابة الأعمال رقيب عتيد. قال: وأما الآية الثانية: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِمْ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾، قال: وأما الآية الثانية فإن القرب فيها مقيد بحال الاحتضار، والذي يحضر الميت عند موتهم الملائكة، لقول تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. ثم إن في قوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ دليل بين على أنهم الملائكة. وقد جاء في حديث البراء وغيره أنهم الملائكة يجلسون من الميت مد البصر. قال: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ يدل على أن هذا القريب في نفس المكان، ولكن لا نبصره، وهذا يدل على أن يكون مراد قرب الملائكة. بقي أن يقال: فلماذا أضاف الله عز وجل القرب إليه؟ وهل جاء نحو هذا التعبير مرادًا به الملائكة؟ فالجواب: أضاف الله تعالى قرب الملائكة إليه؛ لأن قربهم بأمره، وهم جنوده ورسله. أضاف الله تعالى قرب الملائكة إليه، أي إلى هذا المحتضر؛ لأن قربهم بأمره، وهم جنوده ورسله. وقد جاء نحو هذا التعبير مرادًا به الملائكة، مثل القول جل وعلا: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. قرأناه أي الملك؛ لأن هذه الآية نزلت لما كان جبريل يقرأ النبي عليه الصلاة والسلام، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتحفظ أن ينسى، فأمره الله عز وجل أن لا يعجل، فقال: ﴿وَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ معناه يقرأه بعد أن يقرأه الملك. قال: فإن المراد به قراءة جبريل عليه السلام من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن الله تعالى أضاف القراءة إليه، لكن لما كان جبريل يقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الله تعالى، صحت إضافة القراءة إليه. وأيضًا قول الله عز وجل: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. أضافهم الله عز وجل إليه؛ لأنه الآمر بهم. قالوا: كذلك جاء في قول: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾. وإبراهيم إنما كان يجادل الملائكة، فنسب ربنا جل وعلا هذا الجدال إليه: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾؛ لأن الآمر هو الله. قال: وإبراهيم إنما كان يجادل الملائكة الذين هم رسل الله. ولغة العرب التي نزل بها القرآن يصح فيها نسبة الفعل إلى الآمر. وهذا كثير جدًا. الآن مثلًا القرار يأتي مثلًا من الرئيس، ومن الذي ينفذه؟ ينفذه مثلًا الشرطة، تنفذه. لكن ينسب إلى من هذا القرار أو هذا الفعل؟ إلى الرئيس، معناه أو الحاكم أو السلطان أو كذا أو القاضي. فيقول مثلًا: هذا أمر القاضي، وهو لم يأتِ إلى أمر قاضي، وإنما الشرطة الذين جاءوا إليه. أو هذا أمر الحاكم، فينسب الفعل إلى آمره. وهذا موجود في لغة العرب. حتى يقال: إنه بنى مثلًا، مثلًا الآن واسط من بناها؟ من بنى واسط؟ ذكرناها قبل الأيام. من بنى واسط؟ منطقة واسط في العراق؟ التي بين البصرة والكوفة من بناها؟ من بناها؟ الحجاج. الحجاج بن يوسف. ومن بنى القاهرة؟ من القاهرة؟ الحاكم بأمر الله العبيدي. المهم أنه يقال بنى، هل هو الذي يبني الحجارة أو يبني كذا؟ هو فقط الآمر فقط، وإلا هو ما يتدخل في شيء من البناء، لعله ما جاء إلا ورآها مبنية. لكن هو الذي أمر بها، فالآمر ينسب إليه. حتى أحيانًا مثلًا يقال: إن مثلًا أول ما فتحت فلسطين، من الذي فتحها؟ يقال: عمر. هل عمر هو الذي ذهب إلى فلسطين؟ لا، وإنما أمرهم، هو الآمر، وفي عهده. فلهذا كما قلنا: إن الفعل ينسب إلى آمره، وهذا مثله. قال المثال التاسع والعاشر قوله جل وعلا عن سفينة نوح: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، وقوله لموسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾. قال: والجواب أن المعنى في هاتين الآيتين على ظاهر الكلام حقيقته. لكن ما ظاهر الكلام حقيقته هنا؟ المعنى: تجري بعيننا، أن السفينة تجري في عين الله، هذا ليس أبدًا. لا يفهمه العرب أبدًا. فيقال: هل هذا ظاهر الكلام كما تزعمون؟ ليس هذا ظاهر الكلام. حتى يقال مثلًا: إنكم أنتم تأخذون بظاهر الكلام، وهذا ظاهر الكلام. قال: ويقال إن الظاهر أن السفينة تجري وعين الله ترعاها وتكلؤها. وكذلك تربية موسى تكون على عين الله، يرعاه ويكلؤه بها. هل الله عز وجل أراد أنه يصنع موسى في عينه؟ هذا بعيد جدًا، ولا يفهم من الكلام هذا. وإنما المراد به الرعاية والحفظ والكلاءة. قالوا: لا ريب أن القول الأول باطل من وجهين: الأول أنه لا يقتضي الكلام بمقتضى الخطاب العربي، والقرآن إنما نزل بلغة العرب. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. ولا أحد يفهم من قول القائل: فلان يسير بعينه، أن المعنى أنه يسير داخل عينه. الآن عندنا يقولون: إذا كان مثلًا يريد أن يقدم الشخص في خدمته وفي كذا، يقول: سأخدمك من قلبي، الخدمة تكون من القلب، وإنما المراد أنه يحافظ على خدمتك، وأسعى في خدمتك. قال: فلان يسير بعيني، أن المعنى أنه يسير داخل عيني. ولا من قول القائل: فلان تخرج على عيني، أن تخرجه كان هو راكبًا على عيني. هذا كلام ما يفهمه العربي. قالوا: لو ادعى مدعٍ أن هذا ظاهر اللفظ في هذا الخطاب، لضحك منه السفهاء فضلًا عن العقلاء. قال: الثاني أن هذا ممتنع غاية الامتناع، ولا يمكن لمن عرف الله قدره حق قدره أن يفهمه في حق الله تعالى. ولأن الله مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، لا يحل فيه شيء من مخلوقاته، ولا هو حال في شيء من مخلوقاته، سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا. فإذا تبين بطلان هذا من الناحية اللفظية والمعنوية، تعين أن يكون ظاهر الكلام هو القول الثاني: أن السفينة تجري وعين الله ترعاها وتكلؤها. وكذلك تربية موسى تكون على عين الله، يرعاه ويكلؤه بها. وهذا معنى قول بعض السلف: «بمرأى منا». فإن الله تعالى إذا كان يكلؤه بعينه، لازم من ذلك أن يراه. ولازم المعنى الصحيح جزء منه، كما هو معلوم بدلالة اللفظ، حيث تكون بالمطابقة والتضمن والالتزام. وهذا قد تقدم قبل. لكن نقول: عندما يقول الله عز وجل: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، في إثبات العين لله، لكن ليس معنى ظاهرها أنها تجري بعين الله جل وعلا، وإنما كما قال السلف: «بمرأى منا»، تجري بعيننا، التجري بمرأى منا، والمراد به الحفظ والرعاية بمرأى منا.