الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 48

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 48

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 48، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مساومات الكفار للنبي ورفضه

عرض الكفار على النبي المال والشرف والملك مقابل تنازله عن دينه، لكنه رفض وقرأ عليهم القرآن، مما أثار خوفهم. هذا الموقف يظهر قوة إيمان النبي وتمسكه بدينه.

مخططات الكفار لإبعاد المسلمين عن دينهم

يجب على المسلمين أن يكونوا على دراية بمخططات أعداء الإسلام ويصبرون على دينهم ولا يتنازلوا عنه تحت أي ظرف. يجب أن يكونوا مستعدين لمواجهة المغريات التي يقدمها الكفار.

أهمية الصبر في الدعوة الجهرية

أمر الله ورسوله الصحابة بالصبر على الأذى في بداية الدعوة الجهرية، وهذا الأمر يظل باقيًا في كل زمان ومكان يكون المسلم فيه مستضعفًا. الصبر وضبط النفس أمران ضروريان لبقاء الإسلام.

ختام بالصلاة على النبي

المقطع ينتهي بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، وهذه الصيغة تعبر عن الختام الديني الشائع في العديد من النصوص. الصلاة على النبي تعتبر من الأفعال التي يُثاب عليها المسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في هذه المقامات نستعرض وإياكم أهم المميزات أو الميزات التي تميزت بها الدعوة الجهرية حين جهر نبينا صلى الله عليه وسلم وصدع بدعوته. فكان من أولى المسائل كثرة الآذى والابتلاء الذي وقع لرسول الله وعلى صحبه الكرام. وكذلك السمة الثانية ما كان من مواجهة الدعوة بشتى الطرق والأساليب التي تبعد الناس عن دين الله جل وعلا. وأشرنا إخواني في الله إلى أن من أهم الوسائل والطرق التي اتخذها الكفار لهذا الباب ما كان أولًا من السخرية والاستهزاء، وثانيًا ما كان بالحيلولة دون الاستماع لرسول الله، وثالثًا ما كان من إثارة الشبهات وتكثيف الدعايات، ورابعًا ما كان من باب فتح باب النقاش والجدال، وخامسًا ما كان من أمر التعجيز. وهذا قد مضى معنا في درس أمس. والسمة الثالثة من السمات التي تميزت بها الدعوة الجهرية ما كان من كثرة المساومات، إذ أن الكفار في هذه المرحلة لجأوا إلى مسألة المساومة، أي أنهم عرضوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عروضًا مغرية، وذلك في سبيل أن يتنازل عن دينه وعن عقيدته وما بعثه الله جل وعلا به. والنماذج كثيرة جدًا في هذا المقام. لكن حسبي في هذا الباب أن أذكر ما ذكره أهل السير من إرسال الكفار لعتبة بن الربيعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل أن يعرض عليه عروضًا لعله يقبل ببعضها فيتنازل عن دين الله. إذ أن عتبة قدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا بن أخي، إنك منا حيث علمت من المكانة والنسب، وقد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وعبت به آلهتهم، وسفهت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا لعلك تقبل ببعضها. فقال له عليه الصلاة والسلام: قل يا أبا الوليد أسمع، أي أعرض الذي عندك. قل يا أبا الوليد أسمع. فقال عتبة: يا ابن أخي، إن كنت تريد بالذي جئت به مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون من أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد شرفًا سودناك علينا فلا نقطع أمرًا دونك، سودناك أي جعلناك سيدًا من سادات قريش، لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا. فلما فرغ من طرحه ومن مغرياته، قال له نبينا صلى الله عليه وسلم: أفرغت يا أبا الوليد؟ انتهيت من هذه العروض التي عندك؟ قال: أفرغت يا أبا الوليد؟ قال: أجل. قال نبينا: فاسمع مني الآن. ثم تلى نبينا صلى الله عليه وسلم بداية سورة فصلت، فقرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إنا عاملون حتى بلغ قوله تعالى فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود﴾. فما إن انتهى نبينا من ختام هذه الآية حتى قام عتبة مذعورًا، وفي رواية: أمسك بفم رسول الله قائلًا له: أنشدك الله والرحم إلا سكت، أنشدك الله والرحم إلا سكت، عندما سمع هذا التهديد وهذا الوعيد الشديد من رب العالمين: ﴿فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود﴾. والمساومات إخواني في الله على هذا الباب كثيرة جدًا. وإن مما يستفاد إخواني في الله من هذه المسألة من كثرة المغريات التي قدمت لرسول الله عليه الصلاة والسلام نستفيد فائدتين عظيمتين. أولاهما أن تعلم يا عبد الله أن الكفار في صدهم وضربهم للإسلام ولأهله لربما قد يتخذوا طريق الترهيب، لكن هذا أحيانًا، وأحيانًا أخرى لربما استخدموا طريق الترغيب، استخدموا طريق الترغيب، وذلك لربما أوعدوا أهل الإسلام بالأموال والمناصب والمراكز العالية، ليس والله حبًا فيه ولا حبًا في دينه، وإنما ذلك من باب الاستدراج. ولهذا ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يكون على دراية ومعرفة بمخططات أعداء الملة والأمة، فهم تارة لربما استخدموا قضية البطش والتنكيل والأذى على الإسلام وأهله، ولكن أحيانًا يلجأون إلى هذا الأسلوب الدنيء، أنهم يعطونك من الأموال الكثيرة ما به يزحزحونك عن دين الله جل وعلا. فكن يا عبد الله على حذر، وكم وكم استطاع الكفار أن يستميلوا أهل الإسلام بهذه الطريقة: الأموال، الوعودات المغريات، حتى أن منهم من يوعدونه بالجنسيات، بالجنسية الأمريكية أو البريطانية أو الأوروبية، مع أن أقوال العلماء في هذا الزمن المعاصر على المنع من أن ترضى بأخذ جنسية من هذه الجنسيات الكافرة. وقد صرح العلماء كثيرًا بهذه المسألة: عدم الرضا، لأنك يا عبد الله بالرضا بمثل هذه الجنسيات، أنك تكون واحدًا منهم، فإنك حينها سترضخ لما هم عليه من قانون وما عليهم من نظام غربي كافر، لن تستطع أن تغير يمنة ولا يسرى. فتأمل يا عبد الله إلى هذه المغريات التي تهافت الكثير من الناس من أهل الإسلام إلى أن يتحصل على هذا الباب، لكنهم ما علموا أنه في الأخير لربما ضيعوا الكثير من دين الله جل وعلا. فهذه الفائدة الأولى: كن يا عبد الله على دراية بمخططات الكفار. ثانيًا: يستفاد من هذا الباب على أن المسلم ما ينبغي ولا يجوز أن يتنازل عن شيء من دين الله، إذا هذه المساومات، بل عليك يا عبد الله أن تصبر على دينك وأن تعب عليه بالنواجذ، ولا تتنازل قيد أنملة، ولو كان كما يقال هذا لمصلحة الدعوة، لا مصلحة الدعوة أن أتنازل عن شيء من دين الله، لا ما يجوز هذا. ونبينا صلى الله عليه وسلم عندما قال له الكفار: يا محمد، نعبد إلهك عامًا وتعبد إلهنا عامًا، فأنزل الله قوله جل وعلا: ﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾. الوحدانية وتوحيد الله والعقيدة ما فيها هوادة، فأنك عبد الله تستميت لأجلها، لا أن تتنازل عنها كما نرى من كثير من الخانعين ممن يخضع ويخنع فيتنازل عن دين الله شيئًا فشيئًا. لا يا عبد الله، لا يجوز المساومة. وتأمل لحال كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه لما هجره هجره نبينا صلى الله عليه وسلم وأمر بهجره، فكان وحيدًا فريدًا في المدينة، فبينما هو على هذا الحال من الوحدة، تأتيه رسالة، تأمل، تأتيه رسالة من أين؟ من ملك غسان، ملك من ملوك الأرض، عنده ما عندهم من الأموال والبذخ. فأرسل الرسالة إلى كعب بعدما علم بحاله وأنه قد هجر من قبل قومه، وكان في هذه الرسالة قال: قد علمنا أن صاحبك قد هجرك، وما جعلك الله في أرض هوان، فالحق بنا نواسيك، تعال عندنا نعطيك الذي ماذا؟ الذي حرمت منه. لكن ما كان من صنيع كعب؟ هل ذهب بحجة الدعوة هناك؟ لا سيذهب هو مطأطئ الرأس، ما ذهب، وإنما أخذ هذه الرسالة وقال: وهذا من البلاء، فتمم بها التنور وأحرقها، علم أن هذا بلاء، فليس البلاء يا عبد الله شدة وبطش وعنف، بل من البلاء ما يكون إغراء وأموال تصرف يا عبد الله لأجل بعض المسلمين مقابل أن يتنازل عن دينه. فالحاصل إخواني في الله، السمة الثالثة من الدعوة الجهرية ما كان يعرض لنبينا عليه الصلاة والسلام من كثرة العروض. والسمة الرابعة من سمات الدعوة الجهرية التي كانت لرسول الله ما كان من تربية نبينا صلى الله عليه وسلم أصحابه على الصبر على الأذى وضبط النفس وعدم الانتقام لها، هذا من خصائص الدعوة الجهرية. مر معنا في السمة الأولى كثرة الأذى الذي قد تلقاه نبينا وأصحابه معه من النكال والعذاب والشدة والبطش. وفي هذه السمة الرابعة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حينها يربي أصحابه على ضبط النفس وعلى الصبر وعدم الرد. والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة. كما جاء في قوله تعالى: ﴿قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله﴾، قال ابن كثير رحمه الله تعالى شارحًا ومفسرًا هذه الآية: قال أن يصفحوا عنهم ويتحملوا الأذى منهم، وهذا كان في ابتداء الإسلام، أمروا بأن يصبروا على أذى المشركين. فكانت هذه تربية، تربية في الدعوة الجهرية في بدايتها، أمرهم الله وأمرهم نبيه صلى الله عليه وسلم على ضرورة التحلي بالصبر مع شدة الأذى. هذا خباب بن الأرت، وكان يذكر أن خبابًا من أشد الصحابة إيذاء، حتى أنه كان ربما أحرق ظهره من شدة النار والجمر الذي كان يلقى عليه وهو في سبيل إسلامه وإيمانه. فجاء شاكيًا لرسول الله قال: يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر الله لنا؟ أراد الدعاء، أراد. لكن لما علم نبينا أن خباب لربما يضعف أمام هذا البلاء، أمره بالصبر وذكره بأحوال من كان قد مضى، بأحوال من كان قد مضى. فذكر عن الرجل فيمن كان قبلكم تحفى له حفرة فيوضع فيها، ويؤتى بمنشار فيجعل على مفرق رأسه فيجعل قسمين، ويمشط بأمشاط الحديد، فوالله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسيء الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله، ولكنكم قوم تستعجلون. أمره بالصبر وعدم العجلة في الرد، وكذلك في ماذا؟ في عدم ضبط النفس. وهكذا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ الآية. في هذه الآية كما قال علماء: أمر الله جل وعلا الصحابة في بداية أمره بكف اليد، عدم الجهاد وعدم القتال، مع أنهم يضربون ومع أنهم يقتلون، ومع ذلك أمرهم ربنا جل وعلا بكف اليد: ﴿كفوا أيديكم﴾. قال إمام السعدي رحمه الله تعالى مبينًا ما هي العلة، لماذا الله جل وعلا أمر عباده وهم أولياءه أمرهم بالصبر على هذا الأذى العظيم وعدم الجهاد والقتال؟ قال السعدي رحمه الله تعالى: ومنها أي من الحكم أنه لو فرض عليهم القتال مع قلة عددهم وعدتهم وكثرة أعدائهم لكان ذلك يؤدي إلى هلاك الإسلام. فروعية جانب المصلحة العظمى على ما دونها، هذه الحكمة العظيمة، لأن المجالفتة للصحابة مع قلة العدد مع قلة العدة ومع كثرة الأعداء لفَنوا، لفَنوا. لكن أراد الله أن تبقى هذه الفئة المؤمنة بالأخذ بالأسباب، فأمروا بكف ماذا؟ بكف اليد، ووضع السلاح، وعد القتال، حتى تكون لهم شوكة. وقد مر معنا إخواني في الله مع عبارة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، والتي تفيدنا أن ما مضى في الدعوة الجهرية في بداية أمرها، وما كان من أمر الله ورسوله بضرورة الصبر على الأذى مما يصلهم من أعداء الدين، هذا ليس فقط مرحلة، ولكنه باقٍ. فمتى ما وجد المسلم نفسه في زمن ما يستطيع رد الكفار لقوتهم ولضعفنا، حينها يا عبد الله اصبر. ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كما في «الصارم المسلول على شاتم الرسول»: قال رحمه الله تعالى: ومن كان في أرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيها مستضعف، فليأخذ بآيات العفو والصفح عن من آذى الله ورسوله. هذا هو الفقه العظيم لدين الله ولسيرته عليه الصلاة والسلام. لكن لو تأملنا لأحوال الناس، تجد العجب العجاب، تجد ناس مع قلة ومع ضعف الإسلام، سواء كان زمانًا أو في مكان ما، تجد أن المسلمين أقلية يسمون أقلية في بلد كافر، وهو مع وجودهم مع بلاد الكفار، يأتيهم العنت، ومع ذلك تجد منهم الرد على أعداء الدين. فكان ما كان من فتح باب الشر على الأمة الإسلامية، فأبيد منهم الكثير. وانظر يمنة ويسرى إلى العالم الإسلامي، تجد مغبة هذا الباب، إذ أن كثيرًا من الناس ما راعوا هذا الجانب. ولهذا إخواني في الله، فما مر به نبينا ينبغي أن يقاس به كل زمان ومكان، فمن كان في زمن هو فيه مستضعف أو في مكان هو فيه مستضعف، فليأخذ بآيات العفو والصف عن من آذى الله ورسوله. أما من أعطاه الله قوة وشدة وشوكة، فحينها فليقاتل وليجاهل. وهذا كما سيأتينا في باب هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة. فهذه السمة الرابعة مما تميزت بها الدعوة الجهرية، أن النبي كان يصبر أصحابه ويأمرهم بكف اليد وضبط النفس وعدم الرد. وسيأتي معنا في دروس قادمة السمتان الخامسة والسادسة من السمات العظيمة التي تميزت بها الدعوة الجهرية. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.