شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 25

شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 25

الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 25، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

قاعدة عدم قبول الجرح في الأئمة المشهورين المستفيضين

يقرر النص عدم قبول الجرح في حق الأئمة الذين استفاضت عدالتهم واشتهرت إمامتهم كمالك والشافعي وأحمد، مستشهداً برد علماء الجرح والتعديل على أقوال بعض النقاد فيهم. ويبين أن شدة إنكار بعض العلماء على أقرانهم قد تكون للمبالغة في إنكار الخطأ لا للقدح في الذات، مؤكداً قبول قول يحيى بن معين ما لم يخالف إجماع الجمهور.

ضوابط قبول الجرح والتعديل وعدم تأثير كلام الأئمة

يبيّن المقطع أن كلام الأئمة في بعضهم لا يسقط مكانة من ثبتت عدالتهم واستفاضت، كما أن توثيق إمام لراوٍ متفق على تركه لا يُقبل. ويؤكد أن الجرح غير المفسر أو الوارد بسند ضعيف أو من متهم لا يُعتد به، مستشهداً برد رواية الكديمي عن ابن المديني لضعفه وتهمته.

ضعف أسانيد الجرح المنسوبة للأئمة ووقوع الوشايات الكاذبة

يبيّن المقطع أن كثيراً من أقوال الأئمة في الجرح والتعديل لا تصح أسانيدها، ويضرب أمثلة على روايات موضوعة نُسبت إلى أئمة كابن مهدي وأبي حنيفة لتشويه علماء السنة كحماد بن سلمة. ويحذر من قبول توثيق أو تجريح لم يثبت إسناده إلى قائله، مؤكداً أن بعض هذه القصص من وضع أهل البدع للوشاية بين الأئمة.

خاتمة وتأكيد على صحة المسند والتفويض لله تعالى

يؤكد المتحدث في ختام كلامه على شرط الصحة كخلاصة لما تم ذكره من ضوابط في الجرح والتعديل. ويختتم بالتفويض إلى علم الله تعالى في جميع الأمور.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الرابع: لا يقبل الجرح في حق من استفاضت عدالته واشتهرت إمامته، حتى صارت عدالته معروفة عند أهل الحديث، بل وعند الناس جميعاً، كالأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد، وابن المبارك، وسفيان الثوري، وابن عيينة، والحمادين، وغيرهم من أئمة الإسلام. ومثل هؤلاء لا يقبل فيهم قول أحد مهما كان، وهذا المتكلم لهذا كما سيأتي في الأمثلة: أنه لم يقبل قول ابن أبي ذئب في مالك، وقول يحيى بن معين في الشافعي، وهكذا. قالوا: لذلك لا يلتفت إلى كلام ابن أبي ذئب في الإمام مالك، ولا إلى كلام النسائي في أحمد بن صالح المصري؛ لأن هؤلاء أئمة مشهورون، صار الجارح لهم كالمأتي بخبر غريب أو شاذ، لتوفرت الدواعي على نقله. وأحياناً بعض الأئمة، مثلاً، عنده طريقة: إذا رأى خطأً من بعض العلماء الآخرين يشد فيه الإنكار، حتى يحمله على الكلام على هذا العالم، وهو يعلم أنه عالم كبير، لكن يشد لأجل أن يعظم الخطأ الذي... أو أن يعظم هذا الخطأ الذي قاله. وهذا يفعله بعض المعاصرين، حتى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- كان يشد في الرد، يكون رده قوياً جداً، لكن لما تكلم على الشيخ السعدي -رحمه الله- في مسألة الردم: "أجود ومأجود"، وذكر الشيخ كلاماً استنكره ابن عثيمين، فردّ قوياً جداً، أنا بشدة، وأن هذا من الخرافات، وهذا كذا... حتى إذا انتهى من الرد قال: "ولا شك أن الشيخ عبد الرحمن السعدي منزلته معروفة في العلم، هو رجل منا من أهل السنة"، وكذا. بعد ذلك يسّر معناه، لكن في بداية رد شديد. فتجد أن بعض العلماء هكذا. فابن أبي ذئب أنكر على مالك بعض الأشياء، منها: إنكاره خيار المجلس، إنكاره خيار المجلس، مع أنه قد روى حديث عبد الله بن عمر، فأنكر عليه إنكاراً شديداً. قالوا: وقد صحّ عن ابن معين أنه يتكلم في الإمام الشافعي، وبعض أهل العلم يقول: إنه لم يتكلم في الإمام الشافعي، وإنما قصد رجلاً آخر يسمى بالشافعي في بغداد، وليس أراد الإمام. وبعض أهل العلم يثبته، كابن حجر وغيره. قالوا: لذلك قال الحافظ الذهبي: "قد آذى ابن معين نفسه بذلك، ولم يلتفت الناس إلى كلامه في الشافعي، ولا إلى كلامه في جماعة من الأثبات، كما لم يلتفت إلى توثيقه لبعض الناس". فإنا نقبل قوله دائماً في الجرح والتعديل، ونقدمه على كثير من الحفاظ، ما لم يخالف الجمهور في اجتهاده. فإذا انفرد بتوثيق من لينه الجمهور، أو بتضعيف من وثقه الجمهور وقبلوه، فالحكم لعموم الأقوال، لا لمن شذ. فأحياناً تجد أنه... ألا إما ينكرون عليه إنكاراً شديداً، مثلاً على هذا الراوي، فتجد ابن معين وثّقه، ثم مثلاً أحمد بن محمد بن أبي الصلت وثقه ابن معين، مع أن العلماء ينكرون عليه إنكاراً شديداً، حتى قال النسائي وغيره: إنه متروك، وتكلم عليه أحمد. فلهذا تجد هناك بعض الأشياء في التعديل. وأيضاً كذلك العكس: فأحياناً يتكلم على أناس قد ثبتت عدالتهم عند العلماء، فلهذا لم يقبل قوله. فإن كان ابن معين -رحمه الله- تكلم على الشافعي، فالشافعي إمام، ما يضره كلام أحد، ولو كان بمثلي ابن معين -رحمه الله-. ولهذا لم يسقط هؤلاء الأئمة بكلام غيرهم فيهم. فهذا الشعبي كان يتكلم في إبراهيم النخعي، فلم ينزل من مرتبة إبراهيم. وكذلك العكس: كان ابن سيرين يتكلم على الحسن، لكن ليس بالكلام القوي، وإنما كلام في بعض الأمور، مثل أنه يروي عن "من هب ودب"، وهكذا يروي المرسلات. قال رحمه الله: في مقابل ذلك، لا يأخذ بتوثيق إمام لراوٍ اتفق الأئمة على تركه. ولذلك أعرضوا عن توثيق الإمام الشافعي لإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، مولى لهم. يعني: إذا اتفق العلماء أو بينوا عوار رجل، لا يرفعه توثيق فلان له، ولو كان هذا الشخص الذي وثقه إمام مثل هذا. محمد... إبراهيم بن أبي يحيى، مثل نصر بن باب: وثقه الإمام أحمد، وقد تكلم فيه الناس، فلم ينفعه كلام الإمام أحمد؛ لأن العالمحياناً يظن في الشخص ظناً حسناً. ولهذا دائماً الإمام أحمد يقول: "والله لا أعلم إلا خيراً"، يقول: "لا أعلم إلا خيراً"، ما يتكلم عنه. فخلاصة الأمر: أن مسألة التوثيق والتعديل لا بد أنها تخضع لكلام أهل العلم. فمن ثبتت عدالته... فمن ثبتت عدالته لا يجرحه أي جارح، كائناً من كان. ومن استفاضت عدالته... وقد جاءت عبارة كما تقدم معنا أنه نسبها بعضهم للإمام أحمد، والظاهر أنها ليست له، وإنما للبيهقي؛ لأن البيهقي يقول في كلامه: "وقال الإمام أحمد في كتابه السنن"، وكذا. ولا يقصد بقول "الإمام أحمد" الإمام أحمد بن حنبل، وإنما يقولها تلميذه الذي كتب الكتاب، يقول: "وقال الإمام أحمد"، يريد أحمد البيهقي؛ لأن اسمه أحمد. فظن بعض أهل العلم، ومنهم المؤلف، أن المقصود به الإمام أحمد. لكن هذه القاعدة حق: من استفاضت عدالته وثبتت عند الناس، فلا يزحزحها قول أحد من الناس، كائناً من كان، ولو كان عالماً مثله، ولو كان أعلم منه، تكلم في هذا الشخص. وهذا الشخص قد استفاضت عدالته عند العلماء، فإنه لا ينفعه. وكما ذكرنا مسألة كلام أيضاً النسائي في أحمد بن صالح المصري، فإنه لم يضره كلام محمد بن يحيى الذهلي، ولا في البخاري، فإنه لم يضره. فلهذا فهناك قواعد عند العلماء تكون كضوابط في الجرح والتعديل. فكما أن الجرح مقبول إذا كان مفسراً، لكن إذا كان جاء عن مثل هؤلاء... معنى جاء الجرح في مثل هؤلاء الأئمة فهو غير مقبول. قال رحمه الله تعالى: الخامس: لا عبرة بجرح لم يصح إسناده إلى الإمام المحكي عنه. قال الحافظ ابن حجر: ونقل ابن الجوزي من طريق الكديمي عن ابن المديني عن القطان أنه قال: "أنا لا أروي عنه"، يعني: أبان بن يزيد العطار. وهذا مردود؛ لأن الكديمي ضعيف، بل الكديمي تُهم بالزندقة والكذب، فهو متهم، متروك. محمد بن يوسف الكديمي... ابن يونس عندكم... محمد بن يونس، محمد بن يونس، محمد بن يونس، محمد بن يونس... طيب، فهذا محمد بن يونس ضعيف ومتروك. فلهذه فهذه الحكاية عن ابن المديني عن ابن القطان ليست صحيحة. بل يزيد العطار... أو أبان بن يزيد العطار ثقة، من أصحاب يحيى بن أبي كثير، من البصريين الثقات. وهذا كثير: تجد كثيراً من العبارات التي تأتي عن الأئمة، طريقها غير صحيحة. قال: أما يؤكد اعتبار ذلك فيما ينسب للأئمة من الأقوال، فرسم الحافظ المزي لمنهجه في مقدم كتابه "تهذيب الكمال"، حيث قال: "ولم نذكر إسناد كل قول من ذلك فيما بيننا وبين قائله خوف التطويل، وقد ذكرنا من ذلك الشيء بعد الشيء، لألا يخلو الكتاب من الإسناد على عادة من تقدمنا من الأئمة في ذلك. قال: أما لم نذكر إسناده فيما بيننا وبين قائله، فما كان من ذلك بصيغة الجزم فهو مما لا نعلم في إسناده عن قائل المحكي ذلك عنه بأساً، وما كان منه بصيغة التمريض فربما كان في إسناده لقائله ذلك نظر". وهذا كلام صحيح، وكلام رجل محقق. قال: نظير ما تقدم: لا يقبل توثيق لم يصح إسناده إلى الإمام المحكي عنه. ومن ذلك ما رواه علي بن عبد العزيز البغوي عن سليمان بن أحمد قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: "ما رأيت شامياً أثبت من فرج بن فضالة". قال الحافظ ابن حجر: "لا يغتر أحد بالحكاية المروية في توثيقه عن ابن مهدي، فإنها من رواية سليمان بن أحمد، وهو الواسطي، وهو كذاب". وهذا تجده كثيراً جداً. بل بعضهمحياناً يذكر حتى أشياء من الوشايات التي لا ينبغي نقلها، ولا يقولها أئمة، وحاشاهم أن يقولوا مثل هذا. مثل ما ذكروا في الحكاية التي عن الإمام أحمد ويحيى بن معين: أنهم ذكروا أنهم رأوا الكديمي عند حماد بن زيد... أرسوا... ذكروا الشاذكوني: رأوا الشاذكوني، الحسن بن علي الشاذكوني، رأوه عند حماد بن زيد، فقالوا له... معناه: كأن الإمام أحمد ويحيى بن معين قالا لحماد بن زيد: "والله ما أرسل هذا يحيى القطان عندك إلا ليفسد حديثك، إلا ليفسد حديثك". فهذه القصة كذب، وإنما أرادوا أن يوقعوا الوشاية بين الأئمة. والإمام أحمد من أشد الناس تعظيماً ليحيى بن سعيد، وأيضاً من أشد الناس تورعاً أن يقول مثل هذا الكلام. فلهذا قد يكون هذا الأمر من أحد هؤلاء الذين كانوا يكذبون، يريدون الوشاية بذلك. أيضاً كذلك ما جاء عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: "لما... لما ذهب حماد بن سلمة إلى عبادان، فجاء بعد ذلك من عبادان وهو يذكر أحاديث في الصفات منكرة، وذكر منها حديث الحمار وغيره". فهذه القصة وضعها محمد بن شجاع الثلجي، رجل من الجهمية، من الحنفية. وأيضاً إبراهيم... ومما يدل على كذب هذه القصة: أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي كان صغيراً في ذلك الوقت، يعني: مات حماد بن سلمة وإبراهيم عنده ست سنوات أو أقل، فكيف سيعرف مثل هذا الكلام؟ فقوله: إنه ذهب... أن حماد بن سلمة ذهب إلى عبادان ثم جاءنا ويذكر لنا مثل هذه الأحاديث الصفات... كل هذا من وضع هؤلاء الجهمية، يريدون أن يعيبوا حماد بن سلمة؛ لأنه كان شديداً عليهم. فلهذا يضعون مثل هذه القصص الكاذبة. فخلاصة ما يذكر: أنه لا بد أن يكون الإسناد إلى هذا الإمام في الجرح... أن يكون صحيحاً، أن يكون صحيحاً. فهذا خلاصة ما يذكر، والله تعالى أعلم.