الخطبة بعنوان من أخطاء المصلين - الجزء الثاني، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 7 صفر 1439هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
تحذر الخطبة من الإسراع في المشي إلى الصلاة لخله بالسكينة والوقار، وتنهي عن أكل الثوم والبصل قبل الحضور للمسجد لأذية المصلين والملائكة. وتستدل بأحاديث نبوية وآيات قرآنية تأمر بأخذ الزينة عند كل مسجد.
يحذر المقطع من حضور المسجد بروائح كريهة كالدخان والقات لاعتبارها خبائث محرمة تؤذي المصلين. ويبين أن التلفظ بالنية بدعة لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الأئمة الأربعة، وأن النية محلها القلب فقط.
يسرد الخطيب أخطاء شائعة كالتنصيص على النية باللسان، ورفع اليدين بعد الفاتحة، وزيادة ألفاظ في الدعاء والصلاة الإبراهيمية، والإشارة باليدين عند التسليم. وينهى عن التشويش في المسجد بالكلام بعد الصلاة أو أثناءها مستدلاً بأحاديث نبوية وتوجيهات العلماء.
يسأل الداعي الله أن يولّي خيار الناس ولا يولّي شرارهم، وأن يجعل الولاية فيمن يخاف الله ويتقيه. ويطلب الله أن يجنّب الأمة وبلادهم الفتن الظاهرة والباطنة، مختتماً بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، أخرج أبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن أول ما يحاسب عليه المرء يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر». هذا الحديث فيه بيان قدر الصلاة وهميتها في الإسلام، وأنها من أفضل الأعمال العملية من أعمال الجوارح، فلذلك فهي أول ما يحاسب عليه المرء يوم القيامة، وذلك السؤال هو حق من حقوق الله سبحانه وتعالى، أو في حق من حقوق الله عز وجل، وهو حق عظيم، ألا وهي الصلاة. فلذلك ينبغي للمسلم أن يحرص، ينبغي للمسلم على إصلاح هذه الصلاة وإتمامها وإكمالها، ويحذر من فسادها أو نقصانها. وقد تقدم أن تكلمنا في خطبة ماضية عن بعض أخطاء المصلين، مثل عدم الطمأنينة في الصلاة، مسابقة الإمام، عدم الطمأنينة في الركوع والسجود، وهكذا لبس الثياب اللاصقة الضيقة، وهكذا صلاة المنفرد خلف الصف بغير عذر، وغير ذلك من الأخطاء. وكما تقدم أن أخطاء الصلاة لا يكفيها خطبة ولا خطبتان لكثرة تلك الأخطاء في صلاة، والله المستعان. وإني في هذا المقام أذكر وأنبه على بعض الأخطاء الأخرى من أخطاء المصلين، فمن تلك الأخطاء - فمن تلك الأخطاء - الإسراع في المشي إلى الصلاة لإدراك الركعة أو التكبيرة. فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إِذَا أَتَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَامْشُوا فِيهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ وَلَا تُسْرِعُوا فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». إن الإسراع في المجيء إلى الصلاة فيه مفاسد كثيرة، منها أن هذا الإسراع يُخِلُّ بمقام الصلاة، فلا يأتيها المسلم إلا وهو يلهث، إلا وهو يتصبب عرقًا. وكذلك من مفاسد ذلكم الإسراع التشويش على المصلين بضرب الأرجل عند السعي، فيشوش ذلك على المصلين، بل ولربما يُشغل الإمام ونحو ذلك. فعليك أن تتصوَّر ذلكم المُسرِع وهو يجري جريًا وهو يلهث ويدخل إلى الصلاة، فأي خُشوعٍ سيدرِكُه؟ وَأَيَّ صَلَاةٍ سَيُصَلِّيهَا؟ وَلِذَلِكَ نَهَى نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عن السعي للمجيء إلى الصلاة. فيا أخي المسلم، إذا أتيت إلى الصلاة فامشي مشيًا معتدلاً، لا مشيًا سريعًا ولا مشيًا بطيئًا، وإنما مشيٌ معتاد. فإن أدركت الركعة فالحمد لله، تُصلي مع الإمام، وإن لم تُدركها فأتم ما فاتك. وكذلك عباد الله، من أخطاء المُصَلِّين أن يأتي المُصَلِّي إلى المسجد وقد أكل الثوم أو البصل أو غيرهما من المأكولات ذوات الروائح الكريهة. فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد نهى عن ذلك لمن أراد أن يأتي إلى المسجد. فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ أَكَلَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ يَعْنِي الثُّومَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا». وهكذا جاء عن جابر بن عبد الله في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ يَعْنِي الثُّومَ أَوِ الْبَصَلَ - فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسَانُ». وفي رواية: «مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ». فأنت لا تُؤذي إخوانك المصلين بهذه الروائح الكريهة فحسب، بل تُؤذي من حضر من ملائكة الله، فإن الملائكة تشهد الصلاة مع المصلين، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك. وإن هذه الروائح الكريهة فيها مفاسد كثيرة، منها الأذية كما سمعت، أذية المسلمين ومن حضر في المسجد، ومنها كذلك ذهاب خُشوع المصلين بالانشغال بهذه الروائح الكريهة. فإن الله سبحانه وتعالى قد أمرك أخي المسلم أن تأتي إلى الصلاة وإلى المسجد وأنت في أكمل وأتم زينتك، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. ومن الزينة أن تأتي إلى الصلاة وأنت نظيف، وأنت ذو رائحة طيبة. ولذلك جعل العلماء الروائح الكريهة هي العلة في النهي، فقاسوا عليها كل رائحة كريهة، سواء كان من الأوساخ التي تنبعث من الإبطين والمغابن ونحو ذلك، أو العرق، أو رائحة الثياب الكريهة. فإن بعض المصلين ربما يأتي من عمل شاق ويأتي بثيابه التي عمل فيها إلى الصلاة، فتنبعث منه الروائح الكريهة مما يؤذي إخوانه المصلين. فلنحذر يا عباد الله من مثل هذه المخالفة التي حذرنا منها نبينا عليه الصلاة والسلام. وكذلك علماؤنا في هذا العصر قالوا: أشد من الثوم والبصل أن يأتي المصلِّي إلى المسجد بعد أن يتعاطى السجائر أو القات، فإن هذه أولى بالخبث في الرائحة والتحريم. ولذلك الثوم والبصل يجوز لك أن تأكله في غير وقت الصلاة ومجيئك إلى المسجد، وأما هذه الخبائث فمع قبح رائحتها فهي محرمة، وداخلة في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، فهي من الخبائث. إذا سألت أي عاقل: السجائر أو القات من الخبائث أو من الطيبات؟ فماذا سيكون الجواب؟ ما أظن أن عاقلًا يجيب بغير ذلكم الجواب السديد، ألا وهو أنها من الخبائث، لما فيها من الضرر، ولما فيها من الروائح الكريهة، ولما فيها من الخبث. وقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾. الله عز وجل أحل لنا الطيبات، وأما الخبائث فحرمها علينا. فالحاصل أيها المسلمون، أن من ابتلي بهذه البلية فلا يؤذي إخوانه المصلين بأن يأتي إلى المسجد وفمه ينبعث من روائح السجائر، من روائح السجائر أو القات أو غيرها من الروائح الكريهة. وكذلك أيها المسلمون، عباد الله، من أخطاء المصلين أن نعلم قاعدة عظيمة تندرج تحتها جملة من الأخطاء، هذه القاعدة تقول: إن الأصل في أعمالي وأقوال الصلاة التوقيف، أي لا تقول قولاً في الصلاة ولا تتحرك حركة إلا ولك دليل يدل على مشروعيتها من الكتاب أو السنة. ولذلك نجد أن بعض المصلين يعمل أعمالاً في الصلاة لم ترد عن النبي عليه الصلاة والسلام، فهو القائل: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، رواه البخاري من حديث مالك بن الحويرث. الصحابة رضي الله تعالى عنهم من حرصهم على متابعة السنة وعلى الاقتداء برسول الأمة عليه الصلاة والسلام نقلوا لنا كل حركة وكل قول وفعل كان يفعله أو يقوله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الصلاة: تكبيرات الانتقال، وهكذا رفع اليدين في الصلاة، وهكذا الأذكار، بل والقراءة في الصلاة، حتى في الصلاة السرية نقلوا لنا قراءة النبي عليه الصلاة والسلام، وعلم ذلك من اضطراب لحيته عليه الصلاة والسلام، دقة في نقل ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. يقول أبو هريرة: يا رسول الله، أرأيت سكوتك عندما تكبر؟ فماذا تقول؟ لاحظ هذا السكوت اليسير بعد تكبيرة الإحرام، فعلمه النبي عليه الصلاة والسلام دعاء الاستفتاح. نقلوا لنا أدعية الصلاة والقراءة في الصلاة وأفعال وأعمال الصلاة، فلا يحتاج إلى أن نزيد شيئًا أو ننقص، وإنما نصلي كما صلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. فمن تلك الأعمال أو من تلك الأقوال التي لم يفعلها عليه الصلاة والسلام ويقع فيها بعض المصلين: التلفظ بالنية، كأن يقول المصلي: نويت أن أصلي صلاة العصر فرضًا، أو نويت أن أصلي، أو نحو ذلك. فهذا لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، بل ولا عن أحد من الأئمة، كما نقل ذلك ابن أبي العز الحنبلي - أو الحنفي - رحمه الله تعالى، إذ يقول: «ولم يقل أحد من الأئمة الأربعة للشافعي ولا غيره، وإنما النية محلها القلب، وقد اتفقوا على ذلك»، انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وأما ما يتعلق به بعض متعصبة الإمام الشافعي مما نقل عنه في قوله: «إذا نوى الحج أو العمرة»، أي قال الإمام الشافعي، وهذا ثابت عنه، ولكن فهم على غير فهمه الصحيح، كما بيَّن ذلك أئمة أجلاء من أئمة الشافعية كالإمام النووي. يقول الإمام الشافعي: «وإذا نوى حجًّا أو عمرةً، فإنه إذا نوى حجًّا أو عمرةً أجزأه ذلك وإن لم يتلفَّظ، وليست الصلاة كذلك، بل لا بُدَّ فيها من النطق». هذا كلام الإمام الشافعي عليه رحمة الله. فقال الإمام النووي كما في المجموع: «وليس مراد الإمام الشافعي بقوله: إنما المراد النطق، التلفظ بالنية، وإنما مُرادُه التكبير، يعني لا بُدَّ من النطق بالتكبير، أي تكبيرة الإحرام، فمن لم ينطق بها لا تصح صلاته لأن تكبيرة الإحرام رُكنٌ من أركان الصلاة». هكذا فهِم الإمام النووي هذه العبارة المنقولة عن الإمام الشافعي. فلم يقُل أحدٌ بالتلفظ بالنية، وَلَوْ كَانَ التلفظُ بِهَا جَائِزًا أو واجِبًا أو شرطًا لَنَقَلَ ذَالِكَ الصَّحَابَةُ رضي الله تعالى عنهم، كيف لا ينقلون ذلك ونقلوا لنا ما هو أدنى من ذلك مما هو من سنن الصلاة؟ تقول عائشة كما في صحيح مسلم: «كان النبي عليه الصلاة والسلام يستفتح الصلاة بالتكبير»، ما قالت بالنية والتلفظ بها، ولو كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك لذكرته رضي الله تعالى عنها. وهكذا حديث أبي هريرة في حديث المسيء صلاته، لما قال له: علِّمني يا رسول الله، هل علَّمه التلفظ بالنية؟ هل قال له: إذا قمت إلى الصلاة فتلفظ بنية الفرض الذي تريد أن تصليه؟ أبدًا، قال له: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ ثُمَّ كَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ»، ما ذكر له التلفظ بالنية. فهذه من الأخطاء التي ينبغي للمسلم أن يبتعد عنها وأن لا يتلفظ بها، فإن النية محلها القلب، وإن مجيئك إلى الصلاة في وقت صلاة الظهر هذا دليل على أن الفرض ظهر، وإذا جئت إلى المسجد وقت عصر فهذا دليل على أن الفرض فرض عصر، فهو أمر مقرر في القلب لا يحتاج إلى تلفظ. فاتبِعوا سُنَّة نبيِّكم عليه الصلاة والسلام، وفَّقَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، ومن الأفعال التي يفعلها بعض المصلين ولم ترد في صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، لأن الصلاة توقيفية كما ذكرنا، من تلك الأخطاء: أن يرفع يده عندما يقول الإمام: «وَلَا الضَّالِّينَ»، فبعض المصلين يرفع يده يدعو في هذا الموضع، ولم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام رفع اليد في هذا الموضع ولا الدعاء فيه. وكذلك من تلك الأفعال التي يفعلها البعض أو تلك الأقوال عندما يأتي بذكر الاعتدال بعد الركوع، فإن بعض المصلين يقول: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ»، فلفظة وزيادة «الشكر» لم ترد في شيء من أدعية ذلك الموضع من مواضع الصلاة. فاقتصر على ما نقل لنا الصحابة رضي الله تعالى عنهم عن نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فقد كان يقول: «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ»، أو «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ»، وغير ذلك مما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام. ومن هذه الحركات أيضًا أو الأقوال التي يقولها البعض: زيادة لفظ السيادة في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة، فإن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة توقيفية، علَّمها الصحابة رضي الله تعالى عنهم كما علَّمهم السورة من القرآن، فلم يرد في شيء من تلك الصيغ زيادة «السيد»، أي أن تقول: «اللهم صلِّ على سيدنا محمد»، وليس معنى ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام ليس سيدًا لنا، فهو سيد ولد آدم يوم القيامة عليه الصلاة والسلام، ونقول ذلك في غير الصلاة، لأن الصلاة كما ذكرنا أفعالها وأقوالها توقيفية. وكذلك من تلك الأفعال التي يفعلها البعض ولم ترد عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنه عند السلام من الصلاة يُشير بيديه، يُشير بيديه، فهذا أيضًا الفعل نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكذلك أحب في ختام هذه الخطبة أن أنبه على أمر كذلك يُعد من أخطاء المصلين ومن أخطاء المسلمين الذين يحضرون إلى المسجد، ألا وهو التحدث في المسجد عند الصلاة أو بعد الصلاة، وعند تنفل لبعض المسلمين، فإن هذا الفعل قد نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، ففيه من التشويش، وفيه كذلك من إزعاج المصلين ونحو ذلك. فقد جاء عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أَلَا إِنَّكُمْ كُلُّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ، فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَرْفَعَنَّ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقِرَاءَةِ». وفي رواية: «فِي الصَّلَاةِ»، وفي رواية: «فِي الصَّلَاةِ». فإذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن تؤذي هذا المصلي ليس بكلام في الدنيا ولا بقيل وقال، إنما وإن كنت تقرأ القرآن، فكيف بمن يشوش على المصلين بغير قراءة القرآن؟ فاتقوا الله عباد الله، واعرفوا لبيوت الله حرمتها وحقوقها وقدسيتها وشرعيتها. وإنه من العادات القبيحة التي انتشرت في هذه الأزمان المتأخرة، وهي كذلك مما يخالف الشرع، أن يتحلَّق المصلون بعد الصلاة حلقًا حلقًا، يتكلمون فيما بينهم ويرفعون أصواتهم، فذاك الذي يريد أن يتنفَّل ما يدري ما يقول، وذلك الذي يريد أن يقرأ القرآن ما يدري ما يقرأ. فاتقوا الله عباد الله، وقد حسَّن الإمام الألباني عليه رحمة الله حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه عند ابن حبان والطبراني أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «سَيَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ حِلَقًا حِلَقًا، إِمَامُهُمُ الدُّنْيَا، لَا تُجَالِسُوهُمْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِمْ حَاجَةٌ». حسَّنه العلامة الألباني عليه رحمة الله، وإن كان بعض العلماء يضعفه، ولكنه حديث فيه موافقة للأدلة العامة التي تدل على التشويش، على تحريم أو النهي عن التشويش على المصلين. فاتقوا الله عباد الله، أنت أتيت إلى المسجد ترجو رحمة الله، ترجو ثواب الله، فلا تضيع هذا الثواب بمثل هذه الأعمال، فكن على ما أمرك ربك من فعل الطاعات واجتناب المنهيات. أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم. اللهم ولِّ علينا خيارنا، ولا تولِّ علينا شرارنا، واجعل ولايتك في من خافك واتقاك واتبع رضاك، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم جنِّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم جنِّب بلادنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنك ولي ذلك والقادر عليه. وصلي اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.