الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 50

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 50

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 50، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تربية النبي لأصحابه في الدعوة الجهرية

في مرحلة الدعوة الجهرية، ركز النبي على تربية أصحابه إيمانيًا وعلميًا، مع التركيز على تعلق قلوبهم بالله وتزكية نفوسهم. اعتنى النبي بتربية أصحابه على الإيمان قبل تعلم الأحكام.

أهمية التربية الإيمانية والتوحيد للأجيال

يؤكد على أهمية تربية الأجيال على العقيدة والتوحيد أولًا، مستدلًا بعناية النبي بتربية أصحابه على الإيمان. هذا الأسلوب هو السبيل لتربية جيل قوي الإيمان قادر على مواجهة الفتن.

التربية العملية في دعوة النبي وختام الدعوة بالصلاة عليه

حرص النبي على تربية أصحابه على الطاعات والعبادات، مع التأكيد على أهمية الصلاة على النبي في الإسلام. يُظهر الختام أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ومواصلًا في درسنا الذي نحن بصدده، ونحن في خضم ذكر خصائص الدعوة الجهرية التي ابتدأها نبينا صلى الله عليه وسلم، نصل إلى السمة السادسة، وهي الأخيرة المذكورة والمعقودة في هذا الفصل، وهو ما كان من اهتمام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتربية أصحابه. فقد كانت هذه المرحلة، وهي المرحلة الأولى في انطلاق الدعوة أمام الملأ وفي أعين الكل، اعتنى نبينا صلى الله عليه وسلم عنايةً عظيمة في تربية أصحابه، وخاصة في هذه المرحلة، لأنه الآن في ظل بناء وحدة إيمانية سيأتي بعدها المجتمع بأسره. فمن هم في زمنه في هذه المرحلة هم الأس والأساس لهذه الدعوة المباركة. ولا يخفى على أحد منا أن من أراد أن يبني بنيانًا فليحرص على جعل البنيان قوي الساس، قوي شديد يتحمل الذي يتحمله. وكان هذا الذي سار عليه نبينا صلى الله عليه وسلم في دعوته الجهرية منذ أن انطلق بها، إذ أنه حرص عليه الصلاة والسلام على تربية أصحابه التربية الدينية الإيمانية. ويمكن إخواني في الله في هذه المسألة أن نبين أن التربية التي اعتنى بها نبينا صلى الله عليه وسلم لأصحابه تعود إلى تربيتين إثنتين: التربية الأولى هي التربية الإيمانية العلمية، أو قل القلبية. وهذه التربية العلمية هو ما أراده نبينا صلى الله عليه وسلم من أن يعلق قلوب أصحابه بالله جل في علاه، وذلكم بتزكية النفوس. والأدلة على ذلك كثيرة جدًا، من ذلكم أولًا ما كان من خصائص السور المكية في المعهد المكي، وهي ما نزل على رسول الله قبل الهجرة. هذه الفترة الزمنية كانت سور القرآن لها ميزة، وقد ألف العلماء من أصحاب علوم القرآن ما يتعلق بهذا الفن فيما يتعلق بمميزات السور المكية عن السور المدنية. فكان من خصائص السور المكية والتي تنزلت كذلك في فترة الدعوة الجهرية ما كان من الاهتمام بمسألة القلوب، والعناية بمقضايا التوحيد والتأكيد على مسألة العقيدة، وأن القلوب تعلق بالله. ما كان في هذه السور المكية من العناية بأمر الجنة والنار وذكر المعاد والتخويف من اليوم الآخر، وكذلك ما يتعلق ببيان فضيلة أهل التوحيد والتحذير من الشرك وأهله، وبيان حال المكذبين من الأمم السابقة. كل هذه القضايا مما اعتنت بها السور المكية، وهي كانت تتنزل على رسول الله وعلى صحبه الكرام في هذه المرحلة الجهرية، كل ذلك في سبيل التربية للنفس، وأن تكون القلوب معلقة بالله جل وعلا، وأن ترتبط بالله حق الارتباط. فالالتجاء لله والاستعانة بالله والتوكل على الله والخوف من الله جل في علا. وإن العبد كلما كان من الله أخوف، وأن العبد متى ما كان لله أعرف كان منه أخوف، والعبد متى ما كان لله أعرف كان منه أخوف. فنبينا صلى الله عليه وسلم تتنزل عليه هذه السور التي تعتني بالخوف والجنة والوعظ والاعتبار، كل ذلك في سبيل تعظيمها لربها. فكان ذلك من التربية الإيمانية العلمية ما كان من خصائص السور المكية. كذلك مما يدل على عناية نبينا في قضايا التوحيد والعقيدة في هذه المرحلة ما جاء من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها كيف حكت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث في مكة ثلاثة عشرة عامًا يدعو الناس إلى توحيد الله سنة بعد سنة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم كرس دعوته وحياته في هذه المرحلة لا لشيء فقط للعقيدة والتوحيد، يعلم أصحابه ليل نهار، صباح مساء في تعظيم الله جل وعلا، وما يتعلق بتوحيد الله في ربوبيته وفي ألوهيته وفي أسمائه وصفاته، وأن الله جل وعلا يفرد بالعبودية لا ينازعه في ذلك لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. ثلاثة عشرة عامًا كل ذلك في سبيل تربية العقيدة والتوحيد في قلب أصحابه، لماذا؟ لأنهم الأس، ولأن التوحيد هو الأساس. ثم بعد ذلك عندما جاءت الشرائع تلقاها الصحابة رضي الله تعالى على أسهل ما يكون، لأن العقيدة قد زرعت في قلوبهم. فكان ذلك من حكمته عليه الصلاة والسلام. كذلك مما يؤيد هذه الفترة الزمنية ما كرسها نبينا عليه الصلاة والسلام في قضايا العقيدة والتوحيد ما رواه الإمام الحاكم في مستدركه والطبراني في معجمه من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: «لقد عشنا برهة من الدهر وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن». قال: قد عشنا برهة من الدهر، برهة بمعنى مرحلة وفترة من الدهر، وهي ما كان في أوائل بعثة رسول الله وما كان يتعلق بدعوته في بدايتها وأول أمرها. قال: «وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن»، يؤتى الإيمان أي قضايا العقيدة والتوحيد قبل القرآن، أي قبل أن تأتي الأحكام والمسائل. فكان ذلك من العناية العظيمة برسول الله من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا كمثله ما جاء من حديث جندب بن عبد الله قال: «كنا عند رسول الله فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا». هذه يا عبد الله هي الحكمة. «كنا عند رسول الله فتعلمنا الإيمان»، الإيمان بالله، الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالملائكة، الإيمان بالجنة والنار، الإيمان بالقضاء والقادر، كل قضايا الإيمان العقدية والتوحيد وما يتعلق بربط القلوب بالله. قال جندب: «تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن»، قبل أن تأتي المسائل والأحكام. قال: «ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا». فهذه الأدلة إخواني في الله كثيرة تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم عند انطلاقه بالدعوة الجهرية اعتنى بتربية أصحابه التربية العملية، التربية على العقيدة والتوحيد، وعلى الإقبال على الله ومعرفة خصائص الإيمان، كل ذلك في سبيل أن يهيئ وأن يقوي الإيمان في قلوبهم. وهذا الذي ينبغي إخواني في الله، وهذا يستفاد، لا تظن أن هذه مرحلة انتهت، بل نستفيدها في كل زمان، وخاصة في تربية الأجيال. إن أردت يا عبد الله أن تربي مجتمعًا من المجتمعات أو جيلًا من الأجيال، يا أيها المربي، فاجعل نصب أعينك ما يتعلق بتربية الناشئة على العقيدة والتوحيد أولًا قبل كل شيء. احرص على هذا قبل أن تقحمهم في مسألة الطاعات والعبادات والمسائل والأحكام، وليس في معتقدهم شيء، لا، فإن هذا سرعان ما سينهار هذا البنيان. لابد لك من أساس وهو التربية على العقيدة والتوحيد. ومن العجيب ومن الفطنة العظيمة التي جعلها الله لأهل السنة ما أذكره عن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى عندما جاءه رجل مندوبًا عن إحدى الجماعات، وهو يذكر للشيخ الألباني ما يتعلق بأمر هذه الجماعة وأنها كثيرة متكاثرة، وأن عددها قد بلغ إلى الملايين. فقال له الشيخ حفظه الله: «أهؤلاء كلهم يعتقدون بأن الله مستو على عرشه؟» قال: لا. قال: «لن تقام لكم دولة». وكان والله ما قال، ما قامت لهم دولة، انهارت. وسأل يا عبد الله أهل الجزائر، فهذه عظة وعبرة. فلهذا إخواني في الله، فأهل السنة يهتمون بقضايا العقيدة والتوحيد في تربية الناشئة منذ الصغر، منذ نعومة أظفال الأطفال، وهم يعلمونهم ويلقنونهم العقيدة والتوحيد الذي كان وسار عليه سلفنا الصالح، حتى يكبر ويكبر ويكبر، وهذه العقيدة راسخة في قلبه. ثم مهما جاءت من أحكام أو جاءت من مسائل تلقاها، أو جاءته من الفتن العظيمة صمد، صمد إزاءها وصمد أمامها. انظر يا عبد الله لنبيك عليه الصلاة والسلام وهو في بداية أمره، وهو يحتاج إلى الرجال ويحتاج إلى العتاد، فيأتيه رجل أسلم يريد أن يبايع، فامتنع نبينا عن مبايعته. اندهش الصحابة من هذا المنظر، فسأله: «يا رسول الله، لما لا تبايع؟» قال: «إن في يده تميمة»، مظهر من مظاهر الشرك والخرافة. «إن في يده تميمة»، فلما فطن الرجل لشؤم التميمة على نفسه قام وقطعها وجذبها، فحينها بايعه نبينا عليه الصلاة والسلام. كل ذلك إخواني في الله في بياني على أن أمر العقيدة والتوحيد ينبغي أن يكون في البال، وينبغي أن يكون في الحسبان، وأن لا تكون فيك لوثة يا عبد الله من لوثات الشرك والكفر، فإن هذا سرعان ما سيطيح بالإنسان. إذن هذه من التربية الإيمانية التي حرص عليها نبينا في أمر دعوته منذ انطلاقها في تربية لأصحابه مسائل الإيمان والعقيدة والتوحيد، أو كل التربية الإيمانية العلمية. ثانيًا الذي حرص عليه نبينا كذلك في تربية أصحابه منذ انطلاق دعوتهم ما يتعلق بالتربية الإيمانية العملية. العملية، كما أنهم كانوا يربيهم في مسألة الاعتقاد والتوحيد والإيمان، كذلك كانوا يربيهم في مسألة الطاعات والعبادات، وأن يكون للواحد منهم حظ من العبودية ومن الأعمال الصالحة ما تقربه إلى الله جل في علاه. وتأمل إلى حديث عائشة رضي الله تعالى عنها كما جاء في الصحيح عندما جاء سعد بن هشام ويسأل أم المؤمنين قال لها: «حدثيني عن قيام الليل». يسأل أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها عن قيام الليل، فقالت: «ألست تقرأ هذه السورة ﴿يا أيها المزمل﴾؟» قلت: «بلى». فقالت: «إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام رسول الله وأصحابه حولًا»، أي سنة كاملة. سنة كاملة وقيام الليل فرض عليهم، وليس أي قيام، قالت: «فقام رسول الله وأصحابه حولًا حتى انتفخت أقدامهم»، قيام مع طول قيام، ليس قيام فقط ربع ساعة أو نصف ساعة كما نفعلها أحيانًا في بعض صلواتنا في قيامنا للليل، بل هنا تربية يربيهم الدين على التلقي الطاعات والعبادات في مثل هذا المقام. قالت: «حتى انتفخت أقدامهم»، ثم أخبرت أن الله جل وعلا أمر بعد ذلك بالتخفيف، فجعل قيام الليل على الأمة من المستحبات. السؤال: لماذا إذا فرض عليهم في بداية أمرهم؟ مجوبة تربية، تربية عبد الله على الطاعة والعبادة. وهذا كذلك يستفاد في حياتنا، من أراد الاستقامة، من أراد الاستمرار على هذا الدين، من كان ناشئًا، من كان جديدًا على الدين، من كان كافرًا فأسلم، من كان عاصيًا فتاب، هؤلاء ينبغي أن يعودوا أنفسهم على الإقبال على الله بالطاعات والعبادات على قدر المستطاع. لا أن يترك لهم المجال بتركهم كما نرى في كثير من حال الجماعات والفرق، لربما إذا جاء لهم التائب أو جاء لهم البعيد، إذ بهم يخذلونه ذات اليمين وذات الشمال إلى المسرحيات وإلى الأناشيد وإلى الحفلات، لا قرآن، لا صلاة، لا قيام، لا صيام، لا حلقات حلقات العلم، هذا ضعف، هذا ما يستمر، هذا النوع لأنه ما تسلح بالعبادة والطاعة الذي تثقله في هذا الدين. وتأمل يا عبد الله في قصتي الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا ولنا فيها عبرة. رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، أراد التوبة فذهب إلى عابد، فإذ بالعابد أقفل الباب باب التوبة على هذا التائب، فقتل وكمل به المئة. ثم سأل عن عالم، فكان هذا العالم عالما ربانيا، قال: «ومن هذا الذي يحول بينك وبين التوبة؟» لكن تأمل رجل الآن قتل مئة نفس، قمة قمة في الفسق، قتل هذه الأنفس العديدة، فماذا أمره هذا العالم؟ قال: «اذهب إلى القرية الفلانية، فإن فيها قومًا يعبدون الله، فقط لا»، قال: «فاعبد الله معهم»، اعبد الله يكون لك حظ من العبادة والطاعة. لماذا؟ لأن هذا يعينك على التوبة. أما أن يأتيك التائب ثم تقول: «استغفر الله يا عبد الله وانتهى الأمر»، لا، دل إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا. فإن مما يعين على التوبة والاستمرار عليها أن تكرس حياتك يا عبد الله على الطاعة والعبادة، يكون لك حظ من الصلاة، حظ من الصيام، حظ من القيام، حظ من قراءة القرآن، حظ من حلقات العلم والذكر، حظ من الأوراد، يكون هذه الحضور، هذه تعينك تعينك يا عبد الله على الثبات على دين الله جل وعلا. وهذا الذي حرص عليه نبينا صلى الله عليه وسلم في أمر دعوته، إذ أنه لما انطلق بهذه الثلة وهذه الفئة المؤمنة في فرحة الاستضعاف عند الفترة الجهرية، حرص على تربية العقيدة والإيمان في قلوبهم، وحرص كذلك على أن يشرع أوقاتهم وجوارحهم بطاعة الله وعبادة الرحمن. فكان ذلك من السمات والخصائص التي تميزت بها الفترة الجهرية في حياته عليه الصلاة والسلام. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.