الدرس في أخطاء المصلين 52، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع صور التسخط عند المصيبة كالنياحة ولطم الخدود وشق الجيوب وضرب الرأس وتكسير الأواني، مستدلاً بحديث ابن مسعود رضي الله عنه أن من فعل ذلك ليس من أهل السنة، وأن هذه الأفعال من الكبائر لاشتمالها على الوعيد الشديد.
يبين المقطع أن التسخط يشمل لطم الخدود وشق الجيوب ورمي الهاتف ونشر الشعر أو حلقه، مستدلاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي تبرأ من الصالقة والحالقة والشاقة، محذراً من هذه المظاهر الدالة على عدم الرضا.
يوضح المقطع نهيه صلى الله عليه وسلم للنساء في بيعة المبايعات عن ممارسات الجزع كشق الثياب وخمش الوجه والدعاء بالويل ونشر الشعر دون تسريح، مبيناً معاني هذه الأفعال وأنها تدل على السخط وعدم الرضا بقضاء الله، وأن الحديث رواه أبو داود وصححه الألباني.
تؤكد الأحاديث أن إظهار الجزع أو عدم الرضا بقضاء الله يُعد من الكبائر، وقد تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم ممن يرتكب هذه الأفعال عند المصيبة، ونُهي عن هذه السلوكيات بألفاظ شديدة تدل على خطورتها وعظم جرمها.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فأخذنا في الدرس الماضي من أخطاء الجنائز: التسخط وعدم الصبر على مصيبة الموت. ذكرنا أن للتسخط علاماتٍ أو صورًا، ذكرنا من تلك الصور: النياحة، وعرفنا معناها والأحاديث التي نهت عن هذا الفعل. ومن صور كذلك التسخط وعدم الصبر عند مصيبة الموت: لطم الخدود وشق الجيوب، وما كان بمعناهما. ومعنى لطم الخدود: يعني ضرب الخدود عند المصيبة بالأيدي. وشق الجيوب: الجيوب هو الثوب أو ما شق من الثوب لإدخال الرأس، هذا الموضع يشقه شقًا أي يقطعه، وكذلك يسحبه سحبًا شديدًا. فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوة الجاهلية». رواه البخاري ومسلم. وقوله: «ليس منا» أي: ليس متأسٍيًا بسنتنا، ولا مغتدٍيًا بنا، ولا ممتثلًا لطريقتنا التي نحن عليها. ولذلك تعد هذه الأفعال عند المصيبة من كبائر الذنوب؛ لأن من ضوابط الكبيرة إذا جاء فيه «ليس منا» كما ذكر ذلك أهل العلم. وفي معنى لطم الخدود وشق الجيوب ما كان بمعناهما، من مثل: ضرب الرأس بالجدار، بعضهم إذا نزلت به مصيبة ضرب رأسه بالجدار، أو ما كسر الصحون، دخل المطبخ يعني رمى بالكاسات والأوعية ونحو ذلك تسخطًا على ما نزل به من مصيبة. هذا بهذا المعنى. وإنما ذكر لطم أو ضرب الخدود وشق الجيوب على الغالب كان الناس يعلون ذلك، فما كان بمعناهما مما يدل على التسخط وعدم الصبر يدخل في هذا المعنى. فمن ذلك كذلك: عندما ربما يتصل على أحدهم بإخباره بهذه المصيبة يرمي به الهاتف في الجدار أو في الأرض حتى يكسره، فهذا أيضًا يدخل في هذا المعنى، يدخل في هذا المعنى. وأيضًا مما جاء النهي عنه وهو من التسخط عند المصيبة وعدم الصبر عند المصيبة: نشر الشعر أو حلقه. فعن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: وجع أبو موسى وجعًا فغشي عليه، يعني لم يدرك ما حوله، غشي عليه. قال: ورأسه في حجر امرأة في أهله، كان رأسه في حجر امرأة في أهله، يعني من أهله من محارمه. قال: فصاحت امرأة من أهله، صاحت ورفعت صوتها وصرخت هذه المرأة. قال: فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا لأنه أغمي عليه، لكن سمع بهذا الصراخ وهذا الصياح، سمع به نعم. فلما أفاق، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «أنا بريء ممن بريء منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، بريء من الصالقة والحالقة والشاقة». رواه مسلم. فالنبي صلى الله عليه وسلم تبرأ من هذه الصفات الثلاث عند المصيبة. الصالقة: هي التي ترفع صوتها عند فجيعة والمصيبة، صالقة صلقت بصوتها أي رفعت صوتها نعم. وأما الحالقة: وهو موضع الشاهد، التي تحلق شعرها عند المصيبة، ومن ذلك أن تنتف شعرها، وما بعد إذا نزلت بها المصيبة أخذت بكفيها في شعرها وأصبحت تجر شعرها وتنزع شعرها، هذا يدخل في هذا المعنى. تبرأ منها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأما الشاقة: فهي التي تشق ثوبها عند المصيبة، وهي بمعنى شق الجيوب. هذا الشق من الجيب أو من أسفل أو من أعلى، أو أن تأخذه بأسنانها وتمزقه، كل ذلك من هذا الفعل الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا جاء عن أبي أسيد عن امرأة من المبايعات التي بايعهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: هذه المرأة كان فيما أخذ أو فيما أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعروف الذي أخذ علينا ألا نعصيه فيه: ألا نخمش وجهًا. الخمش هو وضع الأظافر في الوجه، الأخذ يعني حكها في الوجه، حكها في الوجه. فمما كان يبايع النبي صلى الله عليه وسلم النساء: ألا نخمش وجهًا أي عند المصيبة، ولا ندعو ويلا، يعني لا تدعو عند المصيبة بالويل، والويل بمعنى الهلاك والثبور، الهلاك والثبور، أو ما كان بمعنى لو قالت مثلًا: لي الموت، هو بمعنى يا ويلا أو يا ويلي أو لي الويل أو نحو ذلك، كل هذه الألفاظ تدل على التسخط. وكذلك قالت: ولا نشق جيبًا، وأن لا ننشر شعرًا. ونشر الشعر يعني تركه من غير ترجيل ومن غير تسريح جزعًا وتسخطًا على ما نزل بها من مصيبة. فهذا أيضًا مما نهي عنه في هذا الحديث، والحديث رواه أبو داود وصححه الألباني. فكل هذه الأفعال تدل على عدم الرضا بقضاء الله وقدره، فلذلك نهي عنها في مثل هذه الأحاديث بألفاظ تدل على أنها من كبائر الذنوب، سمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم تبرأ ممن تفعل ذلك، ونحو ذلك من تلك الأحاديث الناهية عن هذه الأفعال عند المصيبة. نكتفي بهذا وإلى هنا والله.