كتاب الطهارة 7

كتاب الطهارة 7

الدرس في كتاب الطهارة 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في الفطرة وأحكامها

يبدأ الدرس بشرح حديث الفطرة الخمس الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويوضح معاني هذه الفطرة وأحكامها الشرعية.

أحكام الفطرة وفضل الوضوء

يتطرق الدرس إلى أحكام الفطرة مثل الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط، ويبين فضل الوضوء في تكفير الذنوب.

فضل الوضوء و صلاة ركعتين بعده

يبرز الدرس فضل الوضوء في محو الذنوب والخطايا، ويشير إلى فضيلة صلاة ركعتين بعد الوضوء بخشوع وتدبر، وكيف أنها تكفر جميع الذنوب.

استحباب صلاة ركعتين بعد الوضوء وتأكيد فضلها

يؤكد الدرس على استحباب صلاة ركعتين بعد الوضوء مستنداً إلى الأدلة، ويبين مكانة هذه الصلاة وفضلها في الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -أمه الله- في كتاب الطهارة، في باب السواك وسنن الفطرة، الحديث الخامس والأربعون: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبطي». متفق عليه. هذا الحديث أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمور الخمسة من الفطرة، والمراد من الفطرة أي فطرة الإسلام. أولها الختان، والختان هو: بالنسبة للذكر قطع الجلدة الزائدة التي تكون على رأس الذكر، فتقطع وتزال. وبالنسبة للأنثى فهو لحمة تكون في أعلى الفرج كعرف الديك، يقطع منها شيء يسير. فهذا هو الختان. وحكم الختان الصحيح أنه بالنسبة للذكر واجب، وبالنسبة للأنثى مستحب. أما وجوبه على الذكر فلأنه يتعلق به صحة الطهارة، إذ أن هذه القلفة أو اللحمة التي تكون في رأس الذكر إذا بقيت ربما تجمع فيها شيء من بقايا البول، فيبقى حاملا للنجاسة، وهذا يؤثر في طهارته. وما لا يتم الشيء إلا به فهو واجب، فإذا كانت الطهارة لا تتم إلا بإزالة هذه اللحمة، فإزالتها تعتبر من الواجبات. وأما بالنسبة للأنثى فالمقصود من ختانها هو تخفيف الشهوة، ولا تعلق له بطهارتها، ولهذا لم يكن ختان الأنثى من الواجبات، لكنه مشروع، يعني يستحب. قال: والختان يجب عند البلوغ، أو قبل البلوغ، ويستحب قبل ذلك. والأفضل أن يختن -يعني الصغير- في اليوم السابع من ولادته، هذا أفضل؛ لأن العروق تكون طرية، والجرح يبرأ سريعا، فاختانه في ذلك العمر أفضل. لكن يجوز أن يؤخر إلى قبل البلوغ، لكن لا يجوز أن يبلغ وما زال غير مختون، فلابد أن يختن قبل أن يبلغ. قال: والاستحداد هو إزالة الشعر الخشن الذي يكون في العانة بالحديدة المسماة بالموس. فالاستحداد أيضا من خصال الفطرة؛ لأن بقاء هذا الشعر يعني السبب لحمل الأوساخ، وكذلك أيضا هو خلاف ما ينبغي أن يكون عليه المسلم من النظافة والنزاهة. فلذلك أمر الشرع بإزالة هذا الشعر. والمستحب فيه إزالته بالموس، يعني بحلقه، سواء كان بالموس أو بأي آلة أخرى من الآلات الحديثة. قال: «وقصوا الشوارب»، يعني ما زاد من الشارب الذي ينزل إلى الشفة، فهذا يقص، وهذا أيضا من الفطرة؛ لأن بقاءه فيه أولا إظهار لصاحبه على مظهر غير حسن؛ لما يكون الشارب كبيرا وطويلا، وفيه شيء من عدم الاهتمام بالنفس. وكذلك أيضا أنه إذا أراد أن يشرب، يتقذر منه بسبب طول شاربه ودخول شاربه في الشراب ونحو ذلك. فلذلك أمر الشرع بقص الشارب وتخفيفه. قال: وتقليم الأظفار، الأظفار معروفة، تقليمها وقصها أن تقص ولا تترك حتى تطول؛ لأن إبقائها سبب يعني دخول الأوساخ تحتها، وهذا مما قد يتضرر به الإنسان إذا أكل والأوساخ متجمعة تحت أظفاره، فيدخل منها شيء إلى جوفه. مع أيضا ما فيه من التشبه بالكفار إذا وُقِعت الأظفار طويلة كما يفعل الكفار. فلذلك أمر الشرع بقصها. قال: ونتف الإبط، الإبط يعني الشعر الذي ينبت في الإبط، فالمستحب فيه أن ينتف، هذا إذا استطاع. وإذا لم يستطع أو شق عليه ذلك، لا بأس أن يحلقه أو يزيله بالنورة أو نحو ذلك من المزيلات. طيب، هذه الأمور الخمسة من الفطرة: الختان، قلنا واجب على الذكر، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، عند جمهور العلماء أنها من المستحبات. لكن من باب قص الشارب، فقد جاء فيه الأمر بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «احفوا الشوارب»، وكذلك تقليم الأظفار قد يكون واجبا لما في ذلك من تشبه بالكفار، وقد نهينا عن التشبه بهم. وأيضا ما يترتب عليه من تراكم الأوساخ تحت الأظفار، في ذلك ضرر على الإنسان. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ضرر ولا ضرار». والبقية مستحبة. قال: الحديث السادس والأربعون: عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء». قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء. رواه مسلم. وذكر له النسائي والدارقطني علة مؤثرة، يعل بها هذا الحديث، وإن كان في صحيح مسلم. وهو من الأحاديث التي أعلها الدارقطني رحمه الله وانتقدها، وتم فيها الانتقاد. وذلك أن الحديث من طريق طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا. هكذا رواه مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب. ورواه عن طلق بن حبيب: سليمان التيمي، وأبو بشر يهو جعفر بن إياس، عن طلق بن حبيب مقطوعا، أي من قوله: أن طلق بن حبيب قال: «كان يقال: عشر من الفطرة». وهذه الرواية رجحها الحفاظ، كالإمام الدارقطني رحمه الله. قال: وهما أثبت من مصعب بن شيبة، وأصح حديثا. ورجح الرواية المقطوعة. وكذا أيضا الإمام النسائي رحمه الله في سننه. فلهذا كان الصواب في هذا الحديث هو الرواية المقطوعة التي هي من قول طلق بن حبيب. لكن يعني ما ذكر في هذا الحديث دلت عليه أدلة. مثلا قص الشارب، هذا ورد. وإعفاء اللحية، جاءت فيه أحاديث بأمر بالإعفاء، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أرخوا اللحى، وفروا اللحى، أعفوا اللحى». هذه الأوامر تدل على أن إعفاء اللحية وتركها من الفطرة. والله عز وجل قد فطر الرجال وخلقهم وجملهم باللحية، فإزالتها هو يعني خلاف الفطرة. فلذلك كان إعفاء اللحية أيضا من الفطرة، وهو أيضا من الواجبات؛ لأنه من الفطرة الواجبة على المسلم أن يعفي لحيته. وكذلك السواك، مرت معنا أحاديث كثيرة في الأمر به والحث والترغيب في استعماله. واستنشاق الماء، ستأتي بعض الأحاديث الصحيحة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. استنشاق الماء: يدخل الماء إلى داخل الأنف. وغسل الأظفار، مرة في حديث أبي هريرة. وغسل البراجم، البراجم هذه ما بين الأصابع، تغسل في الوضوء، فالمسلم إذا توضح أنه يغسل يديه، ويغسل ما بين هذه الأصابع، ويدخل الماء فيما بينها. ونتف الإبط، وحلق العانة، مر في حديث أبي هريرة. وانتقاص الماء، قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء. والاستنجاء أيضا مما أمر به الشرع. قال: الحديث السابع والأربعون: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، ألا نترك أكثر من أربعين ليلة». رواه مسلم. ورواه أحمد وأبو داود بلفظ: «وقت لنا رسول الله»، وفيه ضعف. نعم، رواه أبو داود مرفوعا في سننه، ثم رجح الموقوف. يعني رواه جعفر بن سليمان، عن أبي عمران -وهو الجوني- عن أنس، قال: «ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم». وهذا أصح. يعني رواية: «وقت لنا» هذه صحيحة. رواية مسلم هكذا رجحها أبو داود رحمه الله. أما رواية: «وقت لنا رسول الله»، فهذه لا تصح. فقول أنس رضي الله عنه: «وقت لنا في قص الشارب»، يعني كم يترك؟ قد يقول قائل: متى يعني نقص الشارب، ونقلم الأظفار، وننتف الإبط، ونحلق شعر العانة؟ كم الفترة لتترك هذه الأشياء ثم تزال؟ فذكر في هذا الحديث أنه وقت لهم فيها أربعين ليلة، يعني تترك أربعين ليلة، فإذا مضت الأربعون يزيل هذه الأشياء، ولا يتركها أكثر من أربعين ليلة. وقوله: «وقت لنا»، هذا يحتمل أن يكون له حكم الرفع؛ لأن ما الذي وقت لهم؟ الغالب أنه النبي عليه الصلاة والسلام. فيكون مما له حكم الرفع. فدل الحديث على أن هذه الأشياء التي أمر الشارع بإزالتها لا تترك أكثر من أربعين ليلة؛ لأنها إذا تركت أكثر من ذلك، يعني كان ذلك سببا في طولها وكثرتها، وهذا مما فيه خلاف الفطرة، وما قد يتعلق بذلك من حصول شيء من تحمل الأوساخ ونحو ذلك من الأمور التي تخالف ما قصده الشارع. قال: الحديث الثامن والأربعون: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اختتن إبراهيم خليل الرحمن وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم». متفق عليه. نعم، هذا الحديث فيه أن الختان من سنن الأنبياء. واختتن إبراهيم عليه السلام، والله عز وجل قد أمر نبيه عليه الصلاة والسلام باتباع ملة إبراهيم، حين قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:131-133]، وقال: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل:123]. فكان من ملته عليه السلام أنه كان يختتن. فاختتن وهو ابن ثمانين سنة، بالقدوم. والقدوم هي الآلة التي تستعمل في الحراثة. قال: الحديث التاسع والأربعون: وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القزع. متفق عليه. وعنه رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى صبيا قد حلق بعض شعره وترك بعضه، فنهاهم عن ذلك، وقال: «احلقوه كله أو اتركوه كله». رواه أبو داود بإسناد صحيح. نعم، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن القزع. والقزع هو: حلق بعض شعر الرأس وترك البعض الآخر. هذا هو القزع. كان يحلق جوانب الرأس ويترك الأعلى، أو يحلق الأعلى ويترك الجوانب، أو يترك الوسط ويحلق الجوانب. المهم على أي صورة كان: حلق الرأس بحلق البعض وترك البعض، فهذا من القزع. وقد نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا الواجب إما أن يحلق رأسه كله، وإما أن يتركه كله؛ كما في الرواية الأخرى: «رأى النبي صلى الله عليه وسلم صبيا قد حلق بعض شعره وترك بعضه، فنهاهم عن ذلك، وقال: احلقوه كله أو اتركوه كله». إما أن يحلق الرأس كله، وإما أن يترك الرأس كله. هذا هو الموافق للفطرة: أن يحلق الرأس كاملا، أو يترك كاملا، أو يقص كاملا، أو يخفف كاملا. أما أن يحلق البعض ويترك البعض، فهذا لا يجوز. وهو أيضا فيه يعني شيء من التشويه. ترى يعني هؤلاء الذين يقصون هذه القصات، والله تنظر إليهم متأثرا لهم من حالهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وأشكالهم -والله- يستر. ثم هم في هذا متبعون للكفار، وتشبهون بهم. والله المستعان. قال: باب الوضوء. قال: عن عمر بن عبسة قال: قلت: يا نبي الله، حدثني عن الوضوء. قال: «ما منكم من رجل يقرب وضوءه، فيمضمض ويستنشق فينتثر، إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه. ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء. ثم يغسل يديه إلى المرفقين، إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء. ثم يمسح رأسه، إلا خرت خطايا رأسه من أطرف شعره مع الماء. ثم يغسل قدميه إلى الكعبين، إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء. فإن هو قام فصلى، فحمد الله وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل، وفرغ قلبه لله عز وجل، إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه». رواه مسلم. نعم، باب الوضوء. الوضوء بالضم: الفعل، فعل الوضوء. والوضوء بالفتح: الماء الذي توضأ به. والوضوء كما نعلم أنه من أعظم شروط الصلاة؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر به في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:6]. ذكر في أوائل هذا الباب حديث عمر بن عبسة في فضل الوضوء؛ ليبين ما للوضوء من فضل عظيم. فذكر هذا الحديث أن عمر بن عبسة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «حدثني عن الوضوء». فذكر له النبي عليه الصلاة والسلام هذه الفضيلة العظيمة: أن من توضأ، فأتم وضوءه، وتمضمض، واستنشق، واستنثر -المضمضة معروفة: إدخال الماء داخل الفم- والاستنشاق: إدخال الماء إلى داخل الأنف. والاستنثار: إخراج الماء من الأنف. قالت: «إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه». يعني لما يتمضمض ويستنثر ويستنشق، يعني تخرج الخطايا مع هذا الماء الذي أخرجه من هذه المواضع: من فمه، ومن أنفه. وهكذا إذا غسل وجهه كما أمره الله -انظروا: كما أمره الله- يعني أتى بالوضوء وضوءا صحيحا؛ لينال هذه الفضيلة. «إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء». يعني تساقط الذنوب مع تساقط الماء من وجهه. طبعا الوجه سيشمل ما يتعلق بالبصر؛ يعني مما وقعت فيه العينان من زلة وخطأ، فتساقط هذه الذنوب -الخطايا- مع أطراف الماء. ثم إذا غسل يديه إلى المرفقين، «إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء». تساقط هذه الذنوب التي ارتكبتها يداه مع الماء من أطراف أنامله. ثم إذا مسح رأسه، «خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء». ثم إذا غسل قدميه إلى الكعبين، «إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء». فقال: «فإن هو قام فصلى»، يعني بعد هذا الوضوء. وهذا فيه استحباب صلاة ركعتين بعد الوضوء؛ استحباب صلاة ركعتين بعد الوضوء. ولهذا لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم الجنة، وسمع خشخشة بلال علي رضي الله عنه، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد سمعت خشخشة بلال عليك في الجنة». فأخبره بأرجح عمل عملته في الإسلام، فذكر له أنه «كان لا يتوضأ وضوءا إلا صلى بذلك الوضوء ما كتب له». كان حريصا على أن يصلي بعد الوضوء. قال: «فحمد الله وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل، وفرغ قلبه لله». يعني صلى هاتين الركعتين، وهو أقل ما يصليه من ركعات. «وفرغ قلبه لله» يعني صلى بخشوع وتدبر، وحضر قلبه. قال: «إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه». وهذا الحديث ظاهره أنها تكفر عنه جميع الذنوب: الكبار والصغار؛ لأن قوله: «إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه». والإنسان إذا ولد يولد سالم من الخطايا والذنوب. ومعنى هذا أنه ستكفر عنه الكبار والصغار. وهذه فضيلة عظيمة؛ لمن توضأ وضوءا شرعيا، وصلى بعده ركعتين بحضور قلب وخشوع وتدبر، فإنه ينال هذه الفضيلة العظيمة. مثل أيضا حديث عثمان: لما توضأ كوضوء النبي عليه الصلاة والسلام، ثم قال: «من توضأ نحو وضوء هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه». سيأتي الحديث. «إلا غفر له ما تقدم من ذنبه». فهو نحو هذا الحديث في بيان هذه الفضيلة العظيمة. قال: الحديث الثاني والخمسون: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه». أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد ضعيف. وللترمذي عن سعيد بن زيد وأبي سعيد نحوه. قال أحمد: لا يثبت فيه شيء؛ يعني في البسملة في الوضوء. فحديث الوارد فيها لا يصح. وحديث الصحيحة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم التي عليها الاعتماد في هذا الباب، كحديث عثمان بن عفان، وحديث عبد الله بن زيد، وحديث علي رضي الله عنهم، ليس فيها ذكر البسملة؛ ليس فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر البسملة عند وضوئه. ولهذا كان هذا الحديث لا يصح. وعلى فرض صحته -على فرض أن الحديث صحيح- فهو محمول على الاستحباب. هذا أقل الأحوال: أن تكون البسملة مستحبة. وهذا قول جمهور أهل العلم: أن البسملة مستحبة. قال: الحديث الثالث والخمسون: عن حمران: أن عثمان رضي الله عنه دعا بوضوء، فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم مضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم اليسرى مثل ذلك. ثم قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ نحو وضوء هذا». وقال: «من توضأ نحو وضوء هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه». متفق عليه. نعم، هذا حديث فيه صفة وضوء النبي عليه الصلاة والسلام: أنه عليه الصلاة والسلام لما توضأ، أو أراد عثمان أن يبين لهم وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، فطبق لهم ذلك بالفعل. دعا بوضوء -يعني فيه ماء- فغسل كفيه ثلاث مرات؛ أي قبل الوضوء. غسل كفيه قبل الوضوء، حكمه مستحب باتفاق العلماء: أنه مستحب، وليس بواجب؛ إلا إذا كان بعد استيقاظ من نوم، فيكون غسلها واجبا؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن «يغمس المستيقظ من النوم يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا». قال: «ثم مضمض واستنشق واستنثر». مضمض: أدخل الماء في فمه داخل الفم وحركه، سواء مجّه أو بلعه. تمت المضمضة. واستنشق: أي أدخل الماء إلى داخل الأنف. والاستنثار: إخراج الماء من الأنف. قال: «ثم غسل وجهه ثلاث مرات». الوجه حده: من منبت الشعر المعتاد إلى أسفل الذقن طولا، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضا. هذا هو حد الوجه. قال: «ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات». هذا المرفق سمي بذلك؛ لأن الإنسان يرتفق به، يتكع عليه. وقوله: «إلى المرفق»، المراد: مع المرفق؛ لأن «إلى» بمعنى «مع». فالمرفق يدخل في الوضوء؛ يدخل في داخل الوضوء. فيكون الوضوء إلى بداية العضد. ولو جعلنا «إلى» على معناها في بابها: بمعنى الغاية والانتهاء، يعني غاية الوضوء تكون إلى المرفق، فقد دلت السنة على دخول المرفق في الوضوء؛ من فعل أبي هريرة رضي الله عنه: لما توضأ وغسل يديه، فشرع في العضد. ثم غسل قدميه، فشرع في الساق. ثم قال: «هكذا رأيته -يعني رسول الله عليه الصلاة والسلام- يتوضأ». فتغسل اليدين مع المرفقين. قال: «ثلاث مرات، ثم اليسرى مثل ذلك». ثم قال: «ثم مسح برأسه». ثم مسح برأسه، ولم يذكر ثلاثا؛ لأن الرأس يمسح مرة واحدة؛ كما سيأتي. قال: «ثم غسل رجليه اليمنى إلى الكعبين». رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات. نعم، تغسل القدم إلى الكعبين. أين الكعبان؟ هما العظمان الناتئان الذي يفصلان بين الساق والقدم. وتغسل القدم مع الكعبين، فيشرع في بداية الساق. فتغسل القدم كاملة. قال: «ثم اليسرى مثل ذلك». ثم قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ نحو وضوء هذا». ثم قال: «من توضأ نحو وضوء هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه». المراد: لا يحدث فيهما نفسه حديث السرسال؛ حديث السرسال مع الشيطان. إذا حصل شيء يسير -يعني من غير حديث السرسال- لا بأس. ليس المراد أنه لا يسترسل في حديث النفس؛ فيكون في غالب الصلاة حاضر القلب، متدبرا لصلاته. «غفر له ما تقدم من ذنبه». نعم، هذه فضيلة أيضا عظيمة؛ لمن توضأ وضوءا صحيحا، وصلى ركعتين. وفيه أيضا دليل على استحباب صلاة ركعتين بعد الوضوء.