الدرس في أخطاء المصلين 48، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الدرس بذكر أخطاء الجنائز وأولها التأخير في تجهيز الميت ودفنه دون عذر شرعي، وهو مخالف لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإسراع. ويوضح ابن عثيمين أن الإسراع يشمل الغسل والتكفين، والمشي بالجنازة باعتدال، وتعجيل الدفن بعد الفراغ من الصلاة عليها.
يؤكد النص وجوب الإسراع بدفن الميت وينهى عن تأخير الجنازة لأسباب غير شرعية كانتظار أقارب بعيدين، مستدلاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم «أسرعوا بالجنازة» وبفتوى ابن عثيمين أن التأخير جناية على الميت وعصيان. ويضرب أمثلة على مجتمعات تسرع بالدفن خلال ساعة أو ساعتين كما حدث في جنازة الشيخ الألباني.
يبيّن المقطع حكمة الإسراع بالجنازة في الإسلام: فالميت الصالح يُعجّل بنعيمه، والسيء يُخفف عن الأحياء حمله. ويستثنى التأخير لضرورة كتعيين خليفة للنبي صلى الله عليه وسلم أو للتحقيق في القتل، وينهى عن التأخير لغير ضرورة كانتظار أقارب مسافرين.
الحمد لله، الحمد كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فآخر ما أخذنا من أخطاء المصلين ما يقع من أخطاء في صلاة العيدين، وقد أتممنا ذلك ولله الحمد والمنة. وفي هذه الدروس -إن شاء الله تعالى- ننتقل إلى أخطاء الجنائز. وكما تعلمون أن المسلم ينبغي أن يتبع الشرع، وأن تكون أفراحه وأتراحه وفق ما جاء في شرع الله سبحانه وتعالى. ففي الجنائز تقع كثير من الأخطاء ينبغي التنبيه عليها والتحذير منها، حتى لا يقع المسلم في مخالفة السنة، وفي كذلك مخالفة الشرع. فمن أول هذه الأخطاء -من أخطاء الجنائز-: عدم الإسراع في تجهيز الجنازة وتأخير دفنها لغير ضرورة. ففي ذلك مخالفة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمر بالإسراع في تجهيز الجنازة. فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أسرعوا بالجنازة، أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن يك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم». رواه البخاري. يقول العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله، كما في شرحه لهذا الحديث في رياض الصالحين: "الإسراع في الجنازة يشمل الإسراع في تجهيزها، والإسراع في تشييعها، والإسراع في دفنها. كل هذا يشمله معنى الإسراع. الإسراع في تجهيزها: في تغسيلها وتكفينها ونحو ذلك. وهكذا في تشييعها: يعني بعد أن تجهز بالغسل والتكفين مباشرة تخرج ويصل عليها وتشيع. وكذلك الإسراع في دفنها: بعدما تشيع يكون القبر جاهزاً فتدفن مباشرة من غير تأخير. والإسراع في تشييعها كذلك يشمل في المشي بها، فلا يكون مشياً بطيئاً، ولا يكون كذلك مشياً سريعاً سرعة شديدة قد تصل إلى حد الخبب أو الجري. لا، المراد بالإسراع عند المشي بها: الإسراع الذي هو وسط، من غير إفراط ولا تفريط، من غير إفراط ولا تفريط. فلا نبطئ عند المشي بها، ولا نسرع إسراعاً شديداً لربما يضر بالميت من إسقاطه أو من شدة الحركة أو نحو ذلك. فهذا أيضاً يدخل في معنى الإسراع". وما يفعله بعض الناس اليوم من التأخير، ولربما بأسباب ليست بشرعية، وليست هذه الأسباب بضرورة حتى تتأخر الجنازة بسببها. فكثير من الناس مثلاً يؤخرون الجنازة بحجة قدوم بعض أهله من أماكن بعيدة، من أماكن بعيدة. يقول الشيخ ابن العثيمين عليه رحمة الله: "فهذا جناية على الميت، وعصيان لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم القائل: أسرعوا بالجنازة. ثم حضور أهله إذا جاءوا ماذا ينتفع الميت من ذلك؟ وأهله إذا جاءوا وقد دفن الميت فإنهم يصلون عليه على قبره، يجوز ذلك، والأمر في هذا واسع، ولا يكونون سبباً في تأخير جنازته، في تأخير جنازة هذا الميت". فمثلاً بعض الناس لربما يموت الميت من أول النهار فلا يدفن إلا في الليل، بعد صلاة العشاء، وبعد صلاة المغرب. هذا خطأ. فما المانع أن يدفن مثلاً بعد صلاة الظهر، أو لربما حتى في منتصف النهار؟ في بعض القرى وهذه عادة توافق السنة: إذا مات الميت سرعان ما يعلنون عن وفاته، فيتوافد الناس إلى بيت الميت فيجهز في الحال، ثم متى ما تجهز أخذوه إلى المسجد وصلوا عليه. أنا شاهدت جنازة في بعض القرى: مات مع صلاة المغرب، كنا نصلي المغرب فدخل الحمام وسقط ومات. فبعد الصلاة مباشرة أخرجوه، والمسجد فيه مغسلة، فغسلوه وكفنوه، وما أتت صلاة العشاء إلا وهو جاهز. صلوا العشاء ثم صلوا عليه ثم دفن. ساعة أو ساعة ونصف ودفنوا هذا الميت. وأحياناً يموت الميت في الصباح، الساعة سبعة أو الساعة ثمان، فيعلنون عن وفاته، فيأتي الناس فيغسل ويكفن ويصل ربما الساعة التاسعة أو العاشرة صباحاً. هذا أمر طيب موافق للسنة. وكذلك الشيخ الألباني رحمه الله توفي ثم أسرع بجنازته، فعبارة عن وقت يسير بين وفاته وبين دفنه. حتى أن الشيخ ابن عثيمين قال رحمه الله: "كان يعمل بالسنة حياً وميتاً، حتى في وفاته أهله كأنه أوصاهم فأسرعوا بجنازته". فهذا هو السنة: الإسراع بالجنازة كما جاء في الحديث: «فإن تك صالحة فإلى خير تقدمونها إليه». لأن المسلم الصالح يقدم على روح وريحان، على خير عظيم في قبره يبشر به هذا المسلم، فهو مشتاق إليه. فهذا الإسراع يعجل من تنعم هذا الميت بما أعد له من النعيم. وأما إن كان غير ذلك، رجل سيء العمل، فهذا شر تضعونه من أعناقكم، شر تضعونه. نعم، لأنه ثقيل على الأعناق لما كان عليه من المعاصي والذنوب. فهذه هي الحكمة من الإسراع. فإن قال قائل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم مات يوم الاثنين ولم يدفن إلا ليلة الأربعاء؟ فهذا فيه تأخير في دفنه عليه الصلاة والسلام. أجاب العلماء على ذلك: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرادوا أن لا يدفنوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقيم خليفة، حتى يقيم خليفة على عباد الله بعده، لألا تخلو الأرض عن خليفة لله في هذه الأرض. فلما تمت مبايعة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه دفنوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكما تقدم معنا أن تأخير جنازة الميت تجوز لضرورة، مثل ما جاء في دفن النبي عليه الصلاة والسلام، فإن الصحابة صار بينهم شيء من الخلاف اليسير في من يخلف النبي عليه الصلاة والسلام، فتأخر هذا الأمر شيئاً ما. فلما تمت مبايعة أبي بكر الصديق بادر وسارع الصحابة رضي الله تعالى عنهم في دفن النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك بعض الحالات مثلاً تحتاج إلى تأخير: كأن تكون الميت قتل، فيحتاج إلى يعني محاكمة، أو إلى كذلك استجواب ومعرفة من القاتل، أو تحليل وتشريح أو نحو ذلك. فهنا لا بأس للضرورة، للضرورة. أما لغير الضرورة فالسنة الإسراع، السنة الإسراع. فمن أخطاء بعض الناس اليوم: لربما يوضع الميت في الثلاجة لأن ابنه قادم من سفر. هذا خطأ، لم ترد به السنة، وليس في ذلك حاجة أو ضرورة. فالسنة كما مضى: الإسراع بالجنازة، ولا تؤخر إلا لضرورة، كما قرر ذلك أهل العلم. نكتفي بهذا، وإلى هنا أهل العلم.