الدرس في كتاب الطهارة 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش المقطع مسألة نجاسة الخمر بناءً على حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، ويبين اختلاف العلماء في نجاستها. استدل البعض بالآية القرآنية وحديث أنس على نجاستها، بينما رأى آخرون أنها طاهرة لكنها محرمة.
يبين المقطع طهارة المسلم حيا وميتا، وطهارة الكافر، وحرمة لحوم الحمر الأهلية مستدلا ببعض الأحاديث النبوية. هذه الأحكام مبنية على أدلة شرعية.
المقطع يبين طهارة لعاب وعرق بهيمة الأنعام مستدلا بحديث عمر بن خارجة، وطهارة المني مستدلا بحديث عائشة. كانت تغسل أو تفرك المني من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم ثم يصلي فيه.
غسل المني الرطب يعد من باب النظافة وليس لإزالة النجاسة. هذا الحكم يأتي في سياق الاهتمام بالنظافة الشخصية.
بسم الله رب العالمين، صلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف رحمه الله: باب إزالة النجاسة وبيانها. الحديث السادس والعشرون: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر تتخذ خلا، قال: لا. أخرجه مسلم. هنا في هذا الباب سيذكر بعض الأحاديث الدالة على نجاسة بعض الأشياء، والأصل في الأشياء الطهارة، الأصل في الأشياء الطهارة إلا ما دل الدليل على نجاسته. وينبغي أن نعلم أنه ليس كل محرم نجس، ليس كل محرم نجس، ولكن كل نجس محرم. هذه قاعدة ينبغي أن نفهمها: لا يلزم من تحريم الشيء أن يكون نجسا، وإنما الشيء النجس يكون محرما. ذكر في أوائل هذا الباب حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر تتخذ خلا، يعني تترك حتى تصير خلا أو يعني يعاملها بأشياء فيقلبها خلا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا، أي لا تفعل ذلك، لا تتخذ من الخمر خلا. وذلك أن الخمر محرمة، والواجب إراقتها وعدم إبقائها، فلا يجوز للإنسان أن يبقي الخمر لأجل أن تكون خلا، هذا لا يجوز. لكن لو تخللت الخمر بنفسها حلت، لو تخللت الخمر بنفسها حلت؛ لأنها حينئذ انقلبت من عين إلى عين أخرى. وتأتي هنا المسألة المراد بيانها في هذا الباب: هل الخمر نجسة؟ المصنف ذكر هذا الحديث للاستدلال بذلك على نجاسة الخمر. وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فمنهم من ذهب إلى أنها نجسة، واستدل بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، قالوا: الرجس النجس. واستدل بهذا الحديث على نجاسة الخمر. وذهب آخرون، وهذا القول قول الجمهور، جمهور أهل العلم، وذهب آخرون إلى أن الخمر طاهرة، وإن كانت محرمة، لكنها ليست بنجسة. والدليل على ذلك أن الخمر لما حرمت ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريم الخمر، كما في الصحيح من حديث أنس: «أريقت الخمر في سكك المدينة»، ولو كانت نجسة لم يفعل ذلك، أن تراق في طرق المدينة وفي طرق الناس. وكذلك أيضا أن الأصل في الأشياء الطهارة، وليس هناك دليل صحيح صريح يدل على أن الخمر نجسة. ولفظ الرجس يطلق على النجس، يطلق على الشيء القذر والشيء المحرم، فلا تدل الآية على نجاسة الخمر. وكما قلنا سابقا: لا يلزم من تحريم الشيء أن يكون نجسا. قال الحديث السابع والعشرون: وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تنجسوا موتاكم؛ فإن المسلم ليس بنجس حيا ولا ميتا». رواه الدارقطني والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه. وفي البخاري: وقال ابن عباس: «المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا». وفي حديث أبي هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن لا ينجس». هذا الحديث فيه دلالة على أن الميت لا ينجس، وأنه طاهر، وهكذا المسلم فهو طاهر حيا وميتا. نعم، «إن المؤمن لا ينجس»، فالمسلم طاهر حيا وميتا، حتى لو مات هو طاهر. والأمر بغسله ليس على أنه نجس، وإنما أمر تعبدي، أن يغسل الميت. وهكذا الكافر، الكافر حال حياته: الصحيح أنه طاهر. وقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، المراد بذلك النجاسة المعنوية، لا النجاسة الحسية. ومما يدل على ذلك أن الله جل وعلا أباح للمسلم نكاح نساء أهل الكتاب، وإذا جاز ذلك سيحصل بين الرجل وأهله من المعاشرة ما يحصل، ومع ذلك لم يؤمر المسلم بشيء زائد عن غسل الجنابة، ولو كانت نجس نجاسة حسية لأمر بالاقتصال أو غسل ماء مسه من جسدها إلى آخر ذلك، ولم يؤمر الشرع بشيء من ذلك، فدل ذلك على أن الكافر طاهر. وهكذا إذا مات فكذلك، على الأصح: صحيح أنه يعتبر طاهرا، ولا دليل على النجاسة. فابن آدم طاهر حيا وميتا. قال الحديث الثامن والعشرون: عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه، ثم ناوله الشق الأيسر، فقال: احلق، فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، فقال: اقسمه بين الناس. رواه مسلم. وهذا الحديث كما ذكرنا: يعني أن أجزاء المسلم كشعره وعرقه ونحو ذلك أنها طاهرة. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما حلق في حجة الوداع لما تحلل حلق الشق الأيمن، ثم الشق الأيسر، ثم قال: اقسمه بين الناس، حتى يتبرك به. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يتبرك بأجزائه عليه الصلاة والسلام، كشعره وعرقه ونخامته وبقايا وضوئه إلى آخر ذلك. وهذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجوز التبرك بآثاره لأنه نبي. وأما غير النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز التبرك بشيء من آثاره. قالوا: عن جابر رضي الله عنه قال: لما كان يوم خيبر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا طلحة فنادى: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية؛ فإنها رجس». متفق عليه. نعم، في يوم خيبر، وكانت في السنة السابعة من الهجرة، أصاب الناس جوع، فعمدوا إلى الحمر الأهلية فذبحوها وطبخوها في القدور، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر أن تكفأ القدور، وأخبرهم بحرمة الحمر الأهلية: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية؛ فإنها رجس». فلحوم الحمر الأهلية محرمة، لا يجوز للإنسان أن يأكل الحمار الأهلي. وقوله: «فإنها رجس»، يعني محرمة أو نجسة كذلك، قد يستدل بهذا على نجاستها وأيضا على حرمتها. هذا بالنسبة للحوم الحمر الأهلية، لكن نفس الحمار، الحمار نفسه طاهر، الحمار والبغل وما كان مثله مما يشق التحرز منه، كما مر معنا في حديث قتادة: «إنها ليست من أجسامنا، إنها من الطوافين عليكم والطوافات». فما يكثر تطوافه ويشق التحرز منه فحكمه أنه طاهر. ومن ذلك أيضا الحمار الأهلي؛ فإنه يكثر استعمال الإنسان له ومرافقته له، ركوبه وملامسته إلى آخر ذلك، فيكون شعره طاهر، وعرقه طاهر، وسؤره طاهر. نعم، أما بوله وروثه فهو نجس. قال الحديث الثلاثون: عن عمر بن خارجة رضي الله عنه قال: خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم بمنى وهو على راحلته، ولعابها يسيل على كتفي. أخرجه أحمد والترمذي وصححه. هذا الحديث فيه دليل على طهارة لعاب بهيمة الأنعام. فهنا خطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس وهو على راحلته، أي راكب عليها، ولعابها يسيل على كتفي، أي على كتف عمر بن خارجه، ومع ذلك ما أمر بغسله أو ما أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فدل على أن لعاب الإبل طاهر. وهكذا كل ما كان مثله مما يأكل لحمه فإنه طاهر، لعابها، عرقها. وكذلك أيضا فيه جواز الخطبة على الراحلة، أن يخطب الإنسان وهو راكب على راحلته إذا كان ذلك لمصلحة، كأن يراه الناس مع كثرة الناس مثلا، نحو ذلك فلا بأس. قال الحديث الواحد والثلاثون: عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه. متفق عليه. ولمسلم: «لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركا، فيصلي فيه». وفي لفظ له: «لقد كنت أحكه يابسا بظفري من ثوبه». نعم، هذا الحديث تخبر عائشة رضي الله عنها أنها كانت تغسل المني من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب الذي غسلته، وهي تنظر إلى أثر الغسل في ذلك الثوب. وفي رواية مسلم: «لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركا»، فرك يعني دلك، تدركه من غير غسل بأصابعها، فيصلي فيه. هنا لم تذكر الغسل. وفي اللفظ الآخر: «لقد كنت أحكه يابسا بظفري من ثوبه»، كنت أحكه يابسا بظفري من ثوبه. المني اختلف أهل العلم: هل هو طاهر أو نجس؟ والصحيح أنه طاهر، الصحيح أنه طاهر؛ وذلك لأمور: الأمر الأول أنه أصل خلقة بني آدم، ومن ذلك الأنبياء والرسل، ولا يمكن أن تكون أصل خلقتهم نجسة. والأمر الثاني هو ما في هذا الحديث من أنها كانت رضي الله عنها تحكه يابسا من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي فيه من غير غسل، من غير غسل. ولو كان نجسا لوجب غسله، ولم يكتف بمجرد الفرك، لم يكتف بمجرد الفرك؛ لأن النجاسة لابد من غسلها. فكونها تكتفي بالفرك والدلك أثر المني من غير غسل هذا دليل لأنه طاهر. وأما رواية الغسل فهذا تحمل على أن المني يغسل إذا كان رطبا، يغسل إذا كان رطبا، وإذا كان يابسا فيحك. وغسله ليس من باب غسل النجاسة، وإنه من باب النظافة، كما يغسل الإنسان المخاط إذا أصابه في ثوبه أو النخامة، وهي طاهرة باتفاق. كذلك أيضا غسل المني إذا كان رطبا هذا من باب النظافة وليس من باب إزالة النجاسة. نعم.