الدرس في أخطاء المصلين 53، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الدرس ببيان قاعدة الأصل في العبادات وهو التوقيف، محذراً من البدع الشائعة في الجنائز. ويضرب مثالاً بقراءة سورة يس للميت مبيناً ضعف الحديث الوارد فيها وعدم صحة الاحتجاج به.
يؤكد المحور أن القراءة الجماعية لسورة يس أو غيرها للميت بدعة لا أصل لها في السنة، والأصل في الأذكار الانفراد. كما ينفي مشروعية قراءة القرآن عند الميت في أي مرحلة بعد الوفاة لعدم ثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة.
يقرر المقطع أن قراءة القرآن لا يصل ثوابها للميت استدلالاً بقوله تعالى ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ ومذهب الشافعي والنووي. ويبين أن ممارسات كقول «الفاتحة على روح فلان» والجهر بالذكر عند الغسل والتشييع هي بدع محدثة لم ترد عن السلف.
يختتم الدرس بانتقاد المخالفين لاتباعهم أهواءهم دون دليل من الكتاب أو السنة، مستشهداً بآية تطالبهم بالبرهان. ويشير إلى وجود بدع أخرى سيُتناولها في درس قادم لانتهاء الوقت المحدد.
الحمد لله محمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فمن أخطاء الجنائز إحداث البدع، وهذا باب خصوصا في الجنائز كثير. فنذكر بعض هذه البدع التي تفعل في الجنائز بقصد التقرب، ولم يدل عليها الدليل لا من الكتاب ولا من السنة. وأنتم تعلمون القاعدة في أمر الاتباع: أن أي عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله لا بد أن تكون مشروعة، قد شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم إما بقوله، وإما بفعله، وإما بتقريره. فإذا سألك سائل: ما هو الدليل على أن هذا الفعل بدعة؟ قل له: الدليل؛ لأن القاعدة عند أهل العلم: الأصل في العبادات التوقيف. الأصل في العبادات التوقيف، يعني يتوقف المسلم عن الإقدام على العبادة حتى يجد ما يدل عليها من الكتاب أو من السنة. فإذا تقررت عندك هذه القاعدة، فقسها على كل عمل تعمله تتقرب به إلى الله. فمثلا في باب الجنائز: قراءة سورة يس عند الميت، هل ورد بها الدليل؟ فيقال: لم يرد بها الدليل الصحيح. جاء فيها حديث وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرؤوا على موتاكم يس»، ولكن هذا الحديث عند أهل الصنعة من علماء الحديث لا يثبت، مداره على رجل يقال له أبو عثمان وليس بالنهدي، وهو ضعيف. فإذا لا بد من الدليل أن يكون دليلا صحيحا ثابتا، لا ضعيفا مردودا عند أهل الحديث. ثم لو ثبت هذا الحديث، فهو قراءة من غير ذكر، أو قراءة جماعية كما يفعل اليوم عند بعض الناس قبل الصلاة على الجنازة إذا أتي بها إلى المسجد، فإنهم يقرؤون هذه السورة قراءة جماعية. فهذا أمر آخر. لو صح الحديث وقلنا بالعمل به، لكان العمل به أن يقرأ كل واحد هذه السورة، سواء بعد موته مباشرة قبل أن يغسل، أو بعد أن يغسل، أو قبل أن يصلى عليه، تقرأ هذه السورة بمفردك. وقد أخذنا قاعدة ذكرها العلامة ابن باز عليه رحمة الله: أنه لم يثبت في شيء من الأوراد أو من الأذكار القراءة أو الذكر الجماعي. لم يرد ذلك في شيء من العبادات، ومن أثبت ذلك فعليه بالدليل. لم يرد لا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أنهم كانوا يأخذون ذكرا أو دعاء أو قراءة لسورة من سور القرآن بشكل جماعي أبدا. لم يرد ذلك في شيء، وإنما كان كل واحد منهم يذكر الله وحده. فهذا لا شك أنها من البدع الواضحة الظاهرة التي يفعلها بعض الناس في مجتمعاتنا، وهي من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان. ومثلها قراءة القرآن عند الميت، سواء كان بعد موته مباشرة قبل غسله، أو بعد تكفينه، أو نحو ذلك. فهذا أيضا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا عن أصحابه. ولا حتى بعد موت الميت قراءة القرآن. الصحيح أنها لا تصل إلى الميت، بقول الله عز وجل: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ﴾. استدل الإمام الشافعي، وهم ممن يزعم أنه على مذهب الشافعي، فإن مذهب الشافعي أن قراءة القرآن لا تشرع للميت، استدلالا بهذه الآية. وقد قرر ذلك كذلك من أشهر، ومن كذلك أقرب الناس لمعرفة مذهب الإمام الشافعي، وهو الإمام النووي رحمه الله تعالى رحمة واسعة. فلا تشرع هذه القراءة، كذلك لا بعد موت الميت بثلاثة أيام، ولا بأربعين يوما، ولا قبل دفنه، ولا بعد دفنه. هذه كلها من البدع المحدثة التي ما أنزل الله بها من سلطان. ومن تلك البدع أيضا قولهم عند الإخبار بموت الميت: «الفاتحة على روح فلان»، أو «الفاتحة وإلى حضرة النبي». هذا كله من البدع المحدثة، لم يرد ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه، وإنما أحدثها من أحدثها من المتأخرين. وكذلك من هذه البدع: الجهر بالذكر عند غسل الجنازة، أو عند تشييعها ودفنها. فكل هذا مما لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو خلاف ما ورد عن السلف من لزوم الصمت والتفكر والسكينة عند تشييعهم للجنائز. أما ما يفعل اليوم من الأذكار الجماعية بالتهليل أو التسبيح أو التلقين، أو كذلك نحو ذلك مما يفعله بعض الناس بصوت جهوري مرتفع، فهذا كله من البدع. وما يفعله هؤلاء إلا عن هوى، وإلا فلو أرادوا الحق لرأوا أن هذه الأمور لم يرد فيها دليل لا من كتاب ولا من سنة. ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. وهناك أيضا بعض البدع الأخرى، لكن لانتهاء الوقت نأخذ ذلك إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلم.