التعليق على كتاب القواعد المثلى 31

الدرس في التعليق على كتاب القواعد المثلى 31، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح حديث النبي عن تقرب العبد من الله تعالى وتأكيده على الأفعال الاختيارية

شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن تقرب العبد من الله تعالى، مؤكدا على قيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى. واستشهادا بآيات وأحاديث أخرى دالة على ذلك.

تفسير معنى تقرب الله من عبده وتأويلات العلماء حول الاستواء على العرش

يناقش معنى تقرب الله من عبده واستواءه على العرش، ويبين أن الله عز وجل ليس كمثله شيء. ويشرح آراء السلف وأهل السنة والجماعة في تأويل النصوص الدينية المتعلقة بذلك.

تفسير حديث "أتاني يمشي وأتيته هرولة" وترجيح إثبات صفة الهرولة لله تعالى

يناقش تفسير حديث "أتاني يمشي وأتيته هرولة" ويقدم رأيين حوله، الأول إثبات صفة الهرولة لله تعالى، والثاني تفسير الهرولة بالعطاء والكرم الإلهي. يرجح الشيخ الرأي الأول.

القول بإثبات الصفات لله تعالى وفق منهج السلف

الأسلم هو إثبات الصفات لله عز وجل كما وردت، فالله قريب من عباده رغم علوه سبحانه وتعالى. هذا المذهب يتفق مع منهج السلف في إثبات الصفات الإلهية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ما بعد. قال الشيخ المعتمين رحمه الله: المثال الثاني عشر قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله تعالى أنه قال: «من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني أمشي أتيته هرولة». قال: وهذا الحديث صحيح، رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء من حديث أبي ذر، ورواه نحوه من حديث أبي هريرة أيضا، وحديث أبي هريرة في البخاري، وكذلك روى البخاري نحوه من حديث أبي هريرة في كتاب التوحيد. وهذا الحديث في غيره من النصوص الدال على قيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى، وأنه سبحانه فعال لما يريد، كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾، وقوله: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾، وقوله: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك﴾، وقوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر». أنا كل هذه من صفات الأفعال القائمة بالله عز وجل، وربنا جل وعلا فعال لما يريد، وربنا جل وعلا أيضا يفعل سبحانه وتعالى كل شيء، كل شيء في استطاعته سبحانه وتعالى، لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى. قال: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب» إلا أخذها الرحمن بيمينه. إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على قيام الأفعال الاختيارية به. وهذا التقرب أنا نقول: أننا نؤمن بأن الله عز وجل يفعل هذا، وقربه من عبده لا يدل على أنه ليس مستويا على عرشه، بل كما قال شيخ الإسلام: فهو علي مع قربه، وقريب مع علوه. أو قال: علي مع دنوه، وقريب مع علوه. ولأن الله عز وجل ليس كمثله شيء سبحانه وتعالى، فهو على عرشه استوى، وهو أيضا يقرب من عبده المؤمن، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وهو أيضا يواجه المصلي، وغيرها من هذه الأشياء التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام، فهي في مقدور الله عز وجل وعظمته سبحانه وتعالى، لأنه ليس كمثله شيء، ولا يقاس على المخلوقين. قال: فقوله في الحديث «تقربت منه وأتيته هرولة» من هذا الباب، والسلف أهل السنة والجماعة يجرون هذه النصوص على ظاهرها وحقيقة معناها اللائق بالله عز وجل من غير تكيف ولا تمثيل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأما دنوه نفسه وتقربه من بعض عباده، فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة، ونزوله، واستواءه على العرش. وهذا مذهب أئمة السلف وأئمة الإسلام المشهورين وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر أن يثبتون قربه مع علوه جل وعلا. فأي مانع أن يمنع من القول بأنه يقرب من عبده كيف يشاء مع علوه؟ وأي مانع أن يمنع من إتيانه كيف يشاء بدون تكيف ولا تمثيل؟ وهل هذا إلا من كماله أن يكون فعالا لما يريد على الوجه الذي يليق به؟ قال: وذهب بعض الناس إلى أن قوله في هذا الحديث «أتيته هرولة» يراد به سرعة قبول الله وإقباله على العبد المتقرب إليه المتوجه بقلبه وجوارحه، وأن مجازاة الله للعامل له أكمل من عمل العامل. وعلل ما ذهب إليه بأن الله تعالى قال في الحديث «ومن أتاني يمشي»، ومن المعلوم أن المقرب إلى الله الطالب الوصول إليه لا يتقرب ويطلب الوصول إلى الله بالمشي فقط، بل تارة يكون بالمشي كالسير إلى المساجد ومشاعر الحج والجهاد في سبيل الله ونحوه، وتارة بالركوب والسجود ونحوهما. قال: وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد». فالتقرب إلى الله تعالى وطلب الوصول إليه والعبد على جنبه كما قال تعالى: ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام لعمران: «صلي قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب». قال: فإذا كان كذلك صار المراد بالحديث بيان مجازاة الله العبد على عمله، وأن من صدق في الإقبال على ربه وإن كان بطيئا جازاه الله تعالى بأكمل من عمله وأفضل. وصار هذا هو ظاهر اللفظ بالقرينة الشرعية المفهومة من سياقه. وإذا كان هذا ظاهر اللفظ بالقرينة الشرعية لم يكن تفسيره به خروجا به عن ظاهره، ولا تأويلا كتأويل المعطلين، فلا يكون حجة لهم على أهل السنة، ولله الحمد. قال: وما ذهب إليه هذا القائل لو نظر فيه لكن القول الأول أظهر وأسلم وأليق بمذهب السلف. الآن ذكر الشيخ في المسألة قولان. أنا في هذا الحديث «أتاني يمشي وأتيته هرولة»، فالقول الأول أن في الحديث إثبات لصفة الهرولة لله عز وجل، فنثبت هذه الصفة لله عز وجل كما تليق بجلاله وعظمته، وهي من الأفعال الاختيارية المتعلقة بمشيئة الله واختياره جل وعلا، مثل النزول، وكذلك الاستواء والمجيء وغيرها من الصفات الفعلية. والقول الثاني أن سياق الحديث يدل على أنه كلما تقرب العبد إلى الله تقرب الرب جل وعلا في العطاء، وأيضا أسرع إليه بكرمه سبحانه وتعالى. فهذا أيضا قول آخر، لكن الشيخ يقول: إن وإن كان هذا قولا له وجه من النظر لأنه يفسر به الكلام، لكن المأثور عن أكثر أهل السنة والسلف إثبات الصفات في مثل هذا. ولو قلنا مثلا بالقول الثاني، فليس هو مسوغا لأهل البدع الذين يصرفون ظاهر النصوص من غير قرينة. فالسياق يدل على هذا المعنى، وما دام السياق يدل على المعنى فهو ليس صرف اللفظ عن ظاهره. لكن الأسلم والأليق بمذهب السلف هو الأول: أنه يثبت الصفات لله عز وجل كما أن الله عز وجل قريب من الساجد، فهو في علوه سبحانه وتعالى علوا عاليا في دنوه، وقريب مع علوه. فهذا خلاصة هذا المثال الثاني عشر.