الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 47، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
استخدم الكفار أساليب متعددة لمواجهة الدعوة الجهرية، منها السخرية والاستهزاء وإثارة الشبهات. كانت هذه الأساليب تهدف إلى صد الناس عن الإسلام وتثبيط عزائم المسلمين.
استخدم الكفار طرقًا مختلفة لصد الناس عن سماع دعوة رسول الله، منها إثارة الشبهات وفتح باب الجدال. وقد رد القرآن على هذه الشبهات وأبطلها.
طلب الكفار من النبي معجزات مستحيلة كشرط للإيمان، مثل تفجير ينبوع أو جعل جبل الصفا ذهبًا. رد النبي كان بالتواضع والإشارة إلى أنه ليس بيده ملكوت السماوات والأرض.
تم ختام الدرس بدعاء بأن ينفع الله بما قيل، مع التأكيد على الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. وأُكد أن الله تعالى هو الأعلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في هذا المقام، إخواني في الله، في ذكر أهم المميزات التي طرأت على الدعوة الجهرية حين جهر نبينا صلى الله عليه وسلم بالإسلام، فكان من هذه السمات ما كان من شدة الأذى وكثرة الابتلاء الذي وقع لرسول الله وصحبه الكرام. وقد أشرنا في درس أمس إلى نماذج مما يتعلق بإضاح هذا الباب. ومن السمات الثانية مما تميزت به الدعوة الجهرية ما كان من مواجهة الدعوة بشتى الأساليب، مواجهة الدعوة بشتى الأساليب التي حرص الكفار على استخدامها في الصد عن دين الله جل وعلا. فمن هذه الطرق والوسائل التي اتخذها الكفار منها أولًا ما كان من أمر السخرية والاستهزاء، وما كان من أمر التحقير والازدراء. وكان القصد من هذا الباب التخويف والتخوين، وكذلك التحقير من شأن أهل الإسلام. وهذا عامل نفسي إذا وجد الواحد منا محل سخرية عند غيره، يستهزئون به ويتضاحكون عليه، لربما فت هذا في عضده وقل من عزمه. وكان هذا المراد من فعل الكفار من سخريتهم واستهزائهم برسول الله وصحبه الكرام. ولهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون﴾. والوسيلة الثانية مما أذكره في هذا المقام، إخواني في الله، وهي من الطرق التي اتخذها الكفار في صد الناس عن الإسلام ما كان من الحيلولة دون الاستماع لرسول الله. حرص الكفار عبر هذه الطريقة أن يمنعوا الناس عن الاستماع لرسول الله، واتخذوا في ذلك عدة طرق، تارة بإثارة اللغط وبرفع الأصوات، لربما بالتصفيق، لربما بالتصفير، لربما كان بطرد الناس إذا رأوا أن الناس تجمعوا حول رسول الله لكي يسمعوا منه، جاء من جاء وأبعد الناس من هذا المكان وطردهم. فكانت هذه من الطرق التي يتخذها الكفار في صد الناس عن الاستماع لرسول الله. وكما قال ربنا: ﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾، فتواصوا فيما بينهم على اللغو وعلى إثارة اللغط وعلى رفع الأصوات حتى يحال بين الاستماع لوحي السماء الذي يأتي به رسولنا عليه الصلاة والسلام. وإن مما يذكر كفائدة ذكرها أهل السير والتاريخ من أن أول ما تمكن منه نبينا صلى الله عليه وسلم من تلاوته لكتاب الله جل وعلا عند مجامع الناس ما كان من قراءته لسورة النجم. وكان ذلك في السنة الخامسة من رمضان، هكذا يذكره أهل التاريخ والسير. هذا أول ما استطاع وتمكن نبينا من تلاوته عند أصحابه بل وعند الكفار، صدع به. ومما يذكر كذلك من حرص الكفار على صد الناس والحيلولة دون السماع لرسول الله ما نقل عن فعل النضر بن الحارث، وهو شيطان من شياطين قريش. هذا الرجل قدم من الحيرة، وقد جاء وتعلم أحاديث الفرس وتعلم أحاديث رستم، فكان ينظر إلى مجالس رسول الله، فإذا جلس نبينا صلى الله عليه وسلم مجلسًا يذكر الله فيه ثم قام، قام هذا الكافر وجلس مباشرة خلف رسول الله، أي خلف مقامه إذا قام، جلس بدلاً عنه، ثم يحدث الناس بأحاديث الفرس والرستم، ويقول: «أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثًا منه»، ثم يحدث بالقصص. كل ذلك، إخواني في الله، من فعل الكفار في صد الناس والحيلولة دون الاستماع لرسول الله عليه الصلاة والسلام. كذلك من الطرق والوسائل التي اتخذها الكفار في الصد عن الاستماع لرسول الله عليه الصلاة والسلام ما كان من إثارة الشبهات وتكثيف الدعايات. كان هذا كذلك من طرقهم ووسائلهم في الصد عن السماع لرسول الله عليه الصلاة والسلام من إثارة الشبهات، فمثلاً كانوا يقولون عن القرآن بأنه أضغاث أحلام، وأحيانًا قالوا: «إنما يعلمه بشر»، وتارة قالوا عن القرآن: «إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون». وأحيانًا رموا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يأتيه شيطانه أو أنه يتعامل مع رجل من الجن، هؤلاء هم الذين يوحون إليه بهذا الوحي. وقد رد ربنا جل وعلا ودافع عن نبيه، فهذه الفرية التي اتهموا فيها نبينا اتهموا فيها نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم﴾، هؤلاء هم عرضة لأن تتنزل الشياطين عليهم، أما على نبينا حاشا وكلا، فما كان ينزل عليه إلا وحي السماء من قبل ملائكة الرحمن. وهكذا من شبهاتهم أنهم يقولون بأن النبي صلى الله عليه وسلم كانت تأتيه أنواع من الصرع وأنواع من المس والجنون، وقالوا أيضًا بأنه شاعر وأنه قد تعلم الشعر، وما كان من القرآن هذا إنما عبارة عن شعر تعلمه فهو يأتي به. وقد رد ربنا سبحانه وتعالى على هذه الفرية أيضًا بقوله سبحانه وتعالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون﴾. وصف ربنا جل وعلا الشعراء بهذه الصفات الثلاث، وهذه الصفات الثلاث كلها منفيّة عن رسول الله. فالشعراء كما قال عنهم ربنا في وصفهم: ﴿يتبعهم الغاوون﴾، كل غاوٍ تبع لهؤلاء، لكن انظروا لأتباع رسول الله من هم؟ كل راشد مهتدي عاقل حصيف، هؤلاء الذين آمنوا برسول الله عليه الصلاة والسلام. كذلك مما فعله الكفار في صد الناس عن دين الله ما كان من فتح باب النقاش والجدال. فكان يثيرون مثل هذه المسائل، وكان من أعظم المسائل التي ما تقبلها الكفار بل ما كادوا يستسيغونها أبدًا، وهذا الذي يذكر كثيرًا في القرآن من النقاش والجدال الذي يفرضه الكفار على رسول الله عليه الصلاة والسلام يعود إلى مسائل ثلاث. أساسها إلى مسائل ثلاث، وهذه المسائل قد جاء ذكرها كثيرًا في القرآن، وهي مما يطرحه الكفار على رسول الله في سبيل النقاش والمهاترات والجدال. المسألة الأولى ما كان من توحيد الله، الكافر نعم يؤمن بأن الله هو الخالق للأكوان وأنه الرازق للكائنات، لكن كونه هو المنفرد بالعبودية لا هذا ما استساغوه. أين العزى؟ أين هبل؟ أين بقية الأصنام؟ فما تقبلوا أن الله هو المتفرد بالوحدانية في العبودية، ولهذا كان من قولهم: ﴿أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب﴾، هذا محل استغراب وتعجب. فهذه المسألة، وكان الكثير من طرح القرآن لهذه المسألة الجدلية من جهتهم. المسألة الثانية مسألة النبوة والرسالة، قالوا: لو أننا أقررنا بأن الله ينزل من عنده نبيًا رسولًا، أن يكون هذا من جنسنا، يكون من لحم ودم، يكون مثلنا يأكل ويشرب ويمشي، لا هذا ما ينبغي. يرون أن هذا ما ينبغي، وأن الوحي إذا نزل من السماء ينبغي أن ينزل إلى أحد يقابل هذا الجنس العلوي، وهو ملك يكون ملكًا. ولهذا ما كان من مجادلتهم لنبينا قالوا: ﴿ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق﴾، هذا الرسول ينفع؟ ولهذا كانت كثيرًا ما كان من نقاشهم في مسألة نبوة ورسالة نبينا عليه الصلاة والسلام. كذلكم المسألة الثالثة البعث بعد الموت، وهذه ما استساغوها، بل الكفار قاطبة كانوا ملاحدة في هذا الجانب، في جانب البعث بعد الموت، ما كانوا يؤمنون بشيء يسمى باليوم الآخر أو ما يسمى بالقيامة أو ما يسمى بالحساب والعقاب بعد فناء الأجساد والأبدان. ولهذا ذكر ربنا هذا كثيرًا عنهم أنهم كانوا يلحدون في الله في مسألة البعث والنشور: ﴿أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون﴾، فكانوا منكرين لقضية البعث والنشور. كذلكم خامسًا، إخواني في الله، من الطرق التي اتخذها الكفار وأختم بهذا المقام ما كان من قضية التعجيز. هذه مسألة، نعم كان الكفار كثيرًا ما يطرحونها على رسول الله، قضية التعجيز والتعجيز هو أن يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل أشياء، تريدنا أن نؤمن، تريدنا أن ندخل معك في الإسلام، نحن على هذا القيد بشر أن تفعل كذا وكذا. وطبعًا هذه الأطروحات إنما عبارة عن مستحيلات، يعلقون الإيمان بأمر مستحيل، فقط لإظهار العجز والضعف لرسول الله عليه الصلاة والسلام. وقد ذكر ربنا الشيء الكثير من هذه التعجيزات كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرأه﴾. تخيل في هذه الأطروحات، وكلها تعجيزات، ماذا رد عليهم نبينا؟ قال: «قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرًا رسولًا؟»، أنا بشر رسول، ليس بيدي ملكوت السماوات والأرض حتى تطلبوا الذي أطلب به. طبعًا هذه الأطروحات كما قلنا، إخواني في الله، ولو فعلها نبينا لما أجدت نفعًا. ولهذا ثبت في الصحيح كما جاء من حديث أنس أن أهل مكة سألوا نبينا صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، أن يريهم آية، فآراهم انشقاق القمر، انشقاق القمر. وجاء من حديث عبد الله بن مسعود قال: «انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: اشهدوا اشهدوا اشهدوا اشهدوا»، لكن هل هذا أغنى؟ ما أغنى عنهم شيئًا، وإنما زادهم عتوًا ونفورًا. وبهذا تعلم أن هذا الذي يطلبونه ليس من الطلب الذي يراد منه الإسلام والإيمان، ولهذا أيأس ربنا جل وعلا نبيه من هذه المطالب. وغثبت في مسند الإمام أحمد من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الكفار قالوا: «يا رسول الله أو يا محمد، قالوا: إن جعلت لنا الصفا ذهبًا نؤمن بك»، اجعل لنا الصفا، أي جبل الصفا، اجعله ذهبًا، هذا انفعل فإننا نؤمن لك. فطلب قريش طلبت قريش هذا الطلب أن تجعل الصفا ذهبًا ونؤمن بك، فقال عليه الصلاة والسلام: «أو تفعلون؟ تفعلون هذا؟ أو تفعلون؟» قالوا: «نعم». فدعا فدعا ربه عز وجل، فأتاه جبريل فقال: «يا محمد، إن ربك يقرئك السلام ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبًا، فمن كفر منهم بعد ذلك لأعذبنه عذابًا لم أعذبه أحدًا من العالمين»، هذه الآية ستقع لو أراد الله، ستقع، لكن بهذا القيد أن من كفر بعد ذلك منهم فله العذاب الذي ما يعذبه أحد من خلق الله. قال: «أو إن شئت فتحت لهم باب الرحمة والتوبة»، حين خير نبينا بين الأمرين، وعلم من طبيعة قومه أنه لو جعل لهم الصفا ذهبًا سيكفرون ويتمردون، لكن بعد هذا هو الاستئصال الذي لا حياة بعده، أو يفتح لهم باب الهداية والرحمة والتوبة. قال نبينا صلى الله عليه وسلم لجبريل: «قال بل باب التوبة والرحمة»، بل باب التوبة والرحمة. فالشاهد، إخواني في الله، فهذه السمة الثانية من السمات التي اتخذها الكفار في سبيل اتخاذ الأساليب في صد الناس عن دين الله، منها ما كان من أمر السخرية والاستهزاء، ومنها ما كان من الحيلولة دون الاستماع لرسول الله، ومنها ما كان من إثارة الشبهات وتكثيف الدعايات، ومنها ما كان من باب فتح النقاش والجدال، ومنها أخيرًا ما كان من التعجيز. وسيأتي معنا في درس غد بإذن الله السمة الثالثة من السمات التي برزت بها الدعوة الجهرية حين جهر نبينا بدعوته والدعوة إلى الإسلام. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.