الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 25، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوم القيامة، تُنشر صحف الأعمال التي تحتوي على كل ما عمله الإنسان، ويُعطى كتابه إما بيمينه أو بشماله. يُحاسب الإنسان على جميع أعماله المسجلة في تلك الصحف.
سيُحاسب الله الناس على جميع أعمالهم حتى الصغيرة منها، كما ورد في القرآن الكريم. سيجد الناس أعمالهم مسجلة في الصحف، وسيُحاسبون عليها، ولكن الله عز وجل لا يظلم أحدًا.
تنشر صحف الأعمال وتوضع في الميزان، فمن رجحت حسناته دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته دخل النار. وقد يؤخذ من حسنات الظالم لصالح المظلوم حتى تفنى حسناته وتضاف سيئات المظلوم إليه.
يُنبه الإنسان إلى خطورة المظالم يوم القيامة، ويلتمس الإعانة والتوفيق من الله عز وجل لتجنبها. يجب على الإنسان أن يتقي المظالم لينجو يوم القيامة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، ذكرنا في الدرس الذي مضى الميزان وبعض مسائله. ثم قال رحمه الله: ونشر الصحف التي فيها مثاقيل الذر من الخير والشر وغيرها. نشر الصحف والكتب، وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج لهم يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا﴾. فهذه الكتب التي تتطاير والصحف، فآخذ عن يمينه وآخذ عن شماله. فيقول كما قال ربنا جل وعلا: ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول ها أنتم قرأوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو في عيشة راضية﴾ إلى آخر الآيات. وقال جل وعلا: ﴿وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية﴾. فتتطاير الصحف والكتب، فآخذ عن يمينه وآخذ عن شماله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. وجاء حديثنا عن عائشة لما قالت: «أيلتقي كل حب بحبه يوم القيامة؟ فقال: أما في ثلاث فلا»، فذكر منها عند تطاير الصحف، فإن الناس يكونون مشغولين في هذه الأماكن الثلاث. ولكن الحديث فيه ضعف، فيه الليث بن سعد. قال: ونشر الصحف التي فيها مثاقيل الذر من الخير والشر وغيرها، فكل شيء كتبه الله عز وجل في هذه الصحف، وكل صغير وكبير مستطر. فقال جل وعلا: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خير يره ومن يعمل مثقال ذرة شر يره﴾. أن كل شيء يراه يوم القيامة، حتى يقول ابن آدم كما قال جل وعلا في أول سورة الزلزلة: ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان ما لها يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم﴾. هذه الأرض تحدث أخبارها، أي بما عمل فيها من خير أو شر. ولهذا يتعجب الكفار من وجود أعمالهم في هذه الصحف، كما قال جل وعلا: ﴿ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا﴾. قال ابن عباس: حتى الضحك، حتى الضحك يضحك على إنسان يضحك على كذا. معنى المراد بالضحك التي يكون فيها شيء على أحد، أما إذا كان يضحك لنفسه ما في شيء. المراد أنه مثلا يضحك لأجل أنه رأى إنسانًا استحقارًا، يضحك مثلا يستهزئ بآخر، وغيرها من الضحك، فالضحك له أهداف وله غايات. فبذلك إن كان المراد به مدح شخص أو ذم شخص، فإن هذا مكتوب. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى ابتسامك في وجه أخيك صدقة»، أو «ابتسامتك في وجه أخيك صدقة». وقال عليه الصلاة والسلام: «لا يتحقرن أحدكم من المعروف شيء، حتى وإن يلقى أخاه بوجه طلق». لا يحتقر هذا الأمر، فإنه عند الله عظيم. قال: ونشر الصحف التي فيها مثاقيل الذر، إن الله لا يظلم، قال: ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا. لا يظلم الله عز وجل الناس، بل كل واحد يعطى ما عمل، ولو كان شيئًا يسيرًا، ولو كان شيئًا يسيرًا. فلا يظلم ربك أحدًا، ولا يظلم ربك مثقال ذرة. الشيء اليسير والعمل اليسير، فربنا جل وعلا يعطيه العبد. فكل ذلك في الصحف. ولهذا ذكرنا بالأمس أن في حديث البطاقة، في حديث عبد الله بن عمر، أن رجلًا في أمة سلم، أن في أمة رجل ينشر له 99 سجلا على مد البصر، أعمال فعلت كذا وفعلت كذا وفعلت كذا. ثم يقال: هل ظلمناك شيئًا؟ فيقول: لا يا رب، أنا كل هذا فعلته. فيقول الله عز وجل: هل لك من عندنا حسنة؟ فيقول: لا يا رب، ما أذكر أن لدي حسنة. فيقولون له: فيقول الله عز وجل له: بلى، إن لديك هذه البطاقة. فتخرج بطاقة مكتوب فيها: «لا إله إلا الله». فدل هذا الحديث على أن هذه الصحف تنشر يوم القيامة، تنشر هذه الصحف، معناها أنها تبسط لكل أحد الصحف تنشر إليه، يرى فيها عمله. تقال مد البصر، عن السجلات كثيرة. ومن كثرت سيئاته كثرت سجلاته وكبرت، فيراها مد البصر. وهذه السجلات هي التي توضع في الميزان، هذه السجلات هي التي توضع في الميزان. فمن كانت سجلاته كثيرة، فقد ترجح على حسناته، فيدخل النار. ولهذا الذي عنده مظالم، تجد أنه وإن كان عنده حسنات، فيأخذ من حسناته حتى تفنى، كما جاء في حديث المظالم: «تدرون من المفلس؟» صحيح مسلم، قال: «المفلس من لا درهم له ولا دينار». قال: «المفلس من جاء يوم القيامة معه أعمال، لكن جاء وقد سفك دم هذا، وضرب هذا، وشتم هذا، وأخذ مال هذا». فتأخذ من حسناته، فترد إلى حسنات غيره، حتى إذا فنيت وضعت من سيئات غيره عليه، ثم أطرح في النار. لأنه كلما كثرت سيئاته، كلما ثقل ميزانه، أو كلما قلت حسناته خف ميزانه. فلهذا كثرت هذه الدنوب وتكون كثرة في السجلات. فقال الله عز وجل: ﴿فأما من ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون وأما من خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون﴾. فإذا رجحت كفة السيئات، أنها ثقيلة أو كثيرة، فإنها يكون في نار جهنم. فإذا ثقلت الحسنات، فإنه يكون من أهل الجنة. فلهذا هذه الحسنات أخذ على الشخص بمظالمه وظلمه. ولهذا جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في البخاري، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «من خلف غازيًا فخانه في أهله، يقام يوم القيامة، فيقال له: خذ من حسناته ما شئت». عن إنسان خلف إنسانًا غزى، راح للجهاد، وقال: يا فلان انتبه لأهلي، فخانه، فخانه مع أهله. فهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقام يوم القيامة، فيقال له: خذ من حسناتي ما شئت». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فما ظنكم بالذي ترون، هل سيترك له شيء من الحسنات؟ سيأخذ حسناتي كلها». فلهذا ينتبه الإنسان لهذه المظالم، فإنها تعرض على شخص يوم القيامة. والعياذ بالله، نسأل الله عز وجل الإعانة والتوفيق والسداد. والحمد لله رب العالمين.