الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الرابعة 8، ألقاها
يناقش هذا الفصل شروط العلة في القياس، خاصة شرط تعدية العلة وطرادها، مع توضيح آراء العلماء المختلفة حول هذه الشروط وتأثيرها على اعتبار العلة في القياس. كما يتناول بالتفصيل مسألة طراد العلة وتأثير نقضها على صلاحيتها للقياس.
يتناول هذا الفصل أقسام المستثنى من القياس، حيث يصنفها إلى قسمين رئيسيين: ما يمكن القياس عليه لعقل معناه، وما لا يمكن القياس عليه لعدم عقل معناه، مع تقديم أمثلة وتوضيح أحكام كل قسم.
يبحث هذا الفصل في مسألة جريان القياس في الحدود والكفارات، حيث يوضح آراء الأصوليين المختلفة حول هذه المسألة، ويستدل المؤلف بقياس التنقيح لجواز القياس في هذه الأحكام، مع تقديم أمثلة تطبيقية في الحدود والكفارات.
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَمَن يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال بعض أصحابنا: من شرط العلة هذا شرط في الركن الرابع، الذي هو العلة، وهذا الشرط مختلف فيه. لذا قال بعض أصحابنا: من شرط العلة -أي المعتبرة التي يعلل بها وتكون مناسبة أو مؤثرة في حصول ووجود الحكم- أن تكون متعدية. ما معنى أن تكون متعدية؟ أي أن تكون تلك العلة متعدية إلى غيرها. فأما إذا كانت العلة قاصرة على محلها، فإنها لا تكون علة معتبرة في القياس. ومثل له بالثمانية في النقدين، فقالوا: مثلًا الذهب والفضة، ما هي العلة في كونهما ربويين؟ قالوا: الثمانية. قالوا: فماذا إذن؟ هل العلة الموجودة فيهما متعدية أو قاصرة؟ قالوا: قاصرة. فإذا كانت قاصرة، قالوا: إذا لا يلحقه أو لا تدخل في باب القياس؛ إذ أنها لا تتعدى إلى غير محلها. قال رحمه الله: اعلم أن علة الحكم إذا كانت لا تتعداه إلى غيره، أجمع العلماء على منع القياس بها لعدم تعديها إلى الفرع، واختلفوا في صحة تعليل محلها القاصرة عليها بها. فذكر المؤلف عن أصحاب عدم صحته، وعزاه للحنفية، واستدل له بثلاثة أمور. الأول: إن علة الشرع أمارات، والقاصرة ليست كذلك. طيب، يعني أولًا قوله: اعلم أن علة الحكم إذا كانت لا تتعداه، لا تتعداه محصورة في الحكم. فأجمع العلماء على منع القياس بها؛ لماذا؟ قال: لعدم تعديها إلى الفرع؛ لماذا؟ لما تقدم أن محصورة على أصلها، لا تتعدى إلى غيره. هذا محلها اتفاق. قال: واختلفوا في صحة تعليل محلها القاصرة عليه بها. أي: إذا كانت العلة قاصرة على محلها، فهل تكون معتبرة في القياس أو لا تكون معتبرة في القياس؟ يقول: فذكر المؤلف عن الأصحاب عدم صحته، وعزاه للحنفية، واستدل له بثلاثة أمور. أي: استدل على عدم صحته بأمور ثلاثة. الأول: أن علل الشرع أمارات، وأن القاصرة ليست كذلك؛ لماذا؟ لأنها قاصرة على محلها، فلا تتعدى إلى غيره. قال رحمه الله: الثاني: إن الأصل عدم العمل بالظن، وإنما جوز لضرورة العمل بالأدلة الظنية، والقاصرة لا عمل بها؛ إذن لا يجوز العمل بالظن ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾. قال: الثالث: إن القاصرة لا فائدة فيها؛ أي: الأمر الثالث أو الدليل الثالث: أن القاصرة لا فائدة فيها؛ إذ أنها محصورة على محلها. قال رحمه الله: وأجاز التعليل بها أكثر المالكية والشافعية، وصححه صاحب جمع الجوامع، واختاره أبو الخطاب. قال: ومناقشات الأصوليين في قبول العلة القاصرة وردها كثيرة جدًا. وللعلام الشنقيطي رحمه الله تعالى في ذلك قول بين قولين، وهو الصواب والأظهر في هذه المسألة. قال: هل تعتبر علة أم لا في الحكم؟ يقول: تعتبر من حيث جواز التعليل بها؛ يجوز؛ لماذا؟ لأن الشرع علق حكمًا بها. وهل يقاس بها عليها غيرها؟ يقول: لا؛ لماذا؟ لأنها قاصرة على محلها. وهذا كما يقال: قول بين قولين، وهو الصواب والأظهر في هذه المسألة. قال رحمه الله: قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل في الطراد العلة، وهو استمرار حكمها في جميع محالها. حكى أبو حفص البرمكي في كون ذلك شرطًا لصحتها وجهين. أحدهما: أنه شرط، فمتى تخلف الحكم عنها مع وجودها، استدللنا على أنها ليست العلة -إن كانت مستنبطة- أو على أنها بعض العلة -إن كانت منصوصة-. وقد نصر هذا الوجه القاضي أبو يعلى، وبه قال بعض الشافعية. قال: وفي الطراد العلة، يقول: وهو استمرار حكمها في جميع محالها. أي: حيثما وجدت. حكى أبو حفص البرمكي في كون ذلك شرطًا لصحتها وجهين. الأول: أنه شرط، فمتى تخلف الحكم عنها مع وجودها -أي ولو في صورة أو صورتين- استدللنا على أنها ليست العلة -إن كانت مستنبطة- أو على أنها بعض العلة -إن كانت منصوصة-؛ لماذا؟ لوجود العلة في بعض الصور، وانتفاء حكمها في بعض الصور. فانتفاء الحكم مع وجود العلة يقوم دليلًا على عدم صحة العلة أو على قصورها. قال رحمه الله: الوجه الآخر: تبقى حجة فيما عدا المحل المخصوص. كالعموم إذا خص. واختار هذا الوجه أبو الخطاب، وبه قال مالك والحنفية وبعض الشافعية إلى آخره. قال: اعلم أن هذا المبحث -الذي هو هل يشترط في العلة الاضطراد، أي وجود الحكم كلما وجدت العلة- هو بعينه مبحث النقض؛ هل هو قادح في العلة أو مخصص لعمومها؟ يعني: هل هو قادح في العلة على القول الأول، أو هو مخصص لعمومها على الوجه الثاني؟ قال رحمه الله: لأن النقض هو وجود العلة دون الحكم، كما تقدم. فعلى اشتراط الطراد للعلة، فالنقض قادح فيها، وعلى عدمه فهو تخصيص لعمومها. قال: إذا علمت ذلك، فاعلم أن خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أنه راجع إلى أربعة أضرب. الأول: ما علم أنه مستثنى من قاعدة القياس، كإيجاب الدية على العاقلة مع أن جناية الشخص علة لوجوب الضمان عليه هو دون غيره. يقول: أن الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى لخص هذا المبحث، وجعله على أربعة أضرب. الضرب الأول: ما علم أنه مستثنى من قاعدة القياس. أي: أن هذه الصورة مستثنى محل الاتفاق أنها مستثنى من قاعدة القياس، لا أنها مستثنى من هذا القياس، من هذا النوع من القياس. يقول: مثاله كإيجاب الدية على العاقلة مع أن جناية الشخص علة لوجوب الضمان عليه دون غيره. الآن ننظر إلى مسألة القاتل الخطأ، قاتل الخطأ إذا قتل إنسان خطأ، فرتبت عليه دية. من يتحمل الدية؟ العاقلة. هل للعاقلة يد في ذلك؟ الجواب: لا. ومع هذا رتب الشرع عليها حكمًا. ما هو هذا الحكم؟ أنه يجب عليها الدية. قال: وكإيجاب صاع من تمر في لبن المصراه، مع أن علة إيجاب المثلي في المثليات التماثل بينهما. وهذا مثال آخر. يقول: خرج على الأصل. مع أن هذه الأمثلة وما كان في معناها ناقشها وبيّن أنها لا تخرج عن أصول الشرع والقياس الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في مواضع من كتبه. قال: وكبيع العرايا مع وجود المزابنة فيها -أي الربا- وورودها على علة كل معلل. فمثل هذا لا ينقض العلة إجماعًا. طيب، يعني كذلك بيع العرايا، العرايا نوع من بيع المزابنة. النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المزابنة -عن بيع الرطب بالتمر- ثم رخص في العرايا. قال: الضرب الثاني: تخلف الحكم عن العلة من أجل معارضتها بعلة أخرى. واختيار المؤلف. طيب، الضرب الثاني: تخلف الحكم عن العلة من أجل معارضتها بعلة أخرى. فهل يكون ذلك قادحًا في العلة الأولى؟ قال: سيأتي كلام العلام الشنقيطي، وبالراجح. قال: اختيار المؤلف في هذا أنه أيضًا ليس نقضًا للعلة. ومثاله: تعليل رق الولد برق أمه. فولد المغرور بحرية جارية، فتزوجها، يكون حر مع وجود العلة التي هي رق الأم؛ لأنها عورضت بعلة أخرى، وهي الغرور الذي صار سببًا لحرية الولد. قال: قال المؤلف رحمه الله تعالى: فهذا لا يكون نقضًا للعلة؛ أي: أن الحكم ها هنا كالحاصل تقديرًا. يعني: أن رق الولد كالحاصل بدليل لزوم القيمة فيه. قوله رحمه الله: أي قول المؤلف: فهذا لا يكون نقضًا للعلة؛ أي: أن العلة ثابتة وباقية على أصلها، ولا يفسدها؛ لماذا؟ يقول: لأن الحكم ها هنا كالحاصل. قال: ولا يخفى أن هذا إنما هو على القول بلزوم القيمة. وعلى القول بعدم لزومها، فالظاهر أنه من قبيل العلة التي منع من تأثيرها مانع؛ فالغرور مانع من تأثير رق الأم في رق الولد. قال العلام الشنقيطي: هو الصواب. قال: الضرب الثالث: أن يتخلف الحكم عنها لعدم مصادفتها لمحلها، أو لفوات شرطها. كالسرقة من غير حرز، وسرقة أقل من نصاب، وكوجود الزنا دون الإحصان بالنسبة إلى الرجم. ومن هذا القبيل وجود المانع، كتخلف القصاص عن القتل لمانع الأبوة. قال: الضرب الرابع: وما كان تخلف الحكم فيه لغير أحد هذه الأضرب الثلاثة. وهو الذي قدمنا فيه الوجهين عن أبي حفص البرمكي في أول هذا المبحث. قال: قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل. والمستثنى من قاعدة القياس منقسم إلى ما عقل معناه، وإلى ما لم يعقل إلى آخره. المستثنى من قاعدة القياس، القياس هو قاعدة. المستثنى منهم يقول رحمه الله تعالى: على قسمين: ما عقل معناه، أي أنه معلل. وإلى ما لا يعقل معناه، أي ما لم تظهر فيه العلية. أي: أن يكون الأمر تعبديًا محضًا. قال: فالأول يصح أن يقاس عليه ما وجدت فيه العلة. كاستثناء العرايا للحاجة. فلا يبعد قياس العنب على الرطب في ذلك؛ إذا تبين أنه في معناه. وكإباحة أكل الميتة للمضطر؛ صيانة لحياته. يقاس عليه بقية المحرمات إذا اضطر إليها. قال: والثاني لا يصح فيه القياس. كشهادة خزيمة، وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأبي بردة: «اذبح ولن تجزئ عن أحد بعدك». طيب، الحالة الثانية، الصورة الثانية: يقول: مستثنى من القياس، ولكن لا يصح فيها القياس. مثل شهادة خزيمة رضي الله عنه وأرضاه؛ إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل شهادة خزيمة بشهادة رجلين. قال: وكتفريق صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين بول الجارية وبول الغلام، ونحو ذلك. هنا تفريق بين بول الجارية وبول الغلام. الغلام إذا بال -أي الذي لم يطعم- إنما يرش -ينضح- على الثوب. وأما الجارية فإنها تصب عليها. العلماء عللوا؛ ذكروا عللًا. قالوا: بأن بول الأنثى أشد نقاسة؛ بخلاف بول الذكر. قال: هذا حاصل ما ذكره المؤلف. مع أن القياس على الأول خالف فيه كثير من العلماء؛ كما أشار إليه صاحب المراق بقوله: «وقس على الخارج للمصالح، ورب شيخ لامتناع جانح». قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال أبو الخطاب: يجوز أن تكون العلة نفي صورة، أو اسم، أو حكم على قول أصحابنا إلى آخره. مثال نفي الصورة: قولهم: «ليس بمكيل ولا موزون؛ فلا يمتنع فيه ربا». قوله رحمه الله تعالى: يجوز أن تكون العلة نفيًا. قال: مثل له بنفي الصورة. مثال نفي الصورة: قولهم: «ليس بمكيل ولا موزون؛ فلا يمتنع فيه ربا». يعني: يأتي شيء مثلًا: تفاح. هل يجوز التفاضل في التفاح؟ يقول: التفاح ليس بمكيل ولا موزون؛ إذن يجوز فيه التفاضل. قال: ومثال نفي الإسم: قولهم: «ليس بتراب؛ فلا يجوز التيمم به». وهذا واضح. ألا يأتي مثلا إنسان، ما حكم التيمم مثلًا بالثلج؟ يقال: «ليس بتراب؛ ولا يحل التيمم به؛ لا يجوز التيمم به». قال: ومثال نفي الحكم: قولهم: «في الخمر لا يجوز بيعه؛ فلا يجوز رهنه». قال: وخلاصة ما ذكره المؤلف في هذا الفصل: أنه يجوز تأليل الوجود بالعدم؛ خلافًا لمن منع ذلك. ومثاله: ترك الصلاة؛ فإن عدم فعلها علة للقتل، والقتل وجودي. وعدم مال القاتل وجودي، وترك الصلاة عدمي. فهنا علل بوجودي بعدمي. قال: وعدم مال القريب علة لوجوب النفقة عليه. وهذا كذلك: عدم مال القريب نفي. العلة وبنفيها ثبت حكم. ما هو الحكم؟ وجوب النفقة عليه من القريب. قال: وعدم المال في حق المسكين والفقير علة لكونهما من مصارف الزكاة. وهذا واضح. قال مقيده عفى الله عنه: حاصل هذا المبحث راجع إلى أربعة أقسام؛ لأن العلة إما وجودية وإما عدمية، والمعلل بها إما وجود أو عدمي. فالمجموع أربعة من ضرب اثنين باثنين. منها لا خلاف في التعليل بها. قال: وهي تعليل الوجود بالوجود، وتعليل العدم بالعدم، وتعليل العدم بالوجود. أي: هذه لا خلاف في التعليل بها. ما هو الذي وقع فيه الخلاف؟ الرابع. وهي تعليل الوجود بالعدم. وقد عرفت الراجح منها آنفًا. قال: مثال تعليل العدم بالوجود: كتعليل عدم الميراث بالكفر. تنبيه: اختلف في الصفات الاضافية -كالأبوة والبنوة- هل هي وجودية أو عدمية؟ وعلى أنها عدمية، يجري فيها الخلاف المذكور. وعلى أنها وجودية، كذلك يظهر فيها الكلام المتقدم. قال: قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل. يجوز تعليل الحكم بعلتين. قال: يعلم أن لهذا المبحث صورتين. أحداهما: أن يعلل الحكم الواحد بعلتين أو أكثر؛ بأن يثبت الحكم بكل واحدة منفردة على الأخرى. كالبول والغائط والتقبيل بالنسبة إلى نقض الوضوء. وهذا الاختلاف فيه في العلل المنصوصة. قال: واختلف في جوازه في العلل المستنبطة. وقد أشار إليه في المراق بقوله: «وعلة منصوصة تعددوا في ذات الاستنباط خلف يعهدوا». أي: في الاستنباط وقع الخلاف. أما في العلل المنصوص عليها -كما مثلنا في نواقض الوضوء- فإن هذا محل وفاق. قال: الصورة الثانية -وهي التي يعنيها المؤلف-: أن يكون الحكم معللًا بمجموعة علتين، لا بأحداهما بعينها. كمن لمس وبال في وقت واحد، فعلة نقض وضوئه بمجموعهما، لا بأحداهما بعينه. وكذلك إذا اجتمع لبان أختك، ولبان زوجة أخيك، ووصل المجموع دفعة واحدة إلى حلق المرأة. قال: والمجموع هو علة التحريم؛ لعدم تميز واحد بعينه. ولا يمكن أن يقال: «هما تحريمان»؛ لأن التحريم حقيقة واحدة. وهذه الصورة اختلف في التعليل بها. واختيار المؤلف جواز ذلك. قال: وشرطه عنده: أن تكون منصوصة لا مستنبطة. قوله في هذا المبحث: «وإن كانت ثابتة بالاستنباط فسدت إلى آخره». وهذا محل نظر. قال: ومنع التعليل بهذه الصورة الباقلاني وإمام الحرمين وغيرهما. والظاهر بحسب النظر هو ما درج عليه المؤلف؛ لأن العلة -أي من حيث صحة التعليل بها- ما درج عليه المؤلف؛ أي: باعتبار صحة التعليل بها. قال: لأن العلة لا تعدو تلك الأوصاف المجتمعة، ولا تميز لواحد منها بعينه؛ فيتعين اعتبار مجموعها. قال: قال في المراق: «وعدم العكس مع اتحادي يقدح دون النص بالتمادي». قال المهلف رحمه الله تعالى: فصل. خلاصة ما ذكره المهلف في هذا الفصل: أن الأصوليين اختلفوا في إجراء القياس في الأسباب. واختيار المؤلف جواز ذلك. وحاصل كلامه فيه: أن يجعل الشارع وصفًا سببًا لحكم، فيقاس عليه وصف آخر، فيحكم بكونه سببًا أيضًا. قال: فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جعل الغضب سببًا لمنع الحكم من القضاء. فيقاس على الغضب الجوع والحزن مثلًا؛ فتجعل أسبابًا لمنع القضاء أيضًا. قال: اعلم أن أكثر الأصوليين على منع القياس في الأسباب والشروط والموانع. قال: وجعلوا المثال الذي ذكرناه ونحوه من تنقيح المناط، وهو مفهوم الموافقة. والأكثرون على أنه ليس قياس؛ كما تقدم. أي: أن الأسباب لا يدخلها القياس. قال: قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل. ويجري القياس في الكفارات والحدود. خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث: أن دخول القياس في الكفارات والحدود اختلف فيه. واختاره وجوازه. واستدل له بأنه يجري فيه قياس التنقيح؛ كما تقدم في السبب. ولأنها أحكام شرعية علقت عللها؛ عقلت عللها؛ فجاز فيها القياس. قال: تنبيه: اعلم أن المسائل التي اختلف في جريان القياس فيها سبع. وهي: الأولى الحدود، الثانية الكفارات، الثالثة التقادير، الرابعة الرخص، الخامسة الأسباب، السادسة الشروط، السابعة الموانع. واختيار المؤلف جوازه في الرخص؛ كما تقدم في جواز قياس العنب على الرطب في بيع العرايا. قال: ومثاله في الحدود: قياس اللائط على الزان في وجوب الحد؛ بجامع إيلاج فرج في فرج مشتهى ومحرم شرعًا. وقياس النباش على السارق في القطع؛ بجامع أخذ مال الغير من حرز. قال: ومثاله في الكفارات: اشتراط الإيمان في رقبة كفارة الظهار واليمين؛ قياسًا على كفارة القتل خطأ؛ بجامع أن الكل كفارة. قال: ومثاله في الشروط: قياس استقصاء الأوصاف في بيع الغائب على الرؤية؛ عند من يقول بذلك. قال: ومثاله في المانع: قياس نسيان الماء في الرحل على المانع من استعماله حسًا؛ كالسبع واللص في صحة الصلاة بالتيمم؛ عند من يقول بذلك. قال: الحاصل في هذا المبحث -كما هو ظاهر من كلام العلام الشنقيطي- أن الأسباب لا يدخلها القياس. قال: قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل. ويجري القياس في الكفارات والحدود، وهو قول الشافعية، وأنكره الحنفية إلى آخره. ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ﴾.