الدرس في أخطاء المصلين 50، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع خطأ التكاسل عن صلاة الجنازة واتباعها، مستدلاً بحديث أبي هريرة في الأجر العظيم (القيراطان) اللذين يعدلهما جبلان عظيمان، وما ورد عن ابن عمر من الندم على فواتهما. كما يوضح أن اتباع الجنازة حق من حقوق المسلم على المسلم، وسبب للدعاء للميت بالمغفرة ورفع الدرجات.
يذكر النص أن اتباع الجنائز يتيح الدعاء للميت والاستغفار له، ويذكر المشيعين بالموت والآخرة من خلال زيارة القبور، كما أنه يجبر كسر أهل الميت ويواسيهم تطبيقاً للأخوة الإسلامية.
ينتقد المتحدث اقتصار الناس على تشييع جنائز من يعرفونهم فقط، ويحث على اتباع جنازة أي مسلم إيماناً واحتساباً للأجر من الله لا رياء ولا سمعة، مستدلاً بحديث أبي هريرة في البخاري عن ثواب القيراطين، ويبين أن اتباع الجنائز فرض كفاية لكن الفضل العظيم يحث على الحرص عليه.
يحث المقطع على عدم التأخر أو التكاسل عن حضور الجنازة والصلاة عليها، مبيناً الأجر العظيم والفوائد الكثيرة المترتبة على ذلك، ويختتم بالدعاء بأن يعين الله على ذكره وشكره وحسن عبادته.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فمن أخطاء الجنائز: الترك للصلاة عنها، والتكاسل عن اتباعها وتشييعها. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شهد الجنازة حتى يصلى عليه فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن كان له قيراطان». قيل: وما القيراطان يا رسول الله؟ قال: «مثل الجبلين العظيمين»، أي: من الأجر. فاتباع الجنائز والصلاة عليها أجر عظيم، ما ينبغي للمسلمين أن يتكاسلوا أو أن يتباطؤوا عن هذه العبادة العظيمة الجليلة. وابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عبد الله بن عمر الصحابي الجليل، لما علم بهذا الحديث وبما فيه من فضل، تحسر وتندم، قال رضي الله تعالى عنه: «كم ضيعنا من قراريط، كم ضيعنا من قراريط». بمعنى أنه لربما لا يشهد بعض الجنائز، فلم يعلم بهذا الأجر العظيم الكبير، فلربما تأخر عن بعضها، فلما علم بهذا الحديث كان يحرص رضي الله تعالى عنه على هذه العبادة العظيمة. ومع هذا الأجر، فإن اتباع الجنائز فيه من المنافع، وفيه كذلك من الأمور التي يتحصل عليها المسلم. فمن ذلك: أن اتباع الجنائز حق المسلم على المسلم. ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حق المسلم على المسلم ست»، وذكر منها: «وإذا مات فاتبعه»، اتبعه، بمعنى: اتبع جنازته، اتبع جنازته. فهذا من حق المسلم على المسلم. وكذلك من معاني وفوائد اتباع الجنائز: عليها الدعاء لأخيك المسلم بالمغفرة، ورفع الدرجات. فلا شك أن المسلم بحاجة إلى دعوات إخوانه. فأنت في الصلاة تدعو لهذا الميت، وبعد دفنه كان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول لأصحابه بعد دفن الميت: «استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل، فإنه الآن يسأل». فما أحوج هذا الميت لدعوات إخوانه المسلمين. فهذا أيضا من منافع وفوائد اتباع الجنائز. ومن تلك الفوائد كذلك والمنافع: تذكر الموت والاستعداد للآخرة. فإن المسلم إنما يشيع الجنازة يعتبر ويتعظ. فاليوم هذا الميت محمول على الأكتاف، وغدا أنت أيها المشيع له ستحمل على الأكتاف. ولذلك حث النبي عليه وسلم على كثرة تذكر الموت، ومن أسباب تذكر الموت اتباع الجنائز. قال عليه الصلاة والسلام: «أكثروا من ذكر هادم اللذات». وكذلك فإن اتباعك للجنائز زيارة للمقابر، وفيه أيضا من الاتعاظ والعبرة. قال عليه الصلاة والسلام وهو يبين ثمرة زيارة القبور: «ألا فإني قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة، فإنها تذكركم الآخرة». فلما تجلس في المقابر وأمامك مجموعة من القبور، تتذكر فيهم من كان معك يأكل ويشرب، ويدخل ويخرج، ويصلي معك في المسجد. منهم الكبير، ومنهم الصغير، ومنهم الشاب، ومنهم الذكر، ومنهم الأنثى. منهم من مات بمرض، ومنهم من مات بغير مرض. منهم من فاجأه الموت، ومنهم من مات بحادث سيارة، ومنهم من نام فلم يستيقظ. فهذه كلها عبر ومواعظ عملية تمر على المسلم في اتباعه للجنائز. وكذلك من فوائد اتباع الجنائز: فيه جبر للمصابين، ومواساة لهم، وتعزية لهم في مصيبتهم. وهذا من معنى الأخوة الإسلامية. فإن المسلم يتألم لألم أخيه المسلم، فيواسيه ويعزيه ويخفف من مصابه. فإذا رأى صاحب الميت إخوانه وجيرانه وأحبه يعزونه ويواسونه، فلا شك أن مصابه يخف عليه، يخف عليه هذا المصاب. وللأسف الشديد، اليوم صار تشييع كثير من الناس على حسب المعرفة. إذا كان هذا الميت ممن نعرفه، وممن نعلم بحاله، وأنه من أقاربنا أو من جيراننا أو من أصحابنا، حضرنا جنازته. وإذا كان لا يعرف، لا يحضر جنازته. أن تبارك الله فيك، تتبع الجنازة ابتغاء الأجر من الله، واحتسابا للأجر من الله سبحانه وتعالى. لذلك جاء في بعض روايات حديث أبي هريرة في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا، وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين». شاهدوا من هذا الحديث: «من تبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا». تتبع هذا إيمانا بما رتب على هذه العبادة من أجر ومن ثواب، لا من أجل أن ترى، ومن أجل أن يعرف أو يعرف الناس أنك حاضر وأنك موجود. وإنما تأتي ابتغاء الأجر من الله سبحانه وتعالى. فلا رياء، ولا سمعة، ولا أي غرض آخر من أغراض الدنيا، من أغراض الدنيا. وإنما تأتي ابتغاء الأجر من الله. فإذا كانت نية كل واحد منا كذلك، لما ضيع ولما فرط في أي جنازة ما استطاع إلى ذلك سبيلا. لا شك أن اتباع الجنائز ليس هو واجب وفرض عين، إنما هو فرض كفاية. إذا قام به البعض سقط عن الآخرين. لكن المراد من هذا: الحث على هذا الاتباع لما ورد فيه من الأجر، ولما ورد فيه من الفضل، من الفضل. فنحرص على هذه العبادة. والله الحمد، في أيامنا هذه ما من ميت يموت في هذه البلد إلا ويخبر عن وفاته، وعن وقت الصلاة عليه ودفنه في القروبات، وفي كذلك الأوراق ونحو ذلك. فمن سمع بجنازة وهو يستطيع شهودها، وكذلك الصلاة عليها، فلا يتأخر، ولا يتباطأ، ولا يتكاسل. ففيه هذا الأجر العظيم، وهذه الفوائد الكثيرة. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا وإياكم على ذكره، وشكره، وحسن عبادته. والحمد لله رب العالمين، وحسن عبادته، وحسن عبادته.