الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 26، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤمن أهل السنة والجماعة بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لمذنبي أهل التوحيد، وتشمل الوساطة والتوسط بالقول أو بالفعل. وردت أحاديث صحيحة في ذلك مثل حديث "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي".
تنقسم الشفاعة إلى مثبته ومنفية، فالشفاعة المنفية لا تنفع الكفار، بينما المثبتة تشمل شفاعة النبي والرب والملائكة والصالحين. للنبي شفاعات خاصة مثل الشفاعة العظمى وشفاعته لأهل الكبائر.
يتناول شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في دخول الجنة ويوم القيامة، حيث يكون أول من يدخل الجنة ومعه سبعون ألفًا من أمته بغير حساب. كما تشمل شفاعته المذنبين من أمته.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكة له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله في عقيدة السلف: قال الإمام بشفاعة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعصاة أمته. قالوا: يؤمن أهل السنة والجماعة بشفاعة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمذنبي أهل التوحيد ومرتكبي الكبائر، كما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقال: أخبرنا أبو سعيد بن حمدان، وهو حافظ، قال: أنبأنا أبو حامد بن الشرقي، وهو أيضا من الحفاظ الكبار، قال: حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، وهو أيضا حافظ من حفاظ الحديث، قال: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». وهذا الحديث حديث صحيح، أخرجه الإمام أبو داود وأحمد والترمذي وغيرهم، وجاء من طرق عن أنس بن مالك، وله أيضا شواهد قد ذكر أكثرها شيخنا مقبل في كتابه «الشفاعة». جاءت له شواهد من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وكعب وغيرهم من الصحابة، فالحديث صحيح لا شك فيه، وهو فيه رد على طوائف أهل البدع من الخوارج والمعتزلة الذين ينكرون هذه الشفاعة. والشفاعة المراد بها هي الوساطة والتوسط بالقول أو بالفعل، يسمى شفاعة. فهنا الشفاعة جاءت كما تقدم معنا أنها على نوعين: شفاعة مثبتة وشفاعة منفية. الشفاعة المثبتة أنواع سيأتي ذكرها، والشفاعة المنفية هي الشفاعة التي يدعيها المشركون من آلهتهم، وكل هذه من الشفاعة المنفية، أن لا يشفع لأحد من الكفار والمشركين أبدا، فما تنفعهم شفاعة الشافعين. ما يشفع لأحد من الكفار إلا أن الله عز وجل شفع نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عمه أبي طالب في تخفيف العذاب فقط، وهي من الشفاعات الخاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام. وإلا فليس هناك شفاعة لخروج كافر من النار أبدا، بل كما قال الله عز وجل: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾. فأما الشفاعة المثبتة فمنها ما هو شفاعة خاصة، ومنها ما هو شفاعة عامة. شفاعة خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام، وشفاعة عامة فيها شفاعة الرب عز وجل، ومنها شفاعة الملائكة، شفاعة الصالحين وغيرهم، فهي شفاعة عامة. وأما الشفاعة الخاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام، منها الشفاعة العظمى التي تكون في الموقف، يشفع لأهل الموقف أن ينجيهم من ذلك الوقوف الذي قد أطال عليهم، فيأتون إلى آدم فيقول: «نفسي نفسي»، اذهبوا إلى نوح، فإنه أول رسول، فيأتون إلى نوح فيقول: «نفسي نفسي»، اذهبوا إلى إبراهيم، فهو أبو الأنبياء، وهكذا إلى أن يأتي إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فيقول: «أنا لها». قال: «فأدخل على ربي فأستشفع فيشفع لي، فأسجد فيقول: يا محمد، قم وسل تعطه، واشفع تشفع». ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أيضا من عدة أحاديث عن جماعة من الصحابة أنه قال عليه الصلاة والسلام: «لكل نبي دعوة مستجابة، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي». ومن هذه أيضا الشفاعات الخاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام شفاعته لأهل الكبائر ممن هم على التوحيد وعندهم كبائر، يشفع لهم النبي عليه الصلاة والسلام. ومن الشفاعات الخاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام شفاعته في دخول الجنة أو دخول الناس الجنة، فكما جاء في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أنا أول من يقرع باب الجنة»، أو «يدق باب الجنة»، فيقال: «من؟»، فيقول: «أنا محمد بن عبد الله»، فيقال: «لم أؤذن لأحد قبلك، ولا أفتح لأحد قبلك»، فيفتح، ثم يدخل الجنة ومعه سبعون ألفا من أمته يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهم أول من يدخل الجنة. وأخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد، وهو أيضا حافظ، قال: أخبرنا محمد بن مسيب الأرغياني، قال: حدثنا حسن بن عرفة، وهو أيضا من الحفاظ وله جزء من الأجزاء العالية، قال: حدثنا عبد السلام بن حرب الملائي، وهو ثقة، عن زياد بن خيثمة، عن نعمان بن قتادة، عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفأ». قال: «ترونها للمؤمنين المتقين؟ لا، ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين». وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وابن أبي عاصم من طريق المؤلف، وإسناده فيه ضعف، لكن الحديث له شواهد يصح بها، جاء من حديث عوف بن مالك، وأيضا من حديث معاذ، ومن غيرهم، فالحديث صحيح لشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، وأن الشفاعة تكون للمذنبين المتلوثين الخطائين. وفي حديث أبي هريرة في البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أبو هريرة، من أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة؟»، قال: «لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد غيرك لما رأيت من حرصك على الحديث»، قال: «إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه». قد ذكر المؤلف هذا الحديث من طريق ابن خزيمة، فهو حديث صحيح، وفيه شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر. إن شاء الله تعالى، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.